سميح شعلان: مسحراتي بورسعيد في دراسة ميدانية

الدكتور سميح شعلان – الراحل مؤخرا- كان  واحدا من أشد المخلصين لدراسة ثقافتنا الشعبية، والمهتمين برصدها، وتحليلها باعتبارها سبيلا لفهم الشخصية المصرية، والوقوف على ملامحها الثابتة والمتغيرة.

لم يتعلق سميح شعلان بعلم المأثورات الشعبية من أجل قدرته على كشف الهوية والحفاظ على تماسكها فقط، بل لأنه يساعدنا أيضا على وضع برامج وخططٍ تنموية قادرة على التأثير بسبب فهم الأبعاد والرؤى والتصورات والمفاهيم المنتشرة والسائدة، المتحركة والساكنة، المتمسكة الثابتة، والمتنازلة الرخوة.

**

في كتابه الأخير (مدخل لدراسة العادات الشعبية: أسسٌ نظرية ودراسات ميدانية) يقدم لنا المفاهيم الأساسية حول موضوعات علم المأثورات الشعبية، كما يتناول مفهوم العادات الشعبية والاتجاهات المنهجية الحديثة لدراسة الفولكلور، والتصنيف الرقمي لموضوعات العادات الشعبية.

وبالإضافة لهذا الجهد النظري، يهتم الدكتور سميح شعلان بالواقع الميداني باعتباره المرجع الرئيسي، الذي نسعى من خلاله إلى فك رموز المضمون بغرض فهم رسائل الناس المباشرة حول الكون وطبيعة الحياة.

وهكذا قدم لنا ثلاث دراسات ميدانية، تناولت الأعراف القبلية عند بدو الصحراء الغربية، والممارسات الاعتقادية الشعبية المرتبطة بالإنجاب، والمسحراتي في بورسعيد.

لقد سعى من خلال القراءة الميدانية لكل موضوع أن يتأمل الأفكار التي تدعو إلى تلك الممارسات، مؤكدا على أن السلوك سواء أكان سلوكًا احتفاليًا، أو ممارسات اعتقادية، يدعو إليها ويؤسس لوجودها حاجات الناس الملحة سواء بالاستمتاع بالحياة، أو صد أذى مؤرقاتها، أو ضبط إيقاع التصرفات الفردية، بما لا يقوض روح الجماعة أو يقضى عليها.

لقد ركزت الدراسات جمع معلومات ميدانية تفصيلية، تهتم بالداعى إلى السلوك، والقائمين عليه، والأدوار المختلفة لهم في تنفيذه، ومؤشرات وجوده، ومبررات التخلي والتمسك، والداعين لوجوده والدافعين إلى التخلي.

**

لم يكتف الدكتور سميح بجمع وتدوين المعلومات التفصيلية بل أقام معها حوارًا علميًا رشيدًا، سعى من خلاله إلى فهم الذات الحضارية وما تحمل من جينات ثقافية ورثها الشعبُ وحذف منها وأضاف إليها، وتصرف فيها، وفق ظرف الزمان المتحرك حوله ويحركه نحو اختيار الأنسب من السلوك، ليتعايش معه ويعيش به الحياة بدون مؤرقات.

وتستحق دراسته الميدانية للتسحير في بورسعيد وقفة خاصة، وذلك بسبب ندرة البحث الميداني في الظواهر الرمضانية بشكل مؤسف، واحتواء الدراسة على نصوص لم يعد لها وجود بسبب انحسار التسحير أمام المد الحداثي وافتقاده لمبررات وجوده نظرا للمتغيرات التي طرأت على الحياة التقليدية التي نشأ فيها.

يبدأ الدكتور شعلان دراسته بالتوقف أمام التسحير كعادة تطوعية تؤدى ابتغاء مرضاة الله بلا أجر، بالإضافة إلى كونها مهنة موسمية يؤديها المرتزقة بأجر، وأغلبهم من الفقراء وكان بعضهم يعمل في خدمة المساجد، والبعض الآخر فى أعمال الدفن وخدمات الجنائز، والسريحة، بالإضافة إلى أولئك الذين رغبوا فى المهنة لما فيها من مفردات قولية غنائية تتفق وما لديهم من ميل نحو هذا اللون من الأداء الفني.

المسحراتى وزبائنه

يلعب الجمهور دورا كبيرا في الثراء الفني لعملية التسحير، لأن العلاقة بين المسحر والجمهور تتعدى الإيقاظ لتصل إلى حدود الاستحسان والتحسين، بمعنى أن الشكل الفنى الذي كان يتبعه كل مسحر فى إيقاظ زبائنه، أنتج لونا من ألوان الاستجابة لمنتجه الفنى والإنصات له واستحسان الطيب منه، الأمر الذي دفع المجيدين من المسحراتية، وأصحاب الفهم الفني للأقوال المصاحبة للتسحير للسعي نحو التحسين والإضافة، بحيث تجذب إبداعاتهم القولية مزيدا من الاستحسان ومزيدا أيضا من الزبائن. وهذه العلاقة ساهمت بشكل مباشر في المنافسة بين “المسحراتية”. بحيث يحتفظ كل منهم بأحسن ما سمع من سابقيه في المهنة، بل ويضيف عليه.

المسحراتي في بورسعيد فى بداية القرن العشرين كان يبدأ بعد منتصف الليل في التسحير ويدق على “البازة” إحدى عشرة دقة، هذه الدقات تسمى “تنبيه”، أي أنه ينبه زبونه بقدومه إليه لإيقاظه، وبعدها يبدأ فى إنشاد بعض من أبيات مسجوعه يطلق عليها “مديح”، وهي بالفعل مدح في رسول الله، ويفصل بين كل بيتين بأربع دقات على “البازة”، وبعد هذا “المديح” يروى المسحر قصة مسجوعة، وإذا كانت هذه القصة طويلة قسمها إلى أجزاء وروى جزءا عند كل بيت، وهو يتبع في تقسيم القصة نوعا من التشويق لجذب مستمعيه لمتابعته، خالقا بذلك جوا من الفرجة، ودائما ما ينهى هذا الجزء بالدعاء لصاحب البيت.

**

يلى ذلك “التحية” وهي لأهل المنزل الذى يقوم بتسحيره، وهو دائما يعرف أسماء زبائنه جميعا، بل ويعرف كذلك أسماء أبناء كل زبون وأهله الموجودين معه في البيت، ليذكر هذه الأسماء مع بعض الدعاء وبما يتوافق مع آمال الأب أو الشخص نفسه في الحياة، ويفصل بين كل بيتين مسجوعين أربع دقات على البازة، وبعد أن ينهى تلك المقولة الثلاثية المكونة من المديح ثم التحية ينهى تحيته لزبونه بالدعاء له.

هذا الشكل من التسحير لا يحدث طول أيام الشهر، كما أنه يقتصر كل ليلة على جماعة من زبائنه، بحيث لا ينال كل زبون تلك الوقفة أكثر من ثلاث إلى أربع مرات على مدار الشهر كله، وهو يمر على عدد منهم، يعقبه في الليلة التالية عدد آخر، إلى أن ينهى زبائنه على مدار عشرة أيام أو أسبوع حسب عددهم، أما بقية الزبائن فيقوم بتسحيرهم بشكل جماعي.

وهكذا تتوزع الأقوال الفنية للمسحر على المديح، والقصص، والتحية، الوداع، وسوف نتوقف سريعا عند تلك العناصر:ـ

1ـ المديح

“المديح” هو البداية التي يستهل بها المسحر عمله، وتتنوع مقاطع المديح التي يتغني فيها بجمال النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ذلك المقطع الذي يتحدث عن رغبة جبل عرفات في مصاحبته عليه الصلاة والسلام يقول المقطع:

عرفات يقول للنبى لاسْكُنْ على بابك..

وأشاهدك يا نبى وأبقى من أحبابك..

شار النبى يا جبل روح والزم اخطابك..

لم يكمل الحج يا عرفات إلا بك..

يا رب بالمصطفى يا رب بكتابك..

تغفر ذنوبى وتجعلنى من أحبابك..

كشفت خديجة على خد النبى نور..

فرحوا الصحابه وقالوا شمعنا نور..

لك جوز عيون يا نبى جل الذي صور..

لولاك يا زين لم كان القمر نور..

2ـ القصص:

هناك نوعان من القصص يلقيهما المسحر، الأول القصص الدينية، وتشمل أنواعا مختلفة من المعجزات التي ترتبط بالأنبياء والصحابة، وتتناسب في أحداثها مع روح شهر رمضان الدينية، مثل قصة الجمل، وقصة ثعبان الغار، وقصة ميمونة واليهودي.

أما النوع الثاني فهو القصص الفكاهية، وهي مقولة قصصية ثانوية يُطلب من المسحر في بعض الأحيان إنشادها، يقول نص قصة الثعبان:

كان النبى ويا الصديق..

ف الوكر وحاسس بالضيق..

ف جاله ثعبان ف الطريق..

سد له الوكر برجليه..

قام لما لدغه بكى الصديق..

فنزلت دموعه على خد الرسول..

ف حس الرسول بالدموع..

قاله ما أبكاك يا أبو بكر..

قاله ثعبان قرصنى يا رسول الله..

شار النبى تعا يا تعبان..

آدى إنت عبت وعيبك بان..

قرصت أبو بكر الصديق..

وقرصته وآهو السم أذاه..

قاله آنا جيت يا رسول..

قصدى عشان أتملى وأزور..

قام سد لى الجحر برجليه..

ما بحسب أن السم أذاه..

وأدينى جيت لعنديكم..

وحقى بين أياديكم..

وان كان قتلى يرضيكم..

آدى اليوم اللى آنا بتمناه..

ب ـ القصص الفكاهية:

أنا إن حكيت للناس ماحد يصدقنى..

شوفو المره اللى بتضحك على دقنى..

ربنا بلانى بواحده سنها محرات..

تقوم من النوم تقوللى يا مسخم هات..

ووسطها التحتانى بزحافات..

طفتها م القمح عشر كيلات..

يا حسرتى جانى الحرامى سحر..

سرق هدومى مع هدوم المره..

الحكاية قصيرة لا تتبع أساليب السرد القصصى المتعارف عليه، وإنما تنتقل من موضوع إلى موضوع جديد دون ارتباط بينهما، وعلى الرغم من كونها دعابة من المسحر، إلا أنها توحى بأنه يقدم نفسه وزوجته قربانا للفكاهة، من أجل الآخرين الذين يستقبلون روايته تلك، مع ما يعضدها من المؤثرات الفكاهية، والتي أولها وجود الشخص ذاته الذى يدلى بتصريحاته الكاريكاتيرية عن نفسه وزوجته.

3ـ التحية:

التحية هي الجزء الثالث، وهي أهم الأجزاء عند الزبائن، إذ أن كل أفراد البيت ينتظرون سرد أسمائهم فى أبيات مسجوعة، تحمل في ثناياها ألوان الدعاء المختلفة التى تناسب حالة كل اسم، ويعتبر أهل البيت أن نسيان أحد أفراد الأسرة من قبل المسحر فألا سيئا، وكثيرا ما ينبه المسحر بالاسم المنسي ليتدارك خطأه، ويدعو له كبقية أهل البيت، وفيما يلى نموذج لتحية صاحب بيت وابنه وابنته.

تحية لبيت محمد أفندى:

محمد أفندى الله يزيدك كرم..

وتشاهد الكعبه وباب الحرم..

وينصرك ربى على من ظلم..

أحمد محمد، الله يخليه لنا..

ويجعل لياليه من ليالى الهنا..

إحنا أجينا ع القدم ساعيين..

كله عشانه ومطلوب رضاه..

ست العرايس أنا ما انتسي اسمها..

ياللي المسجر والحرير لبسها..

على جبل عرفات ويجمع الله شملها..

فى جاه نبى مرسل عليه السلام..

ست العرايس يا حبيبة الصباح

يا عقد جوهر فوق صدور الملاح

يا مسك تركى إينما هب فاح

ونسأل الله العلى القدير

يعود عليكم كل عام بخير

وتعيدوا فى خير وعز السرور

وكل عام وإنتوا الجميع طيبين

4 ـ الوداع:

يطلق على هذا النوع من المديح “الوداع” أو “الختامه” وهي تخص نهاية الشهر، أو الجزء الأخير منه، وبعض المسحرين يقولون “الختامه” بعد انقضاء نصف الشهر، وبعضهم لا يختم إلا بعد مضى ثلاثة أسابيع منه، والبعض الآخر في العشر الأواخر من رمضان، وقول “الوداع” إشارة من المسحر إلى قرب انتهاء الشهر واستهلال العيد.

“والختامه” موحدة على كافة الزبائن ليس فيها من تغيير إلا التحية بأسماء أصحابها، و “الوداع” هو نفسه الذي يلقيه على زبائنه في صباح يوم العيد “ليعيِّد عليهم”، تقول الختامة:

يا عينى جودى بالدموع وودعى..

شهر الصيام وجددى الأحزان..

والله زمان الفضل راح وانتهى..

وآن أوان الضم ويا الحصيد..

يا عينى جودى بالدموع وودعى..

شهر الصيام وجددى الأحزان..

ضحوا ضحاياهم وبلغوا مرادهم..

وأنا المتيم قد نحرت فؤادى..

ودعتنا يا شهرنا عاجلا..

وعليك يا أزكى الشهور السلام..

كانت لياليك من ليالى الهنا..

يا ليتها دامت علينا دوام..

شهر الصيام والله راح وانقضى..

من بعد ما كانت لياليه عظام..

آهو قلع أوتاده وهد الخيام..

وشد عزمه ع السفر والرحيل..

يا عيدنا الآتى ويا مرحبا..

يا شهرنا الماضى عليك السلام..

لا تشتكي لله أفعالنا..

وأصفح لأن الصفح من شأن الكرام..

ياللى الكرم طبعك وحسك يدوم..

يدوم لنا حسك بطول الدوام..

سى حامد أفندى أنا ما انتساه..

رب احفظه وأبقى حياة من حداه..

واحنا أتينا ع القدم ساعيين..

كله علشانه ومطلوب رضاه..

أحياكم المولى إلى كل عام..

وكل عام وأنتوا الجميع طيبين..

“الوداع” يحل محل القصة في النظم حيث يبدأ المسحر “بالمديح” ويليه “الوداع”، وينهيه بما اعتاد أن يختم به قصصه، ويلى “الوداع” أو “الختامة” التحية وفى النهاية ينهى مقولته بما يقوله عند كل زبون وبعد ذلك ينتقل إلى زبون آخر.

**

الدراسة تميل إلى صنف الأدب الشعبى، لكنها تؤكد على أن العادات الشعبية هي البوتقة التى ينصهر فيها ويخرج منها، وتحيط بها، وتتداخل معها، وتفسر معانيها، كافة أشكال الإبداعات الشعبية، سواء أكانت تشكيلية أو أدبية أو موسيقية أو حركية. وموضوعات الميراث الشعبى كافة، هي أجزاء متكاملة في جسد فكرى واحد، مسعاه الأساسى هو إلتفاف الجماعة حول أفكار مشتركة.

لا شك أن دراسة الدكتور سميح الميدانية، شأنها شأن كل الدراسات الميدانية تحتاج إلى إجراء دراسات ميدانية تتبُّعية للكشف عن ملامح التغير التي لحقت بها، والوقوف على أسباب التغير وعمقه ومداه واتجاهاته وسرعته وبطئه، وهو الأمر الذي نستطيع من خلاله الاطلاع على ما يلحق بالشخصية المصرية من تغيرات لا بد من تأملها وفهمها جيدا.

اقرأ أيضا:
مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى