حوار| عربي كمال: المحافظ أوقف عرضي المسرحي.. والمرأة الصعيدية في معركة مجتمعية

“ظلي الذي يكابر، ظلي الذي يخجلُ من الاعترافِ بموتِ صاحبهِ”.. تلك هي الكلمات التي فضلها صاحب الظل الذي خجل من الاعتراف بموت صاحبه، كما وصف نفسه، هو عربي كمال فرغلي، الشاعر الطائر محلقًا على كل المدارس الشعرية، وفقا لتصنيفه، ابن مدينة دشنا، والذي رغم قصر عمر إنتاجه الإبداعي المنشور، إلا أن موهبته المتجلية منذ طفولته وتمرده الإبداعي، جعلت اللواء عبد الحليم الصعيدي، محافظ قنا حينها، يوقف عرضه المسرحي “فرح العمدة”، موبخًا مشرفين المسرح غير مستوعبًا أن هذا العرض من نتاج طفلاً سبق إبداعه وفكره عمره.

أجبرت موهبة كمال، الشاعر والناقد محمود قرني على اختياره من ضمن الشعراء في ملفه بمجلة الشعر، عنوانه “أحد عشر كوكبا .. يصارعون شهوة تغيير العالم”، وقال عنه “أما الشاعر العذب عربى كمال فيبدوا حاملا لراية الرومانسية الجديدة، دون أن يعني ذلك انتساب نصه إلى شعرية قديمة، فهو بين تطوحاته الرومانسية يبدوا مالكا لذات تنطوي على تجربتها الخاصة، لكنها تختصر ذاتيات أخرى بداخلها، فيبدوا في النهاية تعبيرها جمعيا وليس فرديا”.

عربي كمال تجربة تستحق التأمل، ليس فقط في تناوله الشعر السياسي أو الثوري بالأحرى والشعر الرومانسي، إنما تعبيره عن وجهة نظر شريحة كبيرة من أبناء جيله بناءً على تجارب ذاتية وجماعية.

ومن إبداعاته المتعددة في شعر الفصحى، واصفا عمره الإبداعي الذي قارب 13 عاما حتى الآن، برصيد شعري مكون من ديوانين منشورين بالفصحى، وكتاب سياسي “من سرق الرئيس”.

كما شارك كمال في مؤتمر أدباء مصر بمطروح ديسمبر الماضي، ممثلا عن نادي أدب دشنا وهو عضو عامل بالنادي، وكتب كلمات أغنية “هنا الميدان” والتي استخدمت كتتر لبرنامج إذاعي، كما كتب عددا من المقالات والدراسات لبعض الصحف المصرية، وشارك في كتابة سيناريو الفيلم التسجبلي الإيطالي “إشارة مرور” الذي عرض بالمهرجان الإيطالي للسينما الأفلام التسجيلية.

الشاعر عربي كمال
الشاعر عربي كمال
“ولاد البلد” حاورت الشاعر عربي كمال، وهذا نص الحوار: 
 عربي كمال رجل قانون ومستشار قانوني لهيئة السكة الحديد وأديب كيف ترى تلك المفارقه؟

أؤمن أن رسالة الأدب رسالة إنسانية عامة، تعبر عن هموم البشر وألمه وتطلعاته للخير والجمال، حيث تسود قيم العدالة والمساواة، لذا أعتقد أن غاية القانون كذالك، أليس من أجل هذه القيم – عادة – تُسن القوانين.

وأعتقد أن دراستي أفادتني وفق معيار أن كل شيء بداخلنا لا يتلاشى، بل يتفاعل مع أرواحنا سلبا وإيجابا، ورغم ذلك لا أزعم أني دخلتها محبا بل مكرها، حيث كنت أحلم بكلية الصحافة والإعلام لكن القراءة “أفسدتني” كما كان يردد أبي، فخرجت من الثانوية بمجموع لا يؤهلني سوى لكلية الحقوق، حيث عاصرت الثانوية العامة التي كنا فيها فئران تجارب فيما يسمى تطبيق الثانوية العامة الجديدة، وكانت أقل كلية تقبل مجموع لا يقل عن 70%.

حدثنا عن مشاركتك في مؤتمر أدباء مصر بمطروح الشهر الماضي؟

هذه خطيئة لن أكررها، فكرة مواجهة الواقع ومحاولة تغييره جعلتني أوافق على الذهاب لمناقشة لائحة قصور الثقافة وتغييرها، وإعطاء قصور الثقافة والفعل الثقافي بصيص من الحرية وإضافة رفض التطبيع بكافة أشكاله من المبدعين مع العدو الصهيوني، وتوقيع عقوبات على من يفعل ذلك، فالشاعر ضمير الأمة، فإن طبع مع العدو فقل على الأمة السلام.

ذهبت بكل هذه الأحلام، وفوجئت بمهازل وتوصيات مخيبة للآمال.

كيف ترى الشعر وإلى أي مدرسة شعرية تنتمي؟

إذا كنتِ تقصدين تعريفه فهذا محال، الشعر لا يعرف، هل هناك تعريف للحب، أنا مثلا لا أرى أن أفلاطون وضع تعريفا للشعر بل توصيفا له، حينما قال “هو ذلك الشيء الخفيف، المجنح والمقدس”، أيضا يعجبنى توصيف بول سيلان حينما قال “الشعر هو نوع من أنواع الرجوع إلى البيت”.

وﻻ أنتمي إلى مدرسة بعينها، الانتماء سلاح السياسي ورجل الدين، أما الشاعر ليس له انتماء إلا للشعر ذاته، الانتماء “أدلجة بغيضة” في الفن، أنه أشبه بغرس شجرة عملاقة في جناح طائر، الشاعر طائر أجنحته حرة.

كيف ترى الأوساط الثقافية الآن خاصة الشعر في الـ10 سنوات الأخيرة؟

الأوساط الثقافية الآن فيها حراك أدبي جيد وشعراء شبان يحملون تصورات مختلفة عن السابق، تصورات معبرة عن همومهم وتطلعاتهم وتجاربهم، وإن كان بعض هذه التصورات هش، إلا أن تفاعلهم واشتباكهم مع الواقع ينضجهم بشكل ملحوظ، فنحن أمام جيل عاصر منجزات في التواصل مع العالم، وفورات اجتماعية وسياسية لم يمر بها الجيل السابق.

جيل يستعمل “فيسبوك” ويقرأ الأعمال الأدبية بضغطة زر واحدة، وعاصر ثورة أبهرت الدنيا وما فيها، وهي 25 يناير التي أعطته رؤى مغايرة للمسلمات السابقة، وفي نفس الوقت نال ضربة موجعة بعد أن تم طمس نورها من الذئاب

ثمة رؤية تفكيكية تحدث من الجيل الحالي لواقعه، والشعراء الشبان يتقدمون بخطوات – وإن بدت مرتبكة – لمحاولة إعادة الشعر الذي تورى عبر الخطابة الثورية والذاتية، جيل يحاول أن يهرب من فخ التكرار، ويسعى – وإن أخفق أحيانا – في أن يجعل الشعر شاهدا لا بوحا.

هل الصعيد مازال مهمشًا ثقافيًا من وجهة نظرك؟ وماذا عن وضع المبدعين الجدد به؟

ومنذ متى لم يكن الصعيد مهمشا فى كل المجالات عمدا، الحركة الأدبية بالصعيد تعتمد على نشاط فردي، لأن الثقافة الرسمية لا تقدم حراكا حقيقيا، بل ندوات مغلقة أشبه بمظاهرة يطوقها جنود أمن غاضبون، لذا ما يقوم به أدباء الصعيد هو أشبه بجهاد في حرب مقدسة، يخوضها ضد القبح المحيط والأفكار المجتمعية.

في الماضي كان البسطاء في الصعيد يلتفون حول الشعر والشعراء ويقدرون مكانته، لكن تبدلت القرى وصار الشعر بالنسبة لهم ترفا كما صار الشعراء بالنسبة لهم مجموعة من المجاذيب.

أذكر مرة أن شاعرا وصديقا من القاهرة جاء لزيارة أدباء دشنا، وكنا على طرف المقهى ولم يرنا، فلم سأل الناس الموجودة على المقهى “أين يجلس شعراء دشنا”، فأجابوا بصوت واحد في سخرية، “آه المجاذيب.. هناك يا أخينا”، ورغم ذلك هناك ضوء هناك حراك شعري وشعراء شبان يحصدون الجوائز الكبيرة، والمدهش شاعرات استطعن بمجهودهن الذاتي أن يحفرن أسماءهن في الحقل الشعري دون اعتماد على المؤسسات الثقافية وقصور الثقافة، وهو الأمر الذي يعطي أملا كبيرا للحركة الثقافية في الصعيد بالنسبة للمرأة تحديدا.

“فرح العمدة” عرض مسرحي كان من أول مؤلفاتك وأنت طفل.. لماذا أوقفه محافظ قنا وما هي رؤيتك للمرأة الصعيدية؟ 

بدأت الكتابة في الإعدادية، ونشر لي في أولى ثانوي أول قصة بجريدة الأهرام المسائي، وكان حدث عظيم آنذاك، وكتبت أول مسرحية في خامسة ابتدئي، وعرضت في النشاط المدرسي لمسابقات المدارس أمام المحافظ حينها، وكنت أقوم فيها بأحد الأدوار، وعند عرضها أوقف المحافظ العرض ووبخ المشرفين، حيث اعتبر العرض مخلا بأعمار الأطفال.

كنت في أولى إعدادي، وفي الساعة السابعة صباحا أجلس على رصيف المحطة انتظر وصول القطار القادم من القاهرة لأشتري من عم “عبد البصير رحمه الله”، أشهر بائع جرائد في دشنا، كل الرويات مثل “رجل المستحيل والشياطين 13 والمغامرين الخمسة”، وهناك شخص له فضل عظيم عليّ وهو مدرس اللغة العربية في الثانوية العامة شيخي أشرف سليمان الذي توسم فيّ شيئا لا أعرفه، فجاد عليّ بالمعرفة وجعلني أتذوق الفن والموسيقى، وخاصة أنه درس بمعهد الموسيقى العربية ويجيد العزف على الناي، فهو موسوعة في كل شيء.

وككل طفل تحكي له جدته الحكايات، فعلت جدتي معي ذلك وأنا صغير، وهذه الحكايات خرجت في المدرسة عبر كتابات ساذجة، وكنت اشترك في الابتدائية بالنشاط المدرسي.

وكتبت مسرحية صغيرة تتحدث عن المرأة، وقامت إدارة المدرسة بالمشاركة بها في تصفيات المدارس، وكنت أنا وأخي نشارك في التمثيل فيها، وأثناء عرضها في المحافظة بحضور المحافظ آنذاك، أوقف العرض في مشهد الزواج ووبخ المدرسين، لأنه كان يرى أن المشهد لا يليق بأطفال في هذا السن ويدعو للتحرر.

يغلب على ديوانيك الطابع الرومانسي حتى الشعر السياسي الثوري يميل إلى ذلك فكيف تمزج بين الحبيبة والحرية والوطن؟ 

 أنا صعيدي، فطبيعي أن انحاز إلى المراة الصعيدية وأراها مدهشة، لأنها تحارب في معركة مجتمعية ودينية أشد ضراوة مما يتصوره أهل الشمال، إنها ليست هذا النموذج الذي يقدمه التلفاز في مسلسلاته وأفلامه، الجيل الجديد الآن منهن يكسر القواعد الراسخة ويقتنص بعضا من حقوقه.

كما تشارك الفتاة في مجالات كانت محرمة عليه سابقا، صرن يمارسن كسر ميراث العادات بمكر ونعومة، العالم صار قرية صغيرة، والمرأة الآن في الصعيد صارت تسعى لفك ميراث ثقيل من العادات والأعراف، لكن فلنتفق أن القهر مازال موجودا ويلقى بثقله عليهن رغم كل هذه التغيرات.

الشاعر عربي كمال
الشاعر عربي كمال
مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى