د.جليلة القاضي: سأعود لمصر في حالة إعادة النظر في مخطط الجبانات (2-2)

ترى الدكتورة جليلة القاضي أستاذ التخطيط العمراني بجامعة باريس، ومديرة الأبحاث بالمعهد الفرنسي للأبحاث من أجل التنمية (IRD)، أن هناك عمليات تضليل تتم من جانب المسؤولين فيما يخص المواقع التراثية والأثرية بالقاهرة خاصة الجبانات، مفسرة ذلك بأنهم يتعمدون عدم المصارحة ومفاجأة الجميع بإجراءات تصفها بأنها تتعدى على القانون وذلك بمحاولات هدم مقابر في الإمام الشافعي وغيرها.. يستكمل «باب مصر» الجزء الثاني من الحوار.

كيف ترى الدكتورة جليلة الوضع الراهن الذي يعيشه التراث والآثار؟

هناك عمليات تضليل، القائمين على الأمر من المسؤولين لا يقدمون الحقائق بصورة كاملة. فما بين 2009 وحتى 2020 بدأت محاولات هدم مقابر في الإمام الشافعي، وغيرها من المواقع.

وقد تفاجأنا بالأمر وبتنفيذه بتلك السرعة، فمشروع إقامة محور “الفردوس” و”عين الحياة” قدم من قبل للجهاز القومي للتنسيق الحضاري، والذي رفضه، لأن هذا المحور سيقضي على أجزاء كبيرة من الجبانة الجنوبية وأحواشها والتي تعود لباشاوات محمد علي. لذلك فقد تم زحزحة هذا المحور ليكون في المنطقة الواقعة عند “أقصى الشمال” فقد نفذوا محور “الفردوس” والذي أطاح بالكثير من المقابر الهامة.

وقد قدت حملة حينها بثلاث لغات، وجمعنا توقيعات وقع عليها 1700 شخص، منهم أعضاء في الإيكوموس واليونسكو. وأرسلنا الأمر للزميلة “تريزا” وهي المسؤولة عن الإيكوموس، وتدخل اليونسكو، فحدث اجتماع بعدها من جانب رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي بمجموعة من المتخصصين، لتوضيح المخططات التي من المفترض تنفيذها. ووقتها تم إلغاء إقامة كوبري السيدة نفيسة. وحينها أكد رئيس مجلس الوزراء، بعدم الهدم، وبالفعل تم تهدئتنا نتيجة هذه التصريحات.

وماذا عن تحديد نطاق الحفاظ على القاهرة التاريخية ووضع الجبانات الشرقية والجنوبية؟

في عام 2014 تم إخراج نطاق الجبانة الجنوبية والتي تحوي على سور قناطر أحمد بن طولون، وهي أساس القرافة الكبرى، والذي دفن بداخلها جميع الصحابة، فلا يصح أن نخرج هذا الجزء من نطاق القرافة.

أما على الجانب التالي وتحديدا في الجبانة الشرقية ستجد أنهم أخرجوا المنطقة الحديثة المخططة والتي تم تخطيطها بداية القرن الـ20 والتي تحوي على مدافن تخص أعيان القرن الماضي.

وهذه الجبانات تحديدا هي التي تم تنفيذ محور الفردوس عليها. وقد قالوا وقتها إن تلك المقابر لا تقع ضمن نطاق القاهرة التاريخية، لذلك فصدمة هدم المقابر في يوليو 2020 لم تكن هينة أبدا. لكن التطمينات التي حدثت، جعلتنا نتوسم خيرا فيما هو آت، لكننا للأسف وجدنا إرسال عدة إنذارات من جانب الترابية مؤخرا لقاطني الجبانات.

وقد التقيت وزير الآثار في ذلك الوقت بفرنسا داخل مقر اليونسكو وعندما واجهته بالأمر قال: “أنا أؤكد لك يا مدام أنني لن أزيل أثر”. وهذا بالطبع أمر مخالف للحقيقة. فقد تم هدم مشهد آل طباطبا الذي يرجع للعصر الإخشيدي، وعندما ارتفعت مستوى المياه ببحيرة عين الصيرة، بدلا من إنقاذه قاموا بهدمه.

والغريب أن الوزارة المنوطة بحماية الآثار هي التي تعاملت بهذه الطريقة مع أثر “مسجل”. وبجانب ذلك تم التعدي على أجزاء كبيرة من قناطر أحمد بن طولون وغيرها الكثير من الآثار التي يحاولون شطبها خلال الفترة الماضية. لذلك قلت له: “أنا لا أتحدث عن آثار لكني أتحدث عن موقع أثري مسجل”. وبعدها استمر في الإنكار.

وهذا بالطبع أمر لا يصح، أن يتعامل وزير مصري يمثل حكومة مصر بهذه الطريقة فهو يتعامل مع ناس “فاهمة” ولسنا جهلاء كي يحاول إسكاتنا.

بعد هذا النقاش الذي دار بيني وبينه، قمنا بتأسيس مجموعة لتوثيق تلك المناطق. وقد راسلت اليونسكو والإيكوموس واتصلت بزملاء وشرحت لهم الموقف كما تواصلنا بجمعية أهلية اسمها “ووتش” وهي معنية بتدشين حملات للدفاع عن التراث في العالم كله. وقد قالت لنا إنها سترسل مسودة إلى رئيس الجمهورية، ولرئيس مجلس الوزراء.

وماذا كانت التحركات في هذا الأمر؟

قررنا أن نسير في أربع اتجاهات منها؛ توثيق المقابر، وعمل حملة عالمية، والمحور الثالث هو الاتصال بأصحاب الأحواش المتضررة، لرفع قضية تعويض، فما حدث أنه لم يقدم إخطار رسمي من خلال مخاطبات رسمية بالإزالة. لكن ما تم أن الترابية أبلغوا أصحاب الأحواش بطريقة “شفهية”.

أما المحور الرابع الذي ركزنا عليه هو نشر القيم التي تعبر عنها هذه الجبانات من جانب وسائل الإعلام. وقد استجابت وسائل الإعلام بالفعل لهذا الأمر. لأن تلك المقابر تمثل شخصيات ورموز وطنية فهذه المنطقة التي تقع عند الإمام الشافعي، دفن داخلها علية القوم، سواء كانوا أعيان أو شخصيات تاريخية. وقد أرادوا أن يدفنوا بالقرب من حرم “الإمام” أو حرم السيدة نفيسة.

ترى ما الأهمية والقيمة التاريخية لهذه الجبانات؟

أرى أن تلك الجبانات هي امتداد لثقافة المصريين القدماء. وأنا اعتبرها بمثابة وادي ملوك وملكات المصريين المحدثين، والذين اهتموا بوضع نماذج نادرة من المشربيات والأبواب داخل تلك المقابر. وبجانب ذلك فشواهد القبور تحمل قصص مختلفة، فهي تعبر عن شخص المتوفى وتحكي أهم محطات حياته، وإنجازاته. ومن خلالها نستطيع معرفة سير هؤلاء الناس، مثلما نعرف تاريخ وحياة أجدادنا القدماء من خلال الرسومات الموجودة داخل المقابر الفرعونية أو داخل جدران المعابد المصرية القديمة.

لذلك فكيف تهدم مثل هذه الأشياء؟، فهي امتداد لثقافة المصريين على مرّ العصور، فالجبانات لا يمكن اعتبار أنها “شوية مدافن” بجانب أن تلك الجبانات أنشأت منذ 1400 سنة. فأول لبنات القرافة وضعت مع الفسطاط. أي إنها سابقة عن القاهرة بثلاثة قرون، فمن غير المعقول أن يحاول البعض هدم تلك الأماكن الثرية.

بجانب أن تلك المواقع دارت حولها الكثير من الحكايات حول قدسية موقعها، وأنه غِراس الجنة. لذلك فالموقع اكتسب قيمته من تاريخ إنشاءه، ومن قيمة الناس المدفونة داخله، ومن المرويات التي دارت حوله، فجميع هذه الأشياء هي قيم غير مادية ومعترف بها في اليونسكو.

فكيف لأحد أن يأتي ويدمره، ويتركه لسنوات محاطا بالمياه الجوفية، بدون اهتمام أو اكتراث. فعدم الاهتمام هذا مرتبط بمصالح خاصة نظرا لأن تلك المقابر قيمتها السوقية عالية جدا.

وماذا عن التحركات الرسمية التي تمت في هذا الشأن لحماية الجبانات؟

كان يجب على التنسيق الحضاري أن يتحرك لمنع ما يحدث، لكنه للأسف لا يأخذ أي تحرك. فما يحدث هذا ضد القوانين التي وضعتها الدولة نفسها. فكيف يطلب البعض باحترام تلك القوانين، وهم أول من يعتدون على تلك القوانين.

فهناك قوانين عالمية يجب احترامها، لأن التسجيل تم سنة 1979. بجانب وجود القانون رقم 119 لسنة 2008، والذي وضع اشتراطات وحماية وتنمية عمرانية بالنسبة للجبانات نفسها. وتم اعتماده من جانب المجلس الأعلى للتخطيط في يوليو 2009.

وهناك قانون يحمي الجبانات والأحواش التاريخية المسجلة رقم 117 لسنة 1983. وهناك القانون الذي يحمي الأحواش والمقابر التاريخية ذات الطراز المتميز رقم 144 لسنة 2006 ولائحته التنفيذية. فهذا معناه أن هناك تعدي على قانون عالمي وعلى ثلاث قوانين محلية! لذلك فكيف تطلب مني كمواطن أن أحترم القوانين التي وضعتها ما دمت لا تحترم القوانين؟

والسؤال الأهم هو: “لماذا تضع الدولة أصلا قوانين ما دامت لا تنفذها في نهاية الأمر؟”. لذلك فمن غير المعقول ما يحدث أبدا، لأننا الآن نواجه مرحلة خطيرة جدا بالنسبة لوضع التراث في مصر.

فالوعي مفقود. والمثقفين بدورهم بدأوا يصابون باليأس، ولجنة العمارة أيضا التي رفعت تقرير لوزيرة الثقافة لعرضه على رئيس الجمهورية عند إنشاء محور الفردوس، باتوا في الوقت الحالي ملتزمين الصمت تجاه ما يحدث.

لذلك فهناك مشكلة عامة داخل مصر. لأنهم لم يعتبروا أبدا أن مناطق الجبانات هذه تدخل ضمن حيز القاهرة ككل. ولم يضعوا لها أي مخطط، لذلك فالأمر يحتاج لإعادة نظر، ولو حدث بالفعل تراجع عن هذا المشروع. فأنا مستعدة أن أعود إلى مصر وأكون فريق عمل وسنضع مخططات بديلة للمنطقة، لذلك أتمنى أن يتم التراجع.

اقرأ أيضا

د. جليلة القاضي: جبانات القاهرة تراث عالمي.. والقانون يحميها

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى