د.محمد الكحلاوي: وزارة الآثار ليست وزارة للاستثمار

أنفق حياته مدافعًا عن الآثار في كافة أنحاء الوطن العربي، عادة ما ينتظر ويتمهل كثيرًا قبل أن يبدي رأيه في أي قضية تخص الآثار،لكنه هذه المرة قرر أن يتخلى عن صمته، واصفا ما يحدث لكثير من الآثار من شطب وهدم بالكارثة، التي يجب أن يتم تداركها. إنه الدكتور محمد الكحلاوي، رئيس الاتحاد العام للآثاريين العرب، وأستاذ الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة، الذي يري أن وزارة الآثار قد ظلمت حين تم دمجها مع وزارة السياحة، وعلى المسؤولين أن يعوا أنها ليست وزارة للاستثمار فهي معنية بصون وحفظ الآثار وترميمها فقط، وإلى نص الحوار:

كيف استقبلتم نبأ هدم أجزاء من قناطر أحمد بن طولون؟

كنت أتوقع أن يحدث ذلك، وما حدث بقناطر ابن طولون ذكرني بما حدث في مشروع القلعة، حين أرادت هيئة الآثار أن تتلاعب كي تثبت أن هذا الموقع الأثري يقع خارج نطاق حدود القاهرة التاريخية، لذلك قلنا وقتها إن قلعة صلاح الدين وما حولها واقعة داخل حدود القاهرة التاريخية، وحينها أثرنا المشكلة مع اليونسكو، وأرادت هيئة الآثار المصرية أن تستعين بخرائط جديدة حتى تخرج القلعة من نطاق القاهرة، فرجعت للخرائط القديمة التي كانت بحوزتي وأثبتنا أن القلعة واقعة في نطاق القاهرة التاريخية.

نفس الشيء حدث أيضًا مع قناطر ابن طولون، فأنا عضو في لجنة التخطيط بمجلس الوزراء، وعندما عرض علينا مشروع تحديد حدود القاهرة التاريخية كي يقدم لليونسكو، رأيت المشروع فتحفظت على الأمر لأني أدركت أن قناطر ابن طولون وضعت خارج حدود القاهرة التاريخية، ووقتها علمت أن هذه المنطقة واقعة تحت وطأة مشروع استثماري، أو مشروع حكومي جديد، لذلك فالقاهرة التاريخية كان يجب أن يحدد نطاقها من الجنوب إلى الشمال، فالقاهرة التاريخية بمكوناتها هي أصلا مدينة إسلامية وبدايتها مع تأسيس الفسطاط، التي حوت بداخلها الكنائس والمعابد اليهودية، وبداية عمران القاهرة معروف إذ تبدأ من الفسطاط، ثم العسكر، ثم القطائع، وصولًا إلى القاهرة، ثم إلى العباسية، حتى تصل إلى جزيرة العرب، وهي حدود ممتدة، لذلك حاولوا تقطيع تلك الحدود، فرجعت للخرائط واكتشفت أن قناطر ابن طولون ليست واقعة في نطاق القاهرة التاريخية، وعلمت أن الكباري التي نفذت بعين الصيرة يمكن أن تهدد مشاهد فاطمية في منتهى الأهمية، وقد تهدد التراث المعماري القديم للقاهرة التاريخية ككل، ومنها القرافات التي هي جزء لا يتجزأ من التكوين ومن النسيج العمراني لهذه المنطقة التاريخية، لذلك هناك الكثير من المشكلات.

د.محمد الكحلاوي.. تصوير: أحمد هاتف
د.محمد الكحلاوي.. تصوير: أحمد هاتف

كما أن هناك تلاعب يتم في بعض المناطق من أجل إخراجها لتتوافق مع المشاريع الاستثمارية، والأمر ينطبق على قناطر ابن طولون، فإهمالها تم عن عمد منذ سنوات بعيدة وذلك حين قام أهالي بئر أم السلطان، باستخدام حجارة قناطر أحمد بن طولون، لتشييد البيوت العشوائية الموجودة بالمنطقة، فجميع أساس بيوت هذه المنطقة مسروق من قناطر بن طولون، وهيئة الآثار بدلًا من ترميمها في السابق تركتها للنهب والسلب لأهل المنطقة، وقد كتبت شكوتين في الماضي للدكتور زاهي حواس بخصوص هذا الأمر، لكن في النهاية لم يتم الاستجابة، حتى تبقى منها اليوم القليل، وهو الذي صمد أمام الزحف العمراني الجديد، وبالطبع تأثر هذا الجزء بالأعمال الحديثة التي تمت بالمنطقة، لذلك أنا أدركت سبب إخراج قناطر ابن طولون من القاهرة التاريخية، لأنها لو بقيت داخل حيز القاهرة التاريخية، لما استطاع أحد أن يقترب منها بأي حال من الأحوال.

هل هناك حل لإنقاذ القناطر؟

بالطبع هناك حل، لكن إذا توفرت الإرادة، فيمكن الحفاظ على أخر ما تبقى من تلك القناطر، لأنها ليست “حجارة”، وما يجب أن يدركوه أنه مبنى هندسي، يوضح عقلية المهندس المصري ودوره في الحضارة الإسلامية ككل، والتي انعكست عبقريته على تصميم  مقياس النيل وعلى قناطر ابن طولون، ونفس الأمر على قناطر السلطان بيبرس وصلاح الدين، ففكرة إنشاء برج للمأخذ كانت فكرة عبقرية، إذ إنه شيد لكي يحمل المياه، بدون كهرباء وبدون استخدام آلات رفع حديثة، وذلك عن طريق التلاعب بارتفاعات ومناسيب القناة، حتى تصل في نهاية الأمر إلى المنطقة المراد توصيل المياه إليها، وهذا العمل بالطبع في غاية الإبداع، وهو توثيق للإبداع الذي يخص علم هندسة المياه، ومثل هذه الأمور تدرس في العالم كله الآن، وهي التي تخص أساليب جر المياه في العمارة القديمة، ومصر من الدول التي كانت رائدة في هذا الأمر، لأننا أبدعنا في هذا المجال، ونحن أمام مبنى نادر يؤكد على التحضر الذي وصلت إليه مصر منذ أكثر من ألف سنة.

فالحفاظ على هذه القناطر ليست مكرمة من أحد، لكنه حق لهذا الشعب الذي أبدع، ولهذا يجب أن نبحث عن كيفية جعلها مزارا سياحيا، أسوة بسور مجرى العيون، والذي شكرت الحكومة لأنها أزالت العشوائيات المحيطة به، لكني بعدها فوجئت ببناء مشروع سكني آخر بنفس المنطقة، بالإضافة إلى أن المنطقة تعاني حتى اليوم بسبب استخدامها كمقلب للقمامة، رغم تلك الملايين التي دفعت لترميم السور الأثري، إذ أن الأمر يخص سلوك البشر فنحن يجب أن نرمم البشر قبل الحجر، لأن ما دون ذلك سيصبح هباء، فتخيل أن المنطقة تستخدم حتى اليوم كمقلب للرتش والقمامة وبعدها تضطر الوزارة لاستقدام المحافظة لإزالة هذا الرتش، ومن ثم يأتي اللودر لإزالتها، والذي بالطبع يحتك بجسم الأبراج لسحب الرتش، وبالتالي نضطر بعد ذلك لترميمها بملايين الجنيهات، ولهذا أنا أتأسى وأتأسف على ما آلت إليه الآثار الإسلامية، في وقت ينادي فيه الرئيس بإعادة تأهيل المناطق الأثرية، لكن في المقابل أجد عملية تخريب لمواقع آثار إسلامية كان يجب أن تحظى باهتمام المسؤولين، لأنها من المواقع النادرة، ومنها قناطر ابن طولون، التي لا نملك لها مثيل.

أين تكمن المشكلة؟ في الوزارة أم في الوعي؟

المشكلة كي نفهما عن قرب سببها أن وزارة الآثار ظلمت مع وزارة السياحة، فأنا أول من طالبت بوجود وزارة للآثار بعد حريق المسافر خانة، وحينها أجرى معي الصحفي إيهاب الحضري بأخبار الأدب حوارًا صحفيًا.

وطالبت من خلاله بضرورة وجود وزارة للآثار في مصر وكنت أتمنى أن تستحدث وزارة باسم “الآثار والتراث القومي” لا أن تدرج مع السياحة، لذلك من يتولى حقبة الآثار يجب أن يتعامل مع القيمة؛ على سبيل المثال فالفلاحين كانوا يجلسون على حجر رشيد دون أن يلتفتوا لأهميته، لأنه بالنسبة لهم مجرد حجر لكن بالنسبة لمن عثر عليه فهو كنز، استطاع من خلاله فك اللغات القديمة، وكذلك فالمصريون حين اكتشفوا أوراق البردي كانوا يستخدمونها في إشعال الأفران البلدي، لكن المتعلم الوحيد الذي أدرك أهمية هذا الورق أخذ تلك اللفائف وباعها للقنصلية النمساوية.

للأسف هناك الكثيرين لا يعرفون قيمة ما تملكه مصر، من جواهر الحضارات المصرية، بشقيها الفرعوني والإسلامي، لكن الإشكالية التي حدثت حين ضموا الآثار مع السياحة، أنهم حاولوا دمج الآثار في مشاريع الاستثمار وهذا خطأ فادح، لأن الآثار تقع ضمن التنمية المستدامة، وهناك أهداف واضحة بالنسبة للآثار يجب أن يتم تطبيقها بجانب عدة معايير منها؛ “إعادة التأهيل، والترميم، والصيانة، والحفاظ” وليس من ضمن تلك المعايير كلمة “تطوير” وهي الكلمة التي أعيد استخدامها خلال الوقت الحالي، فهي كلمة مطاطة أضرت بالآثار كثيرًا على مدى التاريخ، وبسببها تم الإضرار بجامع عمرو بن العاص والذي أصبح لا يمت للآثار بأي صلة، وكذلك جامع الأزهر الذي اسميه “بجامع المقاولين العرب” لأنهم ألغوا الكثير من معالمه، ووقتها ذهبت أنا والدكتور صالح لمعي، لنحذرهم من أن اليونسكو قد ترفع مسجد الأزهر من قائمة التسجيل العالمية، وذلك لأنهم أدخلوا الحديد والأسمنت، بجانب المواد الحديثة، وهذا الأمر ما كان له أن يحدث، وذلك لأن الشركات العاملة في هذا المجال هي شركات مقاولات عامة وليست متخصصة، لذلك فالآثار لها حرمة، وليست أداة لاستحلابها، فحين ترعى بشكل جيد، حينها يمكن الاستفادة منها.

هل هذا يدلل على وجود خلل في مستوى إدارة الوزارة؟

بالطبع هناك خلل، لذلك على وزارة الآثار في الوقت الحالي أن تعي أنها ليست وزارة للاستثمار، وأنها وزارة معنية بصون وحفظ الآثار وترميمها، أما أن تتخلى عن الآثار بهذا الشكل سواء من خلال هدمها أو شطبها فهذا عبث، ما كان أبدًا أن يحدث ويسأل عن الأمر من تسبب فيه، فطوال حياتي لم أر آثار تهدم مثل ما يحدث اليوم، ففي ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي كانت الآثار تنقل ولا تهدم، رغم أنهم حينها لم يكن لديهم تطبيقات أو علوم حديثة، لكنهم كانوا مصممين على عدم هدمها، إلى أن ظلت موجودة حتى اليوم بفضل المهندسين، والذين لولاهم لما بقيت زاوية فرج بن برقوق حتى اليوم، ولهذا ففكرة الإزالة والهدم والشطب، كلها أشياء جديدة نسمع عنها لأول مرة، وبدلًا من الهدم والشطب كان على الوزارة أن تحدث قائمتها وتسجل مباني أثرية جديدة مرّ عليها أكثر من مائة عام، وهذا بحكم القانون، الذي يلزمهم بالتسجيل.

لذلك أؤكد أن هناك خلل كبير يجب أن يعالج، وهو ينذر بخطورة داهمة خلال المرحلة المقبلة، لهذا أتمنى من رئيس مجلس الوزراء أن يتدخل لحل الأمر، لأن ما يحدث هو بمثابة قضية أمن قومي، فالتطاول على الآثار الإسلامية أصبح مباح من جانب مسؤولي الوزارة، لذلك  أناشد رئيس مجلس الوزراء مرة أخرى أن يتدخل وأن يستجيب لمناشدتي، كما استجاب من قبل حين طلبت منه أن تتراجع وزارة الآثار عن نقل الحمام البطلمي بسيناء، لوضعه في متحف شرم الشيخ.

هل الأثر يجب أن يحمل زخارف، فهناك جدل حدث خلال الأيام الماضية بخصوص الأمر، إذ استنكر الكثير تصريحات وزير الآثار التي تفيد بضرورة أن يحمل الأثر زخارف كي يُسجل؟

مع احترامي لوزير الآثار، لكن علينا ألا نخلط بين أمرين، كنت قد أشرت إليهم، فالأثر قيمته ليست في زخارفه، فكما ذكرت لك فالورق البردي وحجر رشيد، لم يكن يعنوا أي شيء بالنسبة للناس العادية، فقيمة الأثر في التراب، وفي الأطلال، فمثلًا لو ذهبت إلى اليمن لتشاهد سد مأرب، ستجده عبارة عن مجموعة من الأحجار، ولا يوجد به أي زخارف، وكذلك الأهرامات فهي لا تحوي أي زخارف، لكن قيمتها في الحجارة نفسها، فعلم الآثار يهتم بالحجر نفسه، لكن الذي يجب أن يهتم بالزخرفة هو التنسيق الحضاري، وليست الآثار، فهو يهتم بالزخارف العالية ويضعها كمعيار لتسجيل مبانيه.

أما الآثار فالوضع يختلف لأنها تأخذ قيمتها وعمقها من بعدها التاريخي، وهناك الكثير من المباني عندنا كانت خالية من الزخرفة لكنها تمثل قيمة رائعة، لحقبتها التاريخية، فليس مقبول أن يتم التضحية بأثر عمره مئات السنين لأنه لا يحمل زخارف، وهنا السؤال الذي يجب أن يوجه؛ “هل أبوالهول يحمل قيمة زخرفية؟”، الإجابة بالطبع لا، فهل يستطيع أحد أن يشطب أبوالهول من عداد الآثار لأنه لا يحمل زخرفة؟، فهذا أمر غير مقبول ولا يمكن يستوعبه عاقل، لذلك أنا أدعو الوزارة مرة أخرى بوقف هدم وشطب الآثار، لأنها قضية أمن قومي، لن يتم السكوت عليها، وعليهم أن يبحثوا عن حلول لترميم تلك المباني بشكل عاجل.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى