متابعات وتغطيات

د.هبة صفي الدين: أن تزرع شجرة.. أحد اشتراطات البناء في القاهرة الفاطمية

عبر منصة “زووم” الإلكترونية، واصل موقع “باب مصر” التابع لـ”ولاد البلد للخدمات الإعلامية” سلسلة التدريبات التي ينظمها بدعم من مؤسسة دروسوس للمهتمين بصحافة التراث. وجاءت المحاضرة الثالثة للدكتورة هبة صفي الدين، أستاذ العمارة والتصميم العمراني بجامعة مصر الدولية ومديرة بيت المعمار المصري (المركز الإبداعي) ومديرة برنامج “العمارة والأطفال” بالاتحاد الدولي للمعماريين، تحت عنوان “العمارة الإسلامية.. التراث الحي”.

التراث الحي

وضحت الدكتورة هبة صفي الدين، في بداية محاضرتها الفرق بين كل المكان التراثي والمكان الأثري، وقالت: الأماكن الأثرية هي المسجلة ضمن وزارة السياحة والآثار وموضوعه على قوائمها، أما الأماكن التراثية فهي غير المسجلة بوزارة الآثار، وقد تكون أماكن شهدت واقعة شهيرة أو مرتبطة بحدث أو تاريخ معين، أو بيوت قديمة، أو شارع وغيرها من أماكن، والجهة المعنية بها والمهتمة بتوثيقها هي الجهاز القومي للتنسيق الحضاري.

وتابعت: أما التراث الحي فهو ذلك الرابط السحري والسري الذي يربط ما بين الماضي والحاضر، مثل ارتباط شخص بـ” شوارع، أحداث الهامة، أكلات ذات طابع محلي، رائحة الأماكن والشوارع، الذكريات.. وغيرها”، لافتة إلى أنه أثناء بحثها عن مفهوم التراث الحي، وجدت أن هذا المفهوم على سبيل المثال يتم تدريسه لطلبة المرحلة الثانوية في الأردن، والمؤسف أنه لا يتم تدريس ذلك للطلاب في مصر الزاخرة والعامرة بالتراث الحي في مختلف الأماكن.

مصطلح العمارة الإسلامية

أشارت صفي الدين، إلى أن مصر مرت بحضارات مختلفة، ومن الخطأ أن يكون مصطلح “العمارة الإسلامية” شاملا لكل الفترات التاريخية التي تعاقبت على مصر، إذ أن كل فترة تمتاز عن الأخرى بمميزات خاصة تجعلها متفردة، فلكل فترة خصائصها ومفرداتها المميزة ففترة حكم الدولة العباسية تختلف عن الأموية، وكذلك تختلف فترات حكم الدولة الفاطمية عن الأيوبية والمملوكية والعثمانية.

القاهرة الإسلامية

وذكرت أن التركيز على الأماكن والآثار الإسلامية في القاهرة وحدها على الرغم من وجود تلك الأماكن في مختلف محافظات مصر، يرجع لكون القاهرة كانت العاصمة في مختلف عصور الدولة الإسلامية، وترك كل عصر آثاره عليها، فتغير شكلها مع كل عصر تاريخي، سواء في تصاميم وأشكال المساجد أو الكنائس أو المدارس والمباني والبيوت والقصور والقلاع وغيرها.

وتم إدراج القاهرة الإسلامية، على قائمة التراث العالمي باليونسكو عام 1979 كإحدى أقدم مدن العالم الإسلامية، فقد كانت القاهرة في القرن العاشر مركزًا للعالم الإسلامي الجديد، وفي القرن الرابع عشر بلغت عصرها الذهبي.

عمارة العصور الوسطي

قسمت صفي الدين، عمارة العصور الوسطى حسب الفترات التاريخية الإسلامية المتلاحقة حيث انفردت كل فترة ببعض المفردات الخاصة مثل:

عمرو بن العاص والفسطاط

قام عمرو بن العاص ببناء جامع سمي بجامع “عمرو بن العاص” وقد كان جامعًا كبيرًا تقام فيه صلاة الجمعة والأعياد، ثم قام ببناء مدينة الفسطاط الشهيرة التي كانت مدينة عظيمة، تضم الأسواق الكبيرة والحارات والدروب، وشهدت توسع عمراني وازدهار، وذكرت مصادر وجود بنايات بها ذات طوابق متعددة وصل عددها في بعض البنايات إلى 5 أو 7 طوابق.

القاهرة الفاطمية

كان تخطيط القاهرة الفاطمية يشبه المدن الرومانية القديمة، والذي كان يتمثل في شارع رئيسي كبير يشق المدينة وهو المعروف الآن بـ”شارع المعز”، وهناك شوارع أخرى تتفرع منه، واشتهرت بوجود جامع الأزهر، ووجود القصر الشرقي والقصر الغربي وسميت المنطقة الواقعة بينهما بـ”بين القصرين”، وشهدت العمارة في تلك الفترة تطور كبير، حيث وصف أحد الرحالة الذي زار القاهرة في القرن الحادي عشر مبانيها وقال: “بيوت القاهرة كانت فخمة مبنية من الأحجار، وأمام كل بيت شجرة فضلاً عن وجود مسافة بين كل منزل وأخر، كأحد أهم اشتراطات البناء”.

وتكمل: امتازت القاهرة الفاطمية أيضًا بوجود الأسوار العالية مثل أسوار “جوهر الصقلي، وبدر الدين الجمالي”، كما امتازت بوجود البوابات مثل باب الفتوح وباب النصر، اللذان استخدما في دخول وخروج الجيوش، كما امتازت العمارة الفاطمية بوجود العقد، ووجود الصرة، وأعمال الجص في الشبابيك، والديكورات المميزة، والقباب والقبوات المتقاطعة المأخوذة من العمارة اليونانية والبيزنطية.

القاهرة الأيوبية

وحول القاهرة الأيوبية تقول صفي الدين: تم إضافة المدرسة لنظام المباني وضمت المدرسة داخل جنباتها مسجدًا وسكن للطلاب وأماكن لتدريس كافة العلوم، وغيرها من الأنشطة، وتم بناء الأضرحة الخاصة بعلماء السنة داخل المدينة وليس خارجها كما كان متبعًا، واتسمت العمارة وقتها بالطابع الدفاعي لكثرة الهجمات والغارات على مصر وقتها، كما شهد هذا الوقت تطورًا في التصميم وطرق ومواد البناء.

كما تم إدخال نظام هندسة المياه إلى الأماكن المرتفعة وتحديدًا إلى القلعة التي كانت مبنية على أعلى مكان في مصر، وذلك من خلال نظام السواقي والمجاري المائية الذي كان متبعًا في الفترة الرومانية.

القاهرة المملوكية

وصفت صفي الدين الفترة المملوكية بـ”القوية”، والتي اهتمت بالعلم والعمارة، وقد انقسمت فترة حكم المماليك أو العصر المملوكي إلى “المماليك البحرية والمماليك البرجية”، وقالت: المماليك البحرية هم من سكنوا على جزيرة الروضة، وقد عمل قادة المماليك هناك على توجيه رسالة على مدى قوتهم، من خلال بناء المباني الفخمة مثل مبني “قبة الصخرة” وغيره من أماكن تدل على القوة والعظمة، وتأثرت تلك المباني بالنظام القوطي من البازيليكا بشمال إفريقيا، والطراز الإسباني والسوري في بعض الأحيان، مثل الألوان والرخام وتقسيماته وتصميم المباني، ويعد مسجد “السلطان حسن” هو هرم مصر الرابع حيث يجمع كونه مسجد وضريح وبيمارستان.

أما المماليك البرجية، فتقول عنهم صفي الدين: هم المماليك الذين كانوا يسكنون قلعة الجبل، فقد كانوا مقيمين دائمين، وقد طوروا مفهوم الوكالة والتي تعتبر قفزة معمارية، وهي التي كانت تضم التجار الوافدين، وفيها أماكن للإقامة وأخرى خدمية، كما ظهر السبيل، وتعد تلك الفترة هي جوهرة العمارة الإسلامية، التي تنوعت ما بين الجوامع والمدارس والخانوقات، والوكالات والفنادق، كما استخدمت النقوش والزخارف والرخام بكثرة، وظهرت القباب الخاصة بالأضرحة والنوافذ الملونة الزجاجية والأسقف الخشبية، والقباب الحجرية، والشرائط الكتابية.

القاهرة العثمانية

جاءت الفترة العثمانية، وظهرت ثلاثة أشكال للعمارة الإسلامية وقتها، وهي ما توضحه صفي الدين بقولها: أدخل العثمانيين تغييرات بسيطة على العمارة المملوكية التي كانت موجودة بالفعل، ثم ظهرت العمارة العثمانية الخالصة والتي كانت تشبه الطراز الموجود في تركيا في ذات الوقت، وظهر شكل آخر وهو الهجين الذي جمع ما بين المملوكي والعثماني، لذا اختلفت أشكال المباني وطرزها سواء في المساجد أو المدارس أو المنازل، فقد ظهر الثراء الكبير في المنازل، وتم إدخال القيشاني الملون، والأسقف الملونة، وأصبحت المساجد تضم الصحن المكشوف والتخطيط المستطيل، وظهرت القباب خارج التصميم المعماري للمئذنة.

دروس وقيم مستفادة

أشارت صفي الدين إلى أن هناك العديد من الدروس والقيم المستفادة التي يمكن أن نخرج بها من دراسة العمارة الإسلامية، حيث تتمثل الدروس في الآتي:

– تصميم المنازل كي تتعامل مع المناخ بشكل مناسب وخاصة في الصيف، فقد ظهرت ملاقف الهواء التي تعمل على تجديد الهواء داخل المنزل من خلال الطرد والشفط، ووجود الحدائق والقاعات والشخشيخة وغيرها.

– استخدام مواد وتقنيات بناء مناسبة وجديدة مثل الأحجار والرخام، وكل حقبة عملت على تطوير نظام البناء.

– استخدام طرق مختلفة لإعادة الاستخدام أو مفهوم التدوير المستحدث الآن لتوفير الطاقة، فعلى سبيل المثال استخدمت القمامة وحرقها في تسخين المياه داخل الحمامات العمومية الشهيرة.

أما القيم المستفادة والمستدامة من العمارة الإسلامية فتمثلت في الآتي:

– احترام الإنسان.

– احترام قيمة الجوار من خلال تصميم المباني.

– احترام المكان.

– الإبداع الحرفي.

– الشمولية.

التراث الإسلامي خارج القاهرة

ذكرت صفي الدين، أن هناك أماكن عديدة في مصر تحتوي على الكثير من الأماكن الأثرية الإسلامية تقع خارج العاصمة القاهرة، ومنها على سبيل المثال: مدينة القصر الإسلامية بمنطقة الواحات المصرية، والتي يعود تاريخها إلى القرون الهجرية الأولى، وامتد العمران بها حتى العصر العثماني، وتمتاز بتخطيط عمراني هندسي مميز، حيث يغلق على كل قرية باب كبير، ولكل قرية 10 بوابات.

كما تحتوي محافظة المنيا على العديد من الآثار الإسلامية ما بين المساجد والقباب، حيث تحتوي قرية البهنسا وحدها على 17 ضريح ينتسبون لشهداء الصحابة والتابعين، وبها مسجد يعود للعصر الفاطمي.

وأشارت إلى أنه وفقًا لإحصائيات مجلس الوزراء عام 2000 فإن عدد الآثار الإسلامية الموجودة في مصر هي (القاهرة تضم 537 أثر إسلامي، البحيرة 40 أثر، سوهاج 26 أثر، قنا 25 أثر، الغربية 23 اثر، أسيوط 15 أثر، المنيا 15 أثر)، وهناك مسجد أبوالحجاج بالأقصر، وهناك أزهر الصعيد، بالإضافة لمدينة الشهداء بالبهنسا في المنيا.

الحفاظ على التراث

وفي نهاية المحاضرة تمنت صفي الدين المحافظة على التراث الإسلامي، وقالت إن ذلك ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل يجب أن يكون هناك وعي مجتمعي بأهمية الأثر، فهو يمثل الهوية والجذور الثقافية للإنسان، حيث إن علاقة الإنسان بالتراث علاقة عضوية، ولابد من المحافظة على التراث من خلال عدة مقترحات:

– تجديد المباني التراثية وإعادة استخدامها في أنشطة ثقافية.

– تقديم الحكومة أو الجهات المعنية التسهيلات للراغبين في شراء بعض البيوت التراثية لتحويلها إلى مشاريع خدمية وثقافية مثل الفنادق وغيرها من مراكز الثقافة.

– تنظيم المسابقات التراثية، ومهرجانات الحرف والفنون والأكلات المحلية والرقصات والعروض الفلكلورية.

– تصميم تطبيقات وألعاب للهواتف وخرائط تفاعلية عن الأماكن التراثية.

– ضرورة الترويج عن تلك المعالم الأثرية والتراثية وتعريف الكبار والصغار بها داخل وخارج مصر.

– التكاتف المجتمعي ما بين الأهالي ومنظمات المجتمع المدني وعمل المبادرات.

– التواصل مع الجهاز القومي للتنسيق الحضاري في المحافظات للمحافظة على التراث.

اقرأ أيضا

الدكتورة جليلة القاضي: ثمانية تحديات هامة تواجه المحافظة على التراث

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى