د. جليلة القاضي تكتب: أزمة الحسين.. أزمة «الفراغ العام»!

الفراغ العام الحضري هو الحيز المكاني الذي يوجد بين المباني في التجمعات البشرية وتتحقق فيه عدة شروط أساسية؛ بأن يكون أولا مكانا متاحا لجميع المترددين، وثانيا مكانا للقاء والتفاعل والجلوس في بيئة طبيعية، معبرا بذلك عن الصورة الذهنية للمدينة التي تنطبع في الخيال الجماعي أما بعده العمراني، فهو إطار ثلاثي الأبعاد، له غلاف رأسي يتكون من “الحوائط” التي تحتويه محددة “أبعاده وشكله وحجمه” ومسطحاته الأفقية؛ ومنها الأرضيات، التي تتباين المواد التي تغطيها ولونها وملمسها؛ وأسقف في حالة الأسواق، وخواص أخرى، وكذلك عناصر التجميل والتنسيق ذات السمات التي تناسب الوظيفة التي أعد من أجلها هذا الفراغ. فالفراغ العام له أشكال متنوعة، وهي متدرجة من الأماكن، كالميادين، والساحات، الشوارع، وواجهات المجاري المائية والحدائق العامة والجبانات والأسواق والملاعب.

تشكيلات بصرية

ويندرج تنسيق الفراغ العام في علم التخطيط العمراني الذي يحدد مورفولوجية المدينة واستعمالات الأراضي وتنظيم العلاقات المتشابكة بين العديد من العناصر المتداخلة والمتكاملة آخذا في الاعتبار القيم الوظيفية والجمالية للمدينة وتشكيلها البصري. وتشكل الفراغات العامة أحد أهم عناصر التكوين الحضري للمدينة وتكمن أهميتها في انعكاساتها الإيجابية على حياة الأفراد والبيئة العمرانية بالنظر لوظائفها المتعددة، التي تعتبر من صميم المنفعة العامة. لذا ظهر تخصص تنسيق المواقع. Landscape architecture في بداية القرن التاسع عشر إلا أن تنسيق الحدائق والساحات العامة والميادين يعود إلى عصر النهضة حيث انصب اهتمام الحكام والكنيسة علي تجميل الساحات الملحقة بالمنشآت الدينية وعهد بهذه المهمة لكبار الفنانين والمعماريين فأصبحت مراكز جذب وعلامات مميزة على مستوى المدينة ونالت لاحقا شهرة عالمية، استطاعت جذب ملايين من السائحين كل عام.

تنسيق الموقع

لذلك فتخصص “تنسيق المواقع”، مثله مثل تخطيط المدن هو علم وفن وتقنية، وهو يطبق علي كل أنواع الفراغات العامة، سواء الطبيعية منها أو التي من صنع الإنسان وهي ما تهمنا في هذا الموضوع تحديدًا، إذ يهدف تنسيق الفراغات العامة الحضرية إلى إعداد الأمكنة الخارجية التي تتم في الهواء الطلق وجعلها بيئة ملائمة لممارسة الأنشطة الإنسانية من الحركة والنزهة والالتقاء والاستمتاع والتريض، وتلعب عناصر تنسيق الموقع وتأثيثه (مواد تغطيات الأرضيات ودهانات المباني، والعناصر النباتية و المائية، المقاعد وأماكن الجلوس، واللافتات والعلامات، وعناصر الإضاءة، والأعمال النحتية والفنية، عناصر الخدمات، سلات المهملات.. إلخ) أحد أهم مكملات هذه الفراغات وأحد عناصر الجذب التي تضفي علي الفراغ نوعا من التشويق والغنى والتميز.

وقد سارعت الحكومات لطرح المسابقات المحلية والعالمية، لتنسيق حدائقها و ميادينها الكبرى و ساحاتها، خاصة تلك التي تحمل قيما تاريخية ورمزية أو روحية، أو عمرانية كبؤر بصرية هامة في المدينة و معمارية لإتقان نسبها وحسن عمارة غلافها وتجانسه وكذلك لمساهمتها في إظهار الصورة البصرية لموقع ما. كما تنامت أهمية الفراغات العامة في المدن في العقود الماضية نتيجة  لنمو الوعي البيئي وتبني مفاهيم الاستدامة ودمجها في مناهج وطرق التخطيط المكاني. وللحد من تلوث البيئة، أصبح التوجه العام في معظم دول العالم في صالح الإكثار من الساحات والحدائق العامة وتحويل محاور الحركة الآلية إلي شوارع للمشاة واستقطاع أجزاء من الإسفلت لتحويله إلي ساحات عامة ومماشي مظللة أو مسارات للدراجات.

تشويه الصورة البصرية

كما تتبارى البلديات في المدن الأوروبية، بتجميل الساحات الكبرى لجعلها أكثر جذبا بإضافة العناصر النباتية والمائية والأعمال النحتية والفنية المؤقتة أو الدائمة. وفي المناطق الحارة تلعب الأشجار دورا بارزا بتوفير الظلال التي تقلل من انعكاس الحرارة على الأسطح الرأسية والأفقية. وفي مقابل الاهتمام بالفراغ العام وتطور طرق تنسيقه في المدن الأوروبية، نجد قصورا في تنسيقه داخل المدن المصرية بل هناك تقليص مستمر في مساحاته، مشوها للصورة البصرية للمدينة، وحارما السكان من متنفسهم الطبيعي وخالقا قطيعة بينهم وبين محيطهم البيئي وتفاعلهم معه.

ومثال لهذا التوجه اقتطاع جزء كبير من ساحة مسجد الحسين وضمها للمسجد في سابقة غير معهودة للتعدي على أهم وأكبر ميدان عام في القاهرة التاريخية التي تفتقر أساسا للساحات والميادين، هذا و قد تم إقامة سور عال حول الجزء المقتطع وأزيلت حديقته وحل محلها ساحة مبلطة خالية، تفتقر لأي عنصر من عناصر تنسيق المواقع، في تجاهل تام لهذا العلم وتطبيقاته المختلفة وارتباطه بعلوم البيئة ومفاهيم الاستدامة. كما إنه يلغي أحدي أهم سمات الفراغ العام أي الإتاحة، ويمثل اغتصاب لحق الناس في ممارسة أنشطتهم المختلفة الدنيوية والدينية، وهو اعتداء على رمزية المكان وقيمته الروحية.

خطة ممنهجة

ما أود في النهاية أن أقوله هو أن خصخصة ميدان الحسين “جزء” من “كل” في إطار خطة ممنهجة لتقليص، بل إلغاء الفراغات العامة في المدن المصرية وسيكون لها تداعيات خطيرة، ليس فقط علي البيئة والتلوث والاحتباس الحراري، ولكن في المقام الأول على انحسار الشعور بالمواطنة الماضي في تآكله نتيجة لإغلاق منافذ الفضاء العام.

د. جليلة القاضي أستاذ التخطيط العمراني في جامعة باريس.
اقرأ أيضا

ملف| الحسين سجينا: هل تخرج القاهرة من قائمة التراث العالمي؟

الحسين يستغيث.. ترميم أم تشويه؟

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى