متابعات وتغطيات

خبراء يجيبون: ما هي اشتراطات البناء في القاهرة التاريخية؟

المباني الأثرية في القاهرة التاريخية وما يجاورها من مباني سكنية ومحال وأنشطة تجارية جعلتها تتمتع بكثافة سكانية عالية، وهو ما يعتبره كثيرون بمثابة أزمة تعيق عملية التطوير في هذه المنطقة التى تواجه العديد من الصعوبات والتحديات، خاصة بالتزامن مع خطط التطوير في القاهرة القديمة الفريدة والتي تضم أكثر من 700 مبنى أثري يتميز بتراث معماري متميز مما وضعها على قائمة اليونسكو للتراث العالمي بحكم أهميتها التاريخية والمعمارية.

تفرد تاريخي

كيف يتم تطوير المنطقة دون تغيير تفردها التاريخي؟، وكيف يمكن التوفيق بين مصالح الأطراف المعنية وتطوير المنطقة بما يخدم سكانها ويدعم الأنشطة التجارية مع الحفاظ على معالمها الأثرية؟، ودور الجهات والمنظمات التي تشارك في اتخاذ قرارات التنمية العمرانية في هذه الأحياء التاريخية والبيئة التشريعية التي تحكم عملها؟، هذه الأسئلة ناقشها متخصصين في مجال التراث المعماري والإجابة عنها خلال ندوة من تنظيم «وحدة أبحاث القانون والمجتمع» بالجامعة الأمريكية.

وتشمل القاهرة التاريخية 5 مناطق أساسية وهي: الفسطاط، جامع أحمد بن طولون والمنطقة لمحيطة به، ومنطقة القلعة والقصور المملوكية المحيطة بها، والقاهرة الفاطمية، والجبانات، بالإضافة إلى مناطق مثل بولاق ومنطقة مشهد الجيوشي، وظل تحديد المناطق غير محسوم حتى عام 2007، وفي عام 2010 بدأت دراسة عمرانية عن مشروع القاهرة التاريخية التابع لليونسكو.

في البداية تطرق أحمد منصور، المهندس المعماري وأخصائي الترميم وحفظ التراث العمراني، إلى معنى تقاطع القانون مع البناء والتطوير في منطقة القاهرة التاريخية الفريدة من نوعها عالميا، وفي الوقت نفسه تواجه كم هائل من ورش التصنيع والزحام داخل مناطق ذات كثافة سكانية عالية، مضيفا أن ورش التصنيع تتطلب تطبيق الهدف الحادي عشر من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، والذي ينص على جعل التجمعات البشرية شاملة وآمنة ومرنة ومستدامة.

القوانين المنظمة

يخضع تطوير القاهرة التاريخية لعدة تحديات منها كيفية التوفيق بين المصالح المختلفة المعنية مثل السياح والسكان والدولة، مع الحفاظ على المعالم الأثرية للمنطقة، مع معرفة البيئة التشريعية والقوانين والجهات التي تحكم العمل، ويوضح منصور وجود علاقة متشابكة بينهم.

على الصعيد المحلي للقاهرة التاريخية يوجد حدود وقوانين منظمة لعملية التطوير، حيث تم تسجيلها في عام 1979 باسم القاهرة الإسلامية اقرارا بأهميتها التاريخية والأثرية والعمرانية، ولكن التعريف الجغرافي حينها لم يوضح المعايير القانونية، ومعايير التسجيل لنسيج عمراني تقليدي من العصور الوسطى.

أما عن القاهرة التاريخية بالنسبة إلى القانون المصري، فتشمل التشريعات القانونية المنظمة لعمليات إحياء وتجديد والحفاظ على منطقة القاهرة التاريخية، ومنها القانون 119 لسنة 2008 وهو قانون البناء الموحد، وقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983، والقانون 144 لسنة 2006 يشمل المباني غير الآيلة للسقوط والحفاظ على التراث المعماري، وباقي مباني القاهرة تخضع لقوانين تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر ولها قانون 49 لسنة 1977 وقانون 4 لسنة 1996 المعروفين باسم قانوني الايجارات القديم والجديد.

وتواجه القاهرة التاريخية أزمة أخرى وهي إدارة المخلفات حيث تتحول الأراضي بين المباني الأثرية إلى أماكن تجمع قمامة، والتي تزيد الوضع سوءا بوجود نباشي القمامة لجمع المواد القابلة للتدوير وترك المخلفات العضوية، ويقول منصور إن قوانين البيئة والنظافة العامة تواجه أزمة في التفعيل، منها قانون رقم 38 لسة 1976 وقانون البيئة رقم 4 لسنة 1994.

إدارة التغيير

«إدارة التغيير أكثر أهمية من منع التغيير» يعد هذا هو المبدأ الأساسي لخطط تطوير القاهرة التاريخية في رأي د. مي الابراشي، المهندسة المعمارية وأخصائية حفظ وإدارة تراث ورئيسة جمعية الفكر العمراني «مجاورة»، والتي أوضحت توصيات للتطوير مع الحفاظ على التراث باعتبار أن إدارة التغيير يعد عملية معقدة.

ويأتي ذلك من خلال عملها المستمر مع مبادرة «الأثر لنا» بإدارة جمعية الفكر العمراني ومكتب «مجاورة» للعمران بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار، للعمل على تطوير 3 مناطق تاريخية وهي شارع الخليفة والحطابة شمال القلعة والإمام الشافعي، من خلال 3 توجيهات وهي ترميم الآثار والمباني التراثية وإعادة تأهيلها لخدمة المجتمع، وربط الأجيال الصاعدة بتراثهم، ومنذ عام 2012 تم ترميم 5 مباني أثرية و مبنيان تراثيان والمشروع الأخير الذي تم افتتاحه كان تطوير وترميم قبة الإمام الشافعي.

وتناولت الإبراشي التعامل مع المنظومة المعقدة ومحاولة فهمها، من خلال دليل إرشادي عن معايير التصميم للمباني واستخدامات الأراضي والمناطق المفتوحة، وكذلك الإطار القانوني للعمل في القاهرة التاريخية، نظرا لتضارب صرامة الاشتراطات في القاهرة التاريخية، والتي تم تحديدها من قبل الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ويخضع تدرج الاشتراطات حسب المبنى نفسه، حديث أو تاريخي أو ذو طراز معماري متميز ومبنى أثر ويقع خارج نطاق الدراسة.

تفعيل القوانين

ويعد تفعيل القوانين الموجودة أهم من استحداثها أو تغييرها، موضحة أن القاهرة التاريخية التي بحاجة لتعامل خاص من خلال خطة الحفاظ على كل منطقة من خلال رصد المحددات والمطلوب.

 وبخلاف القوانين هناك معايير واشتراطات للقاهرة التاريخية، ومنها الأكواد ومعظمها لا يتم تطبيقه على أرض الواقع، وكذلك نظام “خطوط التنظيم” وفكرته توسيع الشوارع من أجل السيارات والذي تم إلغائه عدا بند واحد، وتقول عن هذا النظام: “غير مضمون هدم كل مبنى، خاصة مع وجود مباني تراثية يمتنع هدمها، وكثرة الهدم تفسد النسيج العمراني للمدينة وتخلق مساحات لا يمكن استغلالها”.

وتختص قوانين أخرى بارتفاعات المباني واستخداماتها، والرقعة الخضراء التي من الصعب وجودها في القاهرة التاريخية، وبحسب ما أوضحت يعد من القوانين التي يصعب تحقيقها إما بخلق مساحة أو بتحديد الارتفاعات، مطالبة بضرورة الالتزام بقانون البناء الموحد رقم 119 وأسس ومعايير التنسيق الحضاري التي بدورها أدت إلى إلغاء قانون خطوط التنظيم في القاهرة التاريخية، حيث لازالت بعض الأحياء تعمل بقانون خطوط التنظيم ولا تسمح بالبناء على حد الشارع أو تقوم بتوسعة الطرق أو إنشاء الكباري العلوية في القاهرة التاريخية.

مشكلات معمارية

الحفاظ على النسيج العمراني والمنشآت القائمة بالمناطق داخل حرم الأثر يجب أن تكون قانونية في رأي الإبراشي طالما أنها لا تضر بالأثر، وذلك لعدم المساس بطبيعة القاهرة التاريخية كمدينة حية، مع مراعاة إشراف سلطات الآثار المختصة على أي تدخل، وكذلك إعطاء الأولوية للنشاطات السياحية والثقافية بأراضي الفضاء المتاخمة للأثر.

وعلى الرغم من أن اشتراط عدم تقسيم أو ضم قطع الأراضي داخل القاهرة التاريخية يعد اشتراطا جيدا وواجب التطبيق، إلا أنه يمكن عمل استثناءات في حالة المباني الخدمية أو السياحية مع ضرورة دراسة التأثير الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لأي تغيير بالضم أو تقسيم النسيج العمراني، وكذلك الحفاظ على التقسيم الأصلي للواجهات من الخارج.

وكذلك تخضع لعملية التنظيم، تصميم التشطيبات المعمارية ونوع الفتحات وفقا لمعايير الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، والتركيبات الصحية والتدخل في مبنى قائم أيضا، وواجهات المحال وارتفاعات الأسقف مع تحديد أقل مساحة مسموح بها للفراغات داخل المبنى السكني، ومشاكلها، واستكملت المهندسة المعمارية حديثها عن تناسق معايير الطراز للنطاقات وحالة المباني خاصة أن قانون التنسيق الحضاري يمنع التدخل للمبني ذات الحالة الانشائية السيئة والقديمة بالطبع سيئة.

وتقول الإبراشي: “القانون يمنع تأسيس شوارع في القاهرة التاريخية، مع وجود معايير محددة لعرض الرصيف والإضاءة وهذه التفاصيل لا نراها على أرض الواقع، وأهم نقطة لتوصيات الفراغات العامة، وكذلك لا يجب الالتزام بالطراز القديم عند بناء مبنى حديث مع مراعاة الفئات الاكثر احتياجا للفراغات المفتوحة مثل السيدات أو الأطفال”.

تنمية مستدامة

يشمل الدليل الاسترشادي استخدام الأراضي وتصميمها المعماري ومحددات الرقعة البنائية والارتفاعية، والتصميم، وكذلك المساحات الخضراء التي من الصعب توافرها، خاصة مع غياب التوصيات للفراغات العامة والمساحات الخضراء.

وبحسب ما أوضحته فإنه لا يوجد أكواد للمناطق الخضراء، فالتعامل مع المياه في القاهرة التاريخية يختلف عن الطرق المعتادة في مصر بأكملها، مثل عدم الري بالطريقة المعتادة، وتقول: “لا يوجد أي معلومة في الاكواد توضح طرق الزراعة في القاهرة التاريخية ونوع النباتات التي تعد هامة أيضا مثل النباتات التراثية كالنخيل وأشجار الجميز”.

اقرأ أيضا

باحثون في المجلس الأعلى للثقافة: مستقبل مجهول لتراث القاهرة العمراني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى