أصل و فصل

خاص| قصة الشاعر الذي تبرع بعينه من أجل مقاتلي سيناء

نال الشاعر الغنائي الراحل مصطفى السبيلي شهرة واسعة، بعدما تغنى بكلماته كارم محمود، شفيق جلال، حورية حسن، مدحت صالح، محمد الحلو، أنغام، جورج وسوف، فضل شاكر، راغب علامة، وليد توفيق، رامي عياش، ونال شهرة أيضا خلال حرب السادس من أكتوبر عام 1973. حين قرر الخروج عن المألوف وإعلانه للتبرع بعينه لأي مقاتل فقد عينه خلال نضاله على الجبهة.

«وهبت عيني لبطل مصري.. لنرى معا الفجر الجديد» هذا ما قرره الراحل مصطفى السبيلي (1949 -2014) خلال معارك أكتوبر 1973. وكان عمره حينها لم يتجاوز 24 عاما، بعدما أرسل رسالة إلى الرئيس الراحل محمد أنور السادات بعد أول أيام الحرب، يوضح له فيها رغبته بالتبرع بقرنية إحدى عينيه لأحد المقاتلين المشاركين في المعركة.

قرنية هدية

اتخذ السبيلي هذا القرار خلال الحرب بعدما شعر حينها بأن التعبير عن الحرب بالشعر والكلمات وحده لا يكفي، فلجأ إلى التبرع بجزء من جسده وهو قرنية إحدى عينيه، ونفيا لما شاع عنه بأنه اتخذ هذا القرار رغبة في الشهرة، جاء رده بتقديم صندوق ضخم وضعت فيه قصاصات من المجلات والصحف بها قصائده الشعرية، والخطابات التي يستقبلها من المعجبين فقد كان يستقبل يوميا أكثر من عشرة خطابات، وعمره لم يتجاوز 24 عاما فقط.

أرسل خطابا إلى الرئيس يستحلفه أن يصدر أمرا بإجراء العملية، وبعدها قدم طلبا إلى الدكتور علي مرتضى -مدير مستشفى القصر العيني حينها – بوضع عينه تحت تصرفه، لإجراء عملية ترقيع القرنية لأحد المقاتلين، وفشلت كل محاولات المقربين منه لتغيير رأيه ما دفعه لمخاطبة الرئيس، شكك الكثير في رغبته بأنه باحث عن الشهرة. ولكن في الحقيقة كان جسده ضئيلا لحد الهزال، كأنه مريضا يمر بفترة النقاهة وربما هذا ما منعه من المشاركة في الحرب.

«لماذا لا تذهب وتقاتل بدلا من التبرع بعينيك؟» سأل محرر جريدة “الأخبار” مصطفى السبيلي في حوار نشر بعدد الجريدة، المنشور في 24 من نوفمبر عام 1973، فأجاب السبيلي بأن الملايين يشاركون في الحرب، وهو بنفسه شارك في حرب عام 1967، ولكنه في هذه الحرب يود تقديم رمزا للجنود الذين قدم بعضهم حياته.

مشاغبات

نشأ مصطفى السبيلي، واسمه كاملا مصطفى عبده السبيلي لأبوين نزحا من الصعيد. وعاشت أسرته في حي الدقي برفقة أشقائه السبعة، وكان يعمل خلال عام 1973 مساعد أمين مخزن بإحدى شركات القطاع العام نظرا لثورته على التعليم وعدم استكمال الدراسة، وكانت أسرته البسيطة دائما ما ترضخ لتحقيق أمنياته غير المألوفة.

اتفق الأب عبده السبيلي مع رغبة ابنه بأن التبرع بعينه من عدمه هو شأنه ولا يحق لأحد التدخل، وقال عن ابنه مصطفى في الحوار المنشور بالجريدة نفسها، أنه كان دائما يلقي الخطب الحماسية والشعر في الحفلات بشكل يكبر سنه، بل أن بعض تصرفاته وصلت إلى حد الجنون، حيث زوّر إمضاء والده خلال الدراسة في السنة الأولى بالمدرسة الثانوية وسحب أوراقه وتطوع في القوات المسلحة خلال حرب عام 1967.

لم تكن والدته راضية عن قراره بالتبرع بإحدى عينيه، وتوسلت إليه تارة، وأخرى بالبكاء للعدول عن قراره، وكان رده عليه مقنعا: “إذا أصيب شقيقي وفقد عينه في الجبهة وفقد بصره وتقدم مواطن للتبرع بإحدى عينيه هل تعارضين؟”، فاقتنعت الأم ولم تستطع مجادلته أكثر من ذلك.

ليس مجنونا

الضجة التي أحدثتها قرار التبرع بقرنته جعلت الجميع يلقبه بـ«الباحث عن الشهرة». ولكن ربيع حسين مدير المدرسة التي درس فيها شاعر «الفل والياسمين» في طفولته وأمين الاتحاد الاشتراكي بها، دافع عن السبيلي، قائلا أنه مكافح ووطني، متحمس وصادق، وكان قد قدم ديوانه «أحب الناس» إلى ربيع وإعجابا بكتابته قال عنه «هل يكتب هذه الكلمات مجنون!».

من جانبه علق الدكتور علي مرتضى، أستاذ جراحة العيون بالقصر العيني، الذي راسله مصطفى السبيلي، وقال في حوار نشر عام 1974، أنه رد على خطابه حينها بأنه طُلب منه إجراء العملية، وجاء إليه أكثر من مرة وألح في طلبه، موضحا أنه اضطر إلى مجاراته وقال له أنه سيستشير زملائه الأطباء ومر فترة على هذا الطلب.

ولكن الحقيقية كانت رفض الطبيب إجراء هذه العملية له، لأنه لم يستطع إجراء عملية لشاب حي سليم العين لإعطاءها لآخر كف بصره، خاصة وأن المشرحة مليئة بالجثث ضحايا الحوادث، وإذا لم تمر ساعة على الوفاة، من الممكن استخدام عيونهم، فضلا عن رفض القانون حينها بعمليات زراعة الأعضاء من الأحياء إلا باتفاق شخصي ورد عليه: “أنا لا أستطيع إجراء العملية.. ابحث عن طبيب آخر يجريها لك”.

حقيقة التبرع

تواصل «باب مصر» مع السيدة لبنى السيد، الزوجة السابقة للشاعر الراحل مصطفى السبيلي، التي أوضحت أن هذه الواقعة حقيقية ونالت ضجة واسعة في ذلك الوقت. ولكنه لم يتبرع بعينه بسبب رفض الأطباء إجراء العملية، وبعد استقباله خطاب شكر من الرئيس أوضح المسؤولون له أن قلمه يقدم رسالة خالدة وثقافته تمثل إفادة لمصر لا تقل عن دور الضابط على الحدود، وأنه يستطيع استغلال قلمه لتجسيد هذه المرحلة.

مفسرة أنه لم يقصد بطلبه البحث عن الشهرة وما إلى ذلك، ولكنه أراد إيصال رسالة للجميع من خلال قراره بالتبرع وهي الظهور كمواطن يشجع غيره على المشاركة ودعم الحرب بأي شيئ من الممكن تقديمه، مال، مشاركة في الحرب، تبرع بالدم أو المال أو حتى عضو من الجسد، وعندما استقبل خطاب الرئيس تحفز مجددا للكتابة عن انتصارات معارك أكتوبر وكتب قصيدة «وادي الحب والحنية» عن سيناء ورفح، شرح فيها الوضع قبل وبعد حرب أكتوبر.

حب الوطن سيطر على الكتابات الأدبية لـ”السبيلي” طوال حياته، وتقول السيدة لبنى التي استمر زواجها منه حتى عام 1995، أن انتصارات أكتوبر كانت صاحبة النصيب الأكبر في كتاباته وكان يكتب عنها سنويا دون كلل، كتب للانتصارات والجيش وعبر في الوقت نفسه من خلالها عن حب الوطن الذي لم ينقطع.

هدف طلبه بالتبرع بعينه كان المساندة والعرفان بالجميل للجنود وجهودهم في الحرب، وتضيف السيدة لبنى: أن الرئيس الراحل محمد أنور السادات شكره على مجهوده وطلبه من خلال إرسال خطاب شكر، وكان واحدا من أربعة خطابات أرسلها السادات للسبيلي، واحتفظ بها السبيلي في صندوق خاص بمقتنياته الشخصية، وفيما بعد تم الاحتفاظ بهذه الأوراق والقصاصات بصورة ضوئية على الجهاز الخاص بابنه ضياء السبيلي، الذي قال لـ«باب مصر»: إنه لم يعاصر والده كثيرا وكل ما يتذكره أنه كان دائم التعبير عن رأيه بحرية شديدة، الحرب، حب الوطن، الأزمات السياسية، وكان يصيغها بصورة أدبية في الشعر العامي الذي أتقن تقديمه.

«الشاعر لا يستطيع طوال الوقت التعبير عن مشاعره، لشدة الفرح أو شدة الحزن» هذا ما قالته السيدة لبنى عن الحالة المزاجية التي اتبعها السبيلي في كتاباته، ما يثير مشاعره يعبر عنه وفي بعض الأوقات بسبب السعادة العارمة كان القلم يعجز، تماما كلحظة الانتصار في حرب أكتوبر التي أصابته بحماس وسعادة لم يستطع وصفها، مرجعة ذلك إلى انتظاره 6 سنوات كاملة كان يحلم خلالها باسترداد سيناء، بعد مشاركته في حرب عام 1967 التي أصابته بالحزن والإحباط.

وعلى المستوى الشخصي، كان السبيلي صديق مقرب للدبلوماسي والسياسي عمرو موسى الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، حيث توضح السيدة لبنى لـ«باب مصر»: أن موسى كان سياسي متزن يضع حدود في كل علاقة شخصية، ولكن السبيلي كان الشاعر الغنائي المفضل له وصديق مقرب.

خطاب السادات

حرص الرئيس الراحل محمد أنور السادات الرد على السبيلي في خطاب، نُشر نصه في جريدة الأخبار بتاريخ 17 نوفمبر 1973:

السيد/ مصطفى السبيلي

تحية طيبة.. وبعد..

فقد وصلتني رسالتكم، التي هي ومضة من إيمان الشعب وقبس من روحه المتوهجة..

ولقد كان لها في نفسي أعمق الأثر، لم اتحمله من أنبل التضحيات وأسمى المعاني..

فقد كشفت بهذه الرسالة، نواحي القوة في أمتنا المجيدة بتبرعك بإحدى عينيك، لأحد ابنائنا المقاتلين، في القوات المسلحة لاسترداد حقنا المُغتصب في ارضنا الطاهرة…

ونسأل الله القدير، أن يحقق لأمتنا المناضلة، النصر على أعدائها ليعم السلام، ونبني صرحها شامخا، على أسس قوية من الإيمان ودعائم ثابتة من العلم..

والله يوفقنا ويسدد خطانا..

مع أطيب تمنياتي..

أنور السادات

رئيس الجمهورية

17 نوفمبر 1973

اقرأ أيضا

أقدم لوحات نصر أكتوبر في مصنع سكر دشنا

الجنود الصغار.. هكذا كانت الدراسة وقت الحرب

ملف| معاش الإمبراطورة وأبناء الصعيدية.. هكذا شاركت المرأة في الحرب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى