خبراء الآثار يجيبون: هل نودع قناطر ابن طولون؟

خلال الأسبوع الماضي تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورا تشير لتدمير أجزاء من سور قناطر ابن طولون الأثرية، وهي الخطوة التي رفضها الكثيرون خاصةً وأن مسلسل هدم وشطب الآثار الفريدة لا زال مستمرًا. فبعد أن هدمت بعض الآثار مؤخرًا ومنها طابية فتح الأثرية بأسوان تم تدمير أجزاء من قناطر ابن طولون. لم تعلق الوزارة عن كلتا الحادثتين، حتى الآن، وهو الأمر الذي استنكره الجميع، خاصة وأن التصريح الوحيد الذي صدر عن الوزارة حول تلك الإجراءات كان من جانب وزير الآثار والذي تساءل حينها وقال: “هل عليّ ترك بعض الحجارة لأنها مسجلة آثار؟”

حرم الأثر

يقول عماد عثمان، كبير باحثين ومدير آثار شرق القاهرة: “خلال شهر أكتوبر الماضي، نشرت صورة لم يفهما أحد حينها، حيث وضعت بها يافطة مكتوب عليها “كوبري عين الصيرة” وتحت هذه اليافطة، موجودة بقايا عقود قناطر ابن طولون، فحينها أدركت أن تلك المنطقة سيحدث بها مشروع جديد، وتخوفت من أن تصاب القناطر جراء الأعمال الإنشائية بالمنطقة”.

واستطرد: قناطر بن طولون مقسمة الآن لجزأين جزء موجود بالبساتين ناحية كوبري الدائري وفيه برج المأخذ، والجزء الثاني منها يقع أسفل الكوبري الدائري، والذي يستخدم حاليًا كموقف للتكاتك، لكن الكارثة الكبرى أن هناك حاليًا توسعة جديدة للكوبري الدائري، وهذه التوسعة من ستؤدي لعواقب وخيمة، إذ أن الطريق الجديد سيمر فوق القناطر، وبالتالي فالسور لن يتحمل اهتزاز المعدات والأعمال الإنشائية، وسينهار بنسبة 100% نتيجة لتلك الأعمال، وهذه مرحلة مستقبلية ستحدث بباقي الأجزاء المتبقية إذ لم يتم تداركها، كذلك فالسور حتى الوقت الحالي تستخدم بعض أجزائه كمواقف للسيارات والتكاتك كما ذكرت من قبل، أما ما حدث مؤخرًا هو أن بقايا العقود والتي كانت ممتدة لمسافة مائة متر تقريبًا، تأثرت بسبب الأعمال الجارية فالعقود التي شاهدتها منذ حوالي أربعة شهور بهذا الموقع لم تعد موجودة في الوقت الحالي، وباتت متواجدة على الأرض بعد هدمها.

ويوضح عثمان خطورة الوضع، ويقول: إن العمال العاملين بمنطقة الكوبري أقاموا سلم خشبي ومن خلاله يصعدون للكوبري وهذا السلم محتك بجسم الأثر، لذلك من الطبيعي أن تسقط هذه الحجارة لأنها من الطوب الآجر، كذلك فالمنطقة تحوي على أجولة أسمنت مرصوصة بارتفاع خمسة أمتار ومسنودة على جسم السور، مما أدى لتدمير بعض العقود وسقوط أجزاء كبيرة من سور القناطر، بالإضافة إلى أن أعمال المعدات الثقيلة أدت لتدمير أجزاء كبيرة من السور نتيجة الاهتزازات والارتجاجات التي تحدثها.

ويضيف، هناك مشكلة أخرى تتعلق بورش الرخام الموجودة بالمنطقة، لأنهم يضعون بلوكات الرخام ويسندونها على بقايا العقود، وبالتالي فعقود السور معرضة للانهيار، كذلك سائقي التوكتوك قاموا بعمل فتحات من خلاله وقطعوا السور حتى يتمكنوا المرور منه بدلًا من المرور حوله، لكن المتبقي من السور حاليًا هو الجزء الذي قامت لجنة حفظ الآثار العربية بترميمه وتقويته حين اكتشفوا السور عام 1893، لذلك خصصوا ميزانية للحفاظ على أخر ما تبقى منه وخاصةً برج المأخذ، ومن الواضح جدًا عملية ترميمه، ولكني أخشى أن يتم تدمير باقي أجزاء سور القناطر الموجودة، نتيجة الزحف العمراني الجديد، فالمشكلة هنا أنه لم يتم التعامل مع حرم الأثر، وهذا خطأ وزارة الآثار لأنها لم تنفذ القانون الذي في حوزتها، فكان يجب أن ينبهوا مقاول المشروع وأن يشرفوا على العمل في هذه الأجزاء، لأن من يعمل في هذا الموقع من الممكن ألا يعرف أنه يتعامل مع منطقة آثار، وبالتالي فالمتسبب عن الأمر هي الوزارة، لذلك أرى أن الحل هو عمل صيانة لباقي الأجزاء المتبقية والحفاظ عليها من خلال تدعيم وترميم العقود المتبقية، بالإضافة إلى ضرورة مراجعة جميع المشاريع الجاري عملها بالمنطقة، لأنهم لا يتعاملون مع قطع الطوب فهذا أثر فريد ونادر.

مشروع ترميم

الدكتور محمد حمزة، عميد الأسبق لكلية الآثار جامعة القاهرة يرى أن بقايا القناطر في الوقت الحالي هي الموجودة عند برج المأخذ، المعروف باسم مجرى الإمام أو بئر أم السلطان بالبساتين، إذ كان المأخذ يقوم بوظيفة وهي أخذ المياه من بركة الحبش، والتي كانت تعد منطقة من متنزهات مصر والقاهرة، وكانت المياه تأتي إليها عبر قناة تسمى بني وائل، بجانب بركة الشعبية، لكن بعد ذلك تم ردم بركة الحبش، وحل محلها الآن ما يعرف باسم البساتين، وأثر النبي، ودار السلام، وقد كانت تمتد القناطر كما أثبتت دراساتي من برج المأخذ، وحتى مشهد آل طباطبا، فكانت هذه القناطر تقوم بري أرض القرافة بأكملها، وقد صرف بن طولون حوالي 140 ألف دينار، وفي رواية أخرى 40 ألف دينار، وكانت هذه القناطر من العجائب في ذلك الوقت، بسبب أنها أول قناطر تبنى في مصر، فمجرى العيون الحالي كان استلهامًا من قناطر ابن طولون، التي بلغت من الإعجاز لدرجة أن الشعراء نسبوا بناءها إلى الجن، إذ لم يتخيلوا أن البشر قادرين على تشييد مثل هذا البناء.

ويقول: لكن في العصر الحديث، ومع التكدس السكاني تعرضت القناطر للإهمال وللتعديات، كما أن بعض سكان المنطقة قد قاموا بأخذ طوب منها لتشييد منازلهم، فأصبح الباقي منها على أجزاء متفرقة، إلا أن برج المأخذ ظل كما هو متماسكًا، وقد تقدمنا بالكثير من الطلبات في الماضي للحفاظ عليها وترميمها، وبعد الثورة ازدادت الأمور سوءًا، لكن المشكلة اليوم أنهم يقوموا بإنشاء إحدى الكباري الجديدة والتي تصل في النهاية إلى ناحية بحيرة عين الصيرة، وللأسف تم هدم أجزاء منها نتيجة هذا الفعل وهدم التخطيط له، وأنا اعتقد أن القناطر ستزال بأكملها خلال الفترة المقبلة إذ ما استمر صمت قطاع الآثار الإسلامية، لأنه للأسف لا يوجد تنسيق بين الجهات المعنية بالتنفيذ، مع غياب دور الوزارة، والمجلس الأعلى للآثار وكذلك قطاع الآثار الإسلامية، أضف إلى ذلك عدم شفافية الوزارة، وأنا أتساءل دائمًا لماذا مسلسل شطب وهدم الآثار الإسلامية لا ينتهي؟، فكان يجب أن يتم توفير مشروع لترميمها، لا أن تهدم، خاصة أنها ثاني أقدم أثر في مصر بعد مقياس النيل، إذ ترجع لسنة 259 هجريًا.

العمارة المدنية

ويقول الدكتور محمد عبدالستار عثمان، نائب رئيس جامعة سوهاج الأسبق وأستاذ العمارة الإسلامية: “إننا حين نفقد أثرًا فنحن نفقد حلقة من السلسة، ففي بعض الأحيان حين تكون هناك حلقة مفقودة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعطي تصورًا كاملًا عن تلك الحقبة، فإذا كان الجامع يمثل العمارة الدينية في العصر الإسلامي، فهذه القناطر تمثل المنشآت المائية في العمارة المدنية، إذ إن الحاكم في هذه الفترة كان هو المسؤول عن توصيل المياه لكافة أرجاء المدينة، لذلك قام ابن طولون بإنشائها، وأنا أرى أن أهميتها تفوق أهمية سور مجرى العيون، نظرًا لأنها تمثل بدايات العمارة المائية في العصر الإسلامي وتحديدا في مصر، وقد أنشأت قبل مجرى العيون بقرون، لذلك فالحل هو الحفاظ على أخر ما تبقى منها، وعلى الوزارة أن تناقش الأمر كي تتفادى المشروعات القائمة بمنطقة قناطر بن طولون، بالإضافة إلى ضرورة الاستعانة بذوي الخبرة الموجودين بقطاع الآثار الإسلامية”.

حلول توافقية

وقدم الاستشاري طارق المري، بعض الحلول لإنقاذ ما تبقى من القناطر، إذ قال إن أول شيء يجب عمله هو تحديد الموقع والأجزاء المتبقية من القناطر، وذلك بعمل حفائر بالموقع، وعلى ضوء ذلك يمكننا عمل حرم لهذه القناطر، بحيث يتم تسويرها، كي لا يقوم أحد بالاعتداء عليها، وفي اعتقادي أننا يمكننا عمل قبو زجاجي للسور لحمايته من العامة، ومن وجهة نظري فإعادة بناءها لن يفيد شيئًا، فما يهم هو الحفاظ على أخر ما تبقى منها، من خلال الحفائر، لكني لا أحبذ إعادة إنشاءها، لأن ذلك سيضيع قيمتها الأثرية، أما ترميم الأجزاء المتبقية، فهو لا يحتاج لدراسات كثيرة إذ ما توفرت الإرادة لترميمها، وتوثيقها، للحفاظ على أخر ما تبقى منها، لذلك أتمنى أن يتم تقديم حلول توافقية حول الأمر وأن تستجيب الوزارة لتلك المطالبات.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى