دراما البطء والصخب من فاتن حمامة لفاتن أمل!

سواء كان المشهد لمطاردة وسط الحشود داخل مجمع تجاري (في مسلسل “وجوه”)، أو لشخص يمارس التدريبات الرياضية (في مسلسل “ملف سري”) أو لإمرأة تتزين أمام المرآة في مسلسل “دنيا تانية”. سواء كان الأبطال يحتفلون بعيد ميلاد في حديقة مفتوحة، أو يرقصون في حفل زفاف داخل قاعة فندق، هناك هوس غير مفهوم بالحركة البطيئة في دراما هذه الأيام.

وسواء كان المشهد لسيارة تنفجر في “ملف سري”، أو لمشاجرة بين زوجين في “فاتن أمل حربي”. سواء كان الأبطال يبكون، أو يصرخون، أو يمارسون الحب، هناك هوس مرضي بالموسيقى الصاخبة المرتفعة في دراما هذه الأيام.

بين التقنية والعشوائية

الحركة البطيئة أو slow motion تقنية قديمة من عمر السينما، تم اكتشافها بالصدفة بسبب السرعات المختلفة لحركة الشرائط التي كان يتم تسجيل الصورة عليها، ولاحقا قام بعض صناع الأفلام باستخدامها في مواقف بعينها، كما فعلت المخرجة الألمانية الرائدة لينا ريفنشتال في فيلم “أوليمبيا” الذي سجلت فيه وقائع ومباريات دورة الألعاب الأوليمبية في برلين نهاية الثلاثينيات، زمن هتلر، وكانت تقصد من وراءه استخدام الحركة البطيئة منح المشاهدين إمكانية تأمل أجساد الرياضيين في حركاتهم الإعجازية، وهي تقنية تطورت بعد ذلك في أفلام القتال اليدوي الصينية ومنها إلى أفلام القتال الأمريكية وغيرها.

قد تستخدم تقنية الحركة البطيئة أحيانا لاعطاء شعور الكابوس حيث يشعر المرء بالفعل أنه يتحرك ببطء غير طبيعي أو عاجز عن الحركة كليا، كما فعلت المخرجة الأمريكية الرائدة مايا ديرن في فيلمها الطليعي البديع “شظايا النهار” في 1943.

يعني..باختصار، كل تقنية أو حيلة فنية يجب أن يكون وراءها سبب ما ولتحقيق تأثير ما، إلا في الدراما المصرية التي يستخدم صناعها التقنيات المختلفة مثلما يرتدي المراهقون الأثرياء البناطيل الجينز الممزقة لتقليد الشباب الصعاليك الفقراء الذين لا يملكون ثمن شراء بناطيل جديدة. وكأن هؤلاء الأثرياء يستعيرون روح الصعلكة والتمرد من خلال فتحات البنطال الممزق.

خفوت الحركة..وصعود الصوت

بالمنطق نفسه يستخدم كثير من صناع الأفلام الشباب التقنيات السينمائية الحديثة دون فهم لدوافع أو وظائف استخدامها، ويظهر ذلك أفضل ما يكون في استخدام تقنية الحركة البطيئة “عمال على بطال” في أي موقف، ولنفحص عن قرب أحد الأمثلة السابقة وهو المثل الأول الذي يمكن على الأقل أن نخمن وجود معنى وراء وجود الحركة البطيئة فيه.

يبدأ مسلسل “وجوه” بخروج بطلته (حنان مطاوع) من السجن لنعرف أنها تعاني من ذهان حاد تشعر بسببه أنها مطاردة، ولكن هناك بالفعل من يطاردونها ويسعون لقتلها.

في الحلقة الأولى تنتابها نوبة ذهان أمام مجمع تجاري فتفر من السيارة وتجري هاربة داخل المجمع وهناك بعض الرجال يلاحقونها. استخدام الحركة البطيئة هنا له هدف، على عكس بقية الأمثلة التي ذكرتها والتي لا يوجد بها أي معنى أو سبب لاستخدامات الحركة البطيئة. ولكن في حالة “وجوه” يبدو أن قرار تحويل المشهد إلى الحركة البطيئة جاء في غرفة المونتاج أو أن المخرج لم يخطر بباله أن يخطط للمشهد جيدا داخل المجمع التجاري من ناحية زوايا الكاميرا وأحجام اللقطات والاضاءة والتكوين وأعداد المجاميع، أو عدم وجودهم، داخل المكان لتجسيد وتأكيد حالة الذهان التي تعاني منها البطلة.

ولكن لإن المشهد مصور كمطاردة حقيقية، من خلال كاميرات بعيدة واضاءة عادية والمكان يعج بالناس، فإن المشاهد لا يشعر بالاحساس الذي يفترض أن يشعر به، وربما يفهم أو لا يفهم سبب الحركة البطيئة إلا عندما تعلن البطلة بعد قليل أنها تعاني من ذهان حاد. وهنا يستقي المشاهد المعنى من الحوار، بدلا من لغة الصورة، ولذلك يظل معنى ذهني، وليس انفعالي. ويزيد الطين بلة الاستخدام العشوائي لموسيقى  صاخبة مزعجة، في هذا المشهد، والمسلسل، ومعظم المسلسلات بشكل عام.

تخدير الأذن..واستنزاف العواطف

مثل الحركة البطيئة تعاني الدراما المصرية من حالة اسهال موسيقي حاد. لدرجة أن بعض المسلسلات تفقد الكثير من جودتها بسبب الاستخدام المفرط والخاطئ للموسيقى، وأكبر مثل على ذلك مسلسل “فاتن أمل حربي”. والمصيبة أن بعض المشاهدين يعتقدون أنها موسيقى جيدة، وسوف أحاول، بسرعة، أن أبين الفرق بين الموسيقى الجيدة في حد ذاتها، والموسيقى الموظفة جيدا في الدراما.

إن المعنى الأساسي ينقلب في “فاتن أمل حربي” بسبب افراط المخرج في استخدام الموسيقى وبقية عناصر الميلودراما الفاقعة كما جسدتها أفلام فاتن حمامة في الأربعينيات (مثل بكاء ودموع المرأة الضحية وصراخ ورفع حواجب الرجل المجرم، من الابتسامات الفشيخة من مؤيدي الزوجة الطيبين، وتكشيرات مؤيدي الزوج الأشرار). فبدلا من أن نفهم جذور المشكلة الاجتماعية التاريخية الدينية التي يطرحها الكاتب إبراهيم عيسى ، يتحول الأمر إلى التعاطف مع امرأة ملائكية ضد زوجها الشيطاني. هذا الضغط الشديد، والمفرط، على المشاعر يعفي المشاهدين من التفكير الواقعي في مشاكل الأحوال الشخصية في مصر، ويستدعي مزيد من الوقيعة بين مؤيدي حقوق المطلقات ومؤيدي حقوق المطلقين الذين لديهم، أيضا، قصصا مبكية ومؤثرة حول زوجات سابقات شريرات. ورغم أن السيناريو واقعي إلى حد كبير، ولا يخلو من خفة دم أيضا، إلا أن الافراط الميلودرامي يلخص المشكلة في وجود شخص طيب مقابل شخص شرير، بدلا من فهم طبيعة وآليات النظام الاجتماعي المهيمن. وتساهم الموسيقى الباكية، المرتفعة، التي تطغى على الصورة والحوار دون رحمة، في تخدير ملكة التفكير واختطاف مشاعر المشاهد بدلا من عقله. وهكذا ينقاد المشاهد وراء مشاعر التعاطف مع الضحية والغضب من الجاني، فننسى المشكلة، ونفكر في الأشخاص، ونتجاهل المرض وننشغل بالعرض!

فكرة أخيرة:

هل يعكس خمول الحركة وجنون الصوت في المسلسلات أعراضا مشابهة لمجتمع يعاني أفراده من الوقوف بالساعات في طوابير السيارات التي لا تتحرك، والتي يصاب سائقوها بنوبات متقطعة من الصراخ بالكلاكسات؟

هل تعاني الدراما من شعور جماعي بخفوت الحركة وضجيج الصوت؟

اقرأ أيضا:

رمضان في إعلانات مصر.. حاجة تانية!

 

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى