ادب وفنحكاوي

خالد العجيري: رحلة البحث عن  نصوص الحداء في قوص

الحداء هو غناء الرجال أثناء العمل على الآلات التي تجرها الجمال أو الثيران مثل السواقي، وبخلاف دوره الجمالي كان “الحداء” يعكس حياة المصريين وثقافتهم، و كان منتشرا جدا في مصر قبل بناء السد العالي، لكنه انقرض الآن، واندثرت معه ثروة شعبية كبيرة جدا، فرطنا في جمعها وتدوينها، كما فرطنا في أشياء كثيرة.

عاشق للمكان

بعد فوات الأوان تقريبا، وبعد تقاعس هيئات ومؤسسات، قام الشاعر خالد العجيري بمحاولة مضنية من أجل اللحاق بما تبقى من تلك الأغنيات في ذاكرة بعض الشيوخ، ونجح في القبض على عدد من تلك النصوص قبل أن تختفي تماما.

اهتمام العجيري بالتراث الشعبي عميق ويمتد إلى سنوات طويلة، لكنه كان جزءا من حياته كمثقف وعاشق للمكان بكل موروثاته، وقد  ظهر التراث الشعبي في أعماله الإبداعية بشكل قوي، كما هو الحال  في روايته “نجع الحمارة” والتي قامت على تفاصيل كثيرة خاصة بتلك الفئة التي كانت تمارس حرفة النقل ، وعلاقتها بالحمير وطباعها وأمراضها وتفاصيل حياتها، وانعكاس كل ذلك على المجتمع.

الرحلة

رحلة خالد العجيري في جمع وتدوين نصوص الحداء لم تكن سهلة، خاصة بعد التحولات الكبيرة التي شهدها المجتمع منذ بناء السد العالي، ورغم تحديد دائرة العمل بقرى قوص فقط، إلا إن  العمل الميداني لم يكن سهلاً  كما يقول العجيري، بسبب ضعف شبكة مواصـلات التي  تربـط بين القرى والنجوع، وتكلفة استئجار سيارة خاصة تبقى معه طوال فترة الجمع التي تطول كثيرا في مقدمات وحكايات جانبية.

الصعوبة الكبرى تأتي من خلال الناس  وعدم إدراكهم لقيمة هذه الأغنيات الشعبية,  ويحكي العجيري عن رجل ممن ذهب إليهم للحصول على ما يحفظه من حداء، فقال الرجل: صحيح: (ولا دلقة على الكوم إلا ما ليها يوم ).

والدلقة هي قطعة القماش القديمة التي لا تصلح لشيءٍ، والكوم هو منطقة في إحدى جوانب القرية يُلقَى فيها سماد أفران الخبيز وسماد الحيوانات المسمى بالسماد البلدي والزبالة، وكان الناس يقضون بها حوائجهم في تلك الفترات القديمة لعدم وجود حمامات بالمنازل, إذاً يريد أن يقول ما أتفه وما أحقر هذا الفعل الذي أقوم به !

مهنة الجازر

ويضيف العجيري: تنتظر في منزل الواحد منهم لساعاتٍ طويلة وهو محرج وفي خجل أن يقول، وبعد أن يقول أحدوة واحدة أو ثلاثاً على الأكثر يتوقف، فتضطر للذهاب والرجوع إليه فيما، و تذكر له أقوال غيره حتى يستطيع التذكر.

الأمر الآخر أنَّ من يملكون هذا التراث كان الواحد منهم يعمل في مهنة الجازر أي أجير لدى الغير، وهو الآن من أصحاب الأملاك ربما تاجر أو مقاول من أصحاب المعدات والمحاجر، وربما أصبحوا من أكابر أهالي القرى المنتمين إليها، فهو لا يريد أن يتكلم أمام أبنائه الذين ينظرون إليه أثناء الجلسة من حين لآخر، وكأنهم يشيرون إليه ألا يتكلم ؛ لأنه سوف يحط من شأنهم من وجهة نظرهم الخاطئة التي لا تعرف للثقافة سبيلاً.

صفر اليدين

لقد كان الأمر بالنسبة للعجيري مرهقا للغاية، فبعد يوم عمل شاق في الوظيفة الحكومية يذهب إلى إحدى القرى، ومشي عدة كيلو مترات في طرق ضيقة بين الزراعات للوصول إلى وجهته , والغريب في الأمر بعد كل هذا العناء يجد المصدر أو الرجل  الذي حكوا له عنه الأساطير بشأن ما يملك من هذا الفن ليس لديه أحدوة واحدة, وهو إما يجيد فن الواو أو الموال, فيعود ليلاً إلى بيته صفر اليدين، و ربما استقل عربة كارو ،أو ركب خلف رجل بموتوسيكل.

لم يتوقف العجيزي عند جمع وتدوين نصوص الحداء، بل راح يفك غوامضها، ويبسط دلاتها، ويكشف ما يختفي عند القراءة المتعجلة، أو الحرفية، أو الجاهلة بالتراث الذي تحمله بعض المفردات، يقول الحادي مثلا:

يا بكرتي يا أم الجرس رناني

ماشية في القطرة من قدامي

القطرة هنا هي الصف، لأن الإبل تمشي قرب بعضها ، ويغني الحادي لبكرته، وهي الناقة الشابة القوية التي لم تلد من قبل، أو ولدت بطناً واحدةً, وهي تتمتع بالقوة والجمال، لذا علَّق فيها جرساً يرن على حسب رجز هذه البكرة في مشيتها, ويصدر ذلك الجرس صوتاً جميلاً، ويحدو هذا الحادي على صوت هذا الجرس, ولقوة هذه البكرة وشبابها فهي تقود القافلة, هذا الحادي يجمع بين قوته و قوة ناقته وشبابه وشبابها في قيادته وقيادتها للقافلة، ويقول الحادي

يا جمل العيلة حسك داوي

حملك تقيل قطَّع العراوي

الحس هنا كما يقول العجيري هو الصوت، والداوي من الدوي، وهو صوت الرعد والريح، أما العراوي: فهي عروات صغيرة من الحبال على الشاغر يدخل فيها حبال ربط الأحمال على الجمال، ويشد حتى يضمن عدم تزحزح الحمْل من مكانه أو وقوعه.

صوت الرعد

والجمل هنا هو كبير العائلة الذي يشبه صوته صوت الرعد.  وهذا الثقل في الأحمال هو المسئوليات والتبعات الواقعة عليه. فهو في أحماله الكبيرة مثل الجمل الذي قطع عراوي الشاغر، صحيح أن الحمل سقط من على ظهره، ولكن لا مفر من وضعه مرة أخرى، ونقله إلى مكانه. فكذلك كبير العائلة مهما حدث فإن حمول وهموم ومشكلات أهله في انتظاره، ولابد من حملها .

وهكذا يدون العجيري نصوص الحداء التي جمعها، ويحيط كل نص بدائرة من الضوء تكشف جماله ودلالته ، ليقدم في النهاية كتابا ممتعا يستحق الحفاوة والتقدير.

اقرأ أيضا:

درويش الأسيوطي ورمزية الذئب والحمل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى