سجاد وخيش وتطريز.. كيف صنعت «سيدات القصير» مشروعا للتمكين الاقتصادي؟
كان لسيدة من أهالي القصير نصيب من اسمها في «نجاح» تجربتها في خلق فرص عمل للأسر المعلية والفتيات اليتيمات، من خلال إقامة مشغل للحرف اليدوية التراثية بجهود فردية خالصة، دون مساعدة من أي جهة رسمية.
لم يكن المشغل مجرد مساحة للإنتاج، بل تحول إلى مصدر دخل وكفالة لأكثر من سبع عشرة أسرة وفتاة معيلة. عبر تمكينهن من العمل في الحرف اليدوية التي تعكس البيئة المحلية وتراث مدينة القصير، بما تحمله من هوية ثقافية وتاريخية عميقة. وتنوعت المنتجات ما بين الخيش والسجاد والتطريز والكروشيه والمكرمية، في تجربة تسهم في تنمية المجتمع بالعمل والإبداع والاعتماد على الذات.
فكرة المعرض
تقول نجاح فرج طايع، المسؤولة عن معرض الأسر المعيلة، إن المعرض يعمل منذ خمس سنوات بشكل مستقل. قبل أن يتم التعاون مؤخرا مع جمعية المحافظة على التراث. بهدف المشاركة في المعارض على مستوى الجمهورية، والترويج لمعالم القصير وسياحة البحر الأحمر. وتسويق المنتج بوصفه أحد أشكال الحرف التراثية.
وتوضح أن فكرة المعرض تقوم على تقديم السجاد كمنتج يحمل هوية تراثية. حيث تعبر كل سجادة عن نشاط حرفي من خلال دمج ثلاث حرف يدوية في منتج واحد، هي الكروشيه والمكرمية والتطريز، بما يعكس تنوع الحرف التقليدية. ويضم المعرض إحدى عشرة سيدة من الأمهات المعيلات، إلى جانب أسر تعول نفسها. إضافة إلى ست فتيات من مراحل تعليمية مختلفة، من الإعدادية حتى الكلية. ويعمل الجميع لمدة أربع ساعات يوميا مقابل مرتب ثابت. مع توفير كفالة للأسر في مجالات التعليم والزواج والرعاية الصحية.
كما يشمل المعرض دعم ذوي الاحتياجات الخاصة. حيث يتم تقديم المواد الخام والنول للسيدات اللاتي لديهن أطفال من ذوي القدرات الخاصة، مع تدريبهن على العمل داخل المنزل. على أن تتولى إدارة المعرض تسويق المنتجات وصرف مرتب شهري أو كفالة مستمرة. بما يمكن هذه الأسر من إعالة نفسها بكرامة واستقرار.
تسويق المنتجات مهمة المعرض
تضيف نجاح أن مسؤولية التسويق والبيع تقع بالكامل على إدارة المعرض، بينما يقتصر دور المشاركين على الإنتاج فقط. وتوضح أن المعرض ينتج نماذج فنية صغيرة بمقاسات تقارب 30×40 سنتيمترا. يتم تنفيذ لوحات عليها مستوحاة من معالم مدينة القصير، والصحراء، والبحر، وأنشطة سياحة الغوص والسفاري، والمعالم الأثرية. ويتم تسويق هذه الأعمال باعتبارها حرفا تراثية موجهة للأجانب. ما يجعلها تحظى بإقبال واهتمام كبيرين من الزوار والسياح.
وتشير إلى أن أكثر المنتجات مبيعا هي أعمال الخيش المشغول التي تحمل معالم السياحة في القصير، لما تتميز به من خصوصية وهوية بصرية واضحة. وتؤكد نجاح أن الأسرة المعيلة تصل، من خلال هذا النموذج، إلى مستوى امتلاك “مصنع صغير” داخل منزلها دون الحاجة إلى الخروج للعمل. حيث يتم توفير كفالة للأسرة في صورة مرتب شهري ثابت، أو دعم علاجي أو تعليمي، أو المساهمة في زواج البنات. وقد تم حتى الآن كفالة سبع عشرة أسرة.
تغيير الأسر كل 8 شهور
تضيف نجاح أن المعرض يعمل بنظام التمكين، حيث يتم تغيير الأسر كل سبعة أو ثمانية أشهر. وعندما تصبح الأسرة قادرة على الإنتاج بشكل مستقل يتم الاكتفاء بكفالتها في جانب التسويق فقط. ويعتمد المعرض بشكل أساسي على السجاد والخيش. ويشارك فيه نحو ست أسر من ذوي الاحتياجات الخاصة، من بينهم حالتان لمتلازمة داون. بينما تعاني باقي الحالات من إعاقات سمعية أو ذهنية.
كما تكشف نجاح أن المعرض تكفل بإجراء نحو أربع عمليات جراحية لأسر معيلة في تخصصات طبية مختلفة داخل القاهرة، على نفقة المعرض كاملة.
باب رزق
تقول تهاني عبد الجواد، أرملة وتعول سبعة أبناء، إن صناعة السجاد اليدوي أصبحت باب رزقها الوحيد بعد أن ضاقت بها سبل المعيشة. ولم يكن لديها أي مصدر دخل آخر للإنفاق على أبنائها. وتضيف أن تعلمها الحرفة جاء بفضل الله. ثم بدعم “نجاح”، التي علمتها أساسيات إنتاج السجاد، لتتمكن هي وبناتها من إتقان العمل والتميز فيه.
وتؤكد تهاني أن الدخل المتحقق من السجاد اليدوي ليس كبيرا، لكنه يكفي لفتح بيتها وتوفير الاحتياجات الأساسية لأبنائها. خاصة نفقات الصحة والتعليم. وتختتم حديثها بتمنيها أن يحظى المنتج اليدوي باهتمام أكبر من الجهات المعنية، وأن يتم تنظيم معارض بشكل مستمر لتسويق هذه المنتجات. بما يفتح أبواب رزق أوسع للأسر البسيطة المعتمدة على الحرف اليدوية.
مساحة لتفريغ الطاقة والإبداع
أمينة جاد الرب تعمل في مجال الخيش والسجاد لتعول أسرتها بعد مرض زوجها. حيث تتحمل مسؤولية إعالة ستة أفراد. وتوضح أنها تعمل داخل المعرض نحو خمس ساعات يوميا في إنتاج السجاد. وهو ما ساعدها بشكل مباشر على توفير احتياجات أسرتها الأساسية والاستمرار في مواجهة أعباء الحياة. وترى أن العمل اليدوي لا يقتصر على كونه مصدر دخل، بل يمثل مساحة حقيقية لتفريغ الطاقة والإبداع. إذ يمنحها فرصة للابتكار والتخيل في تصميم أشكال الخيش وتحويلها إلى لوحات فنية مميزة.
وتؤكد أمينة أنه رغم ضيق الحال، فإن معرض الأسر المعيلة فتح لها بابا جديدا للحياة. وساهم في توفير سبل المعيشة الأساسية لأبنائها الستة، ومكنها من الاعتماد على نفسها بكرامة.
روح الفريق بوابة لاكتساب المهارات
تقول فج النور محمود إنها تعيل أسرتها من خلال العمل في التطريز والخيش. مؤكدة أن تجربة التعلم والعمل داخل المعرض منحتها فرصة حقيقية للدخل الحر، عبر اكتساب حرفة دائمة مكنتها من الإنفاق على أسرتها بكرامة.
وتضيف أن فائدة الحرفة لم تقتصر عليها فقط، بل امتدت إلى أبنائها. حيث حرصت على تعليمهم ما تعلمته، ليترسخ في نفوسهم حب العمل والمشاركة وتحمل المسؤولية منذ الصغر.
وتصف فج النور المعرض بأنه مدرسة متكاملة، لا تقدم مجرد فرصة عمل. بل تمنح المشاركات والأطفال قيما أخلاقية وإنسانية رفيعة، لا يمكن اكتسابها إلا في بيئة يسودها التعاون والعمل بروح الفريق. وهو ما ينعكس بشكل إيجابي على الشخصية والسلوك ومستقبل الأسرة بأكملها.
للمشاركة في الحياة الاقتصادية
تقول حبيبة علوة جمعة، 17 عاما، وتعمل في مجال صناعة السجاد، إن المعرض يأتي في إطار دعم الأسر والمرأة المعيلة وتشجيعهن، بما يحفزهن على العمل والإنتاج. وتوضح أن المشاركة في المعرض شجعتها على الانخراط في الحياة الاقتصادية. وأسهمت في تمكينها ورفع مهاراتها الفنية والمهنية. بما يتيح إخراج منتج لائق وقادر على المنافسة.
وتشير حبيبة إلى أن التجربة نجحت في تحقيق الربط بين المهارات المطلوبة في سوق العمل وقوة العمل المتاحة. بما يفتح آفاقا أوسع للتشغيل والاستدامة المهنية.
تميز المشغولات يفتح باب المعارض
وأخيرا، أشادت نجاح طايع بمستوى منتجات الفتيات وجودة مشغولاتهن، مؤكدة أن أعمال كل من رحمة حمادة إبراهيم، بالصف الثالث الإعدادي، في صناعة السجاد. وليلي حمادة إبراهيم، بالصف الثاني الابتدائي، ونورهان عليوة جمعة، بالصف الثالث الابتدائي، في صناعة السجاد. وبتول مؤمن حمادي، من ذوي متلازمة داون، وأقل من خمسة عشر عاما. وتعمل على النول، تمثل نماذج مشرفة للإبداع في التصميم والتنفيذ، رغم صغر أعمارهن.
وأوضحت أن تميزهن في العمل يشجعها على الدفع بهن للمشاركة في المعارض بكل فخر. لما يمتلكن من موهبة وقدرة على الابتكار، وهو ما يفتح أمامهن فرصا واسعة للمشاركة في المعارض المحلية والدولية. وأكدت أن دعم هذه النماذج يهدف إلى تشجيع الفتيات على إقامة مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر، تسهم مستقبلا في زيادة دخل أسرهن، وتحقيق الاستدامة الاقتصادية القائمة على الحرف اليدوية.
اقرأ أيضا:
«باحة الفنون للتراث والتنمية».. أول مساحة آمنة للكتابة والإبداع في القصير
«تجفيف السمك» في القصير.. موروث شتوي من ذاكرة البحر الأحمر
«الإسكلة البحرية» بالقصير.. بين الإهمال الرسمي ومحاولات الإنقاذ الشعبية







