د. سهير حواس: عملية إدارة ملف التراث في مصر معقدة

خاضت د. سهير حواس أستاذة العمارة والتصميم العمراني بكلية الهندسة، عشرات المعارك دفاعا عن تراث مصر، وآثارها. كانت القاهرة الخديوية بالنسبة لها أشبه بنداهة، سجلت تاريخها في كتابها الهام “القاهرة الخديوية” الذي حكت فيه قصة عمارة القاهرة ودور الخديو إسماعيل فيها. «باب مصر» يحاور حواس عن رؤيتها لملف التراث في مصر.. والعقبات التي تواجهه المدافعين عنه.

سألناها فى البداية: كيف تقيمين مشروع الحفاظ على القاهرة الخديوية في الوقت الحالي، هل من المفترض الاكتفاء بترميم الواجهات الرئيسية فقط؟

لا بالطبع، إذ يجب عدم الاكتفاء بترميم الواجهات فقط بل المفترض أن تكون هناك منظومة كاملة، ومرتبطة باستراتيجية معينة، فترميم الواجهات سيعطي مظهرا عاما جيدا للمكان، وللمبنى. لكن كي نطيل عمر هذه البيوت، فنحن نحتاج إلى أن نتعامل مع المرافق، من خلال الترميم الداخلي، والحفاظ على التركيبات الفنية، والصرف الصحي، وغيرها من الأمور المتعلقة بالبنية التحتية الداخلية. وهذا الأمر يحتاج ضخ موارد مالية ضخمة، ويحتاج تشجيع لرجال الأعمال والقطاع الخاص. فالأمر يحتاج تدخلا في اتجاهات متعددة، لنجاح المنظومة بشكل كامل في نهاية الأمر؛ وكي يتحقق الأمر يجب خلق عوامل جاذبة لهذا النوع من العمل. لأن هذه المنطقة هي بمثابة ذاكرة مدينة، لها تاريخ ومقومات عالية القيمة. وهناك مواثيق دولية، للتعامل مع المباني التراثية تلك.

إذا وما الظروف التي أدت إلى تدهور القاهرة الخديوية خلال السنوات الماضية؟

بعد ثورة 1952، سافرت الجاليات الأجنبية. وتم تأميم العمارات، وتغيرت العلاقة بين المالك والمستأجر، وأصبح إدارة هذه المباني مختلفا، وصار الهدف منه الاستثمار والمكاسب أكثر من صيانتها، وتحولت إلى مكاتب وعيادات وغابت الصيانة. وقد تبدلت المنطقة وأصبحت تعاني من الإهمال والتهميش بالإضافة إلى أنه كان ينظر إليها باعتبارها منطقة حديثة وليست تراثية وبالتالي لم تكن هناك مجهودات تبذل في حمايتها، وفقا للقانون.

هل يتم تطبيق قانون التنسيق الحضاري على المنشآت التي تقع تحت حيازته؟

جهاز التنسيق الحضاري يضم أكثر من7 آلاف مبنى مسجل بقانون رقم 144. وهذه المباني لا يجوز هدمها أبدا، وهي مسجلة طبقًا لثلاثة مستويات مختلفة. إذ إن المبنى المسجل قبل أن يصدر أي ترخيص له لأي أعمال تتم بداخله، يتم الرجوع أولا للجهاز، وتحديدا لجنة المناطق التراثية، وأنا عضو فيها. فنحن نراجع ما سوف يتم في أي مبنى داخل هذه المناطق، وبالتالي أي أعمال تتم داخل تلك المناطق يفترض أنها تعرض على الجهاز، ونحن نبدي رأينا العلمي في الأمر. لكن كون أن بعض المشاريع لا يتم الرجوع إلينا فيها، فهذا الأمر لا علاقة له بالجهاز، ويسأل من ينفذ هذه المشاريع، وليس نحن.

هناك بعض الأخبار المتداولة تفيد ببدء ترقيم بعض المقابر بالقاهرة تمهيدًا لهدمها، هل تلك المنطقة محمية بأية قوانين، وهل هناك مسحا لها، والسؤال الأهم هل تم استشارة الجهاز في الأمر؟

سأجيبك من آخر نقطة طرحتها عليّ. لم يعرض الأمر على لجنة المناطق التراثية بالجهاز القومي للتنسيق الحضاري، والتي أنا عضو فيها كما ذكرت منذ قليل أما بالنسبة للمقابر ففي عام 2009 وحتى عام 2013، كنا نعمل وقتها على إعداد قوائم لتلك المقابر ذات القيمة التراثية. وقد أرسلنا هذه الكشوفات التي قمنا بحصرها في الجهاز، إلى اللجنة المختصة للمحافظة عليها وتسجيلها ضمن المباني والمنشآت التاريخية، وبدأت بالفعل اللجنة في العمل على تسجيل المقابر في الجزء الغربي، من الجبانات المتميزة، فالعمل لم ينته بسبب وجود أعداد كبيرة من المقابر. وهناك جبانات لم تسجل ليس لأنها لا تحمل قيمة، بل لأن المشروع لا زال مُسْتَمِرًّا، ولم تنته عملية الحصر.

لذلك فالمفترض أن يتم الرجوع إلينا كلجنة مختصة، لإبداء الرأي. وهناك خريطة القاهرة التاريخية، والتي تحوي بداخلها على الجبانات تلك. فالقاهرة التاريخية مسجلة في اليونسكو، وحدود هذه الخريطة معلومة للجميع، لذلك المفترض قبل شق أي شارع، أن تراعى القوانين التي تحمي هذه المناطق لمراجعتها، فهي مسجلة طبقا لقانون رقم 119 لسنة 2008، وبالتالي فكل منطقة ذات قيمة متميزة محمية بهذا القانون، وكذلك فالنسيج العمراني للمنطقة المتميزة هو جزء من القيمة وبالتالي لا يمكن أبدًا قطعه تغيير شكله.

إذًا وما هي رؤيتك لإدارة ملف التراث في مصر؟

أرى أنه يجب أن تعي جميع الجهات أن هذه الأماكن لها اشتراطات خاصة بها، ويجب احترام القوانين لأن هذه الاشتراطات- طبقًا للقانون- واجبة التنفيذ. عملية إدارة ملف التراث في مصر معقدة. والمفترض أن يحدث تكامل في الآراء الفنية قبل اتخاذ القرارات. لو أن  هناك مشروعا ما سيضر بالموقع، يجب وقتها أن يتم توفير بدائل تخطيطية للخروج من هذا المأزق. فنحن يقع على عاتقنا مسؤولية حماية هذا التراث الذي هو ملك للأجيال القادمة، كي لا تضيع الثروات القومية التي نمتلكها بين أيدينا. وأريد التأكيد على أن هناك إنجاز حقيقي يتم على أرض الواقع. لكن كنا نتمنى ألا يشوب هذه الإنجازات العظيمة ما يعكر القيمة العلمية الموجودة في القرارات.

 هل هناك حالة تجاهل لجهاز التنسيق الحضاري، وهل نحتاج لتعديل بعض قوانين الجهاز؟

لا يمكن أن نقول أن هناك تجاهل للجهاز، لكن هناك مشكلة ما لا يمكن أن نضع أيدينا عليها تحديدا، فالجهاز أنشئ كجهاز حكومي يتبع للدولة لكن يتم تجاهله في بعض الأحيان. أما فيما يخص القوانين فنحن لسنا نحتاج للمزيد، لكن ما نحتاجه هو تفعيل تلك القوانين غير المفعلة. فلو فُعل القانون لما وجدنا مثل هذه المجادلات التي تحدث، ونفس الأمر ينطبق على جزيرة الزمالك. إذ عندما وضع حجر أساس لمشروع داخلها، تم الأمر دون الرجوع للجهاز القومي للتنسيق الحضاري، فجزيرة الزمالك لها اشتراطات خاصة بها، لذلك إذا كان قانون التصالح يسرى على الناس العادية فنحن يجب أن نكون قدوة في تنفيذ القانون لتطبيقه. لذلك أرى أننا لسنا بحاجة لمزيد من القوانين، بل نحتاج لتفعيل تلك القوانين كما ذكرت.

كيف استقبلتي خبر هدم قصر أندراوس بالأقصر؟

حزنت كثيرا عندما تم هدم القصر، فنحن فشلنا في إنقاذه رغم أننا قد خضنا الكثير من المعارك لمنع هدم القصرين في السابق، وهي إحدى حالات عدم النجاح في مهمة الحفاظ على التراث، وعلى مكونات التعددية الثقافية في مصر، والتي هي محمية وفقا لما جاء بالدستور. فالقصر كان يمكن إنقاذه، لكن إذا توفرت له الإرادة الحقيقية. فما حدث من عملية هدم له هو قرار مخالف للدستور المصري الذي جاء فيه بالمادة رقم 50 نَصًّا: “تولى الدولة اهتمامًا خَاصًّا بالحفاظ على مكونات التعددية الثقافية في مصر”. لذلك أنا أطرح سؤالًا: “أين هذه الحماية التي كفلها الدستور المصري في الحفاظ على المباني التراثية؟”

قصر أندراوس
قصر أندراوس بالأقصر
أخيرًا ما مشاريعك القادمة؟ 

نعم فأنا قمت بالكثير من الدراسات حول القاهرة الخديوية. وأستعد حاليا لتقديم الجزء الثاني من القاهرة الخديوية، لكن الموضوع يحتاج لبعض الوقت للتفرغ لهذا العمل للانتهاء منه بشكل كامل.

اقرأ أيضا:

بناء على طلب الآثار: القصة الكاملة لهدم قصر أندراوس بالأقصر

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى