حوار| المؤرخ شهاب فخرى إسماعيل: كيف غيرت المجاري شكل القاهرة؟

اختار الباحث والمؤرخ شهاب فخري إسماعيل، البنية التحتية للمدينة ليرصد من خلالها مسارات تطورها، منشغلا بتاريخ القاهرة في فترة الاستعمار البريطاني. حصل شهاب على الدكتوراه من جامعة كولومبيا بنيويورك وكان عنوان الرسالة «هندسة المدينة: الوباء ورأس المال وتأسيس القاهرة كمدينة كولونيالية تحت الاستعمار البريطاني، 1882-1922».

في هذا الحوار يغوص بنا شهاب تحت الإسفلت، لنتتبع التغيرات التي طرأت على سلوك سكان القاهرة بعد توصيل المياه والصرف الصحي للمدينة.

بداية، لماذا اهتممت بالبنية التحتية للمدينة؟

هناك رؤية تصور المدن على أنها كائن بيولوجي، ورؤية أخرى تصورها بهيئة مُصنعة أو مُهندَسة. بالنسبة لي أنظر إلى المدينة من الزاويتين. وأرى أنهم سويا مهمين لفهم معنى “المدينة” بشكل شمولي. فكرة أن يكون هناك مكان يتمركز فيه عدد كبير من البشر، يجعلني أتساءل عن أنماط الحياة التي استوطنت فيها. هذه الأنماط التي دائما ما تكون متعددة، أنتجت تغير في سيرورة الحياة ذاتها. من حيث علاقتنا وسلوكنا نحو هذا المكان- المدينة. فحينما تنمو وتتقلب المدن، تتقلب وتنمو بالتوازي علاقتنا بالمياه.

خريطة نظام المجاري، من تقرير وزارة الأشغال العمومية لعام 1911.. من أرشيف شهاب فخري
كيف شكلت المياه معرفتنا بذواتنا؟

المياه لا تشكل وحدها الأشياء، لكن علاقتنا بالمياه تغيرت في وقت أعيد فيه صياغة معرفة ذواتنا، أو ما يسمى بالذات الحديثة. الرجل في القرن العشرين اعتبر نفسه متحضرا حينما ارتدى الطربوش والزى الإفرنجي بدلا من الجلابية، أو بمعنى أدق حينما أصبح “أفندي” وتعلم في مدارس حديثة بدلا من الكُتاب والأزهر. وعمل في مهن حرة مثل المحاماة والصحافة.  طبقة الأفندية أو الطبقة الوسطى الجديدة خرجوا من أماكن مثل الجمالية والحسينية وأقاموا في مناطق أجدد وأرقى مثل العباسية وشبرا.

كل هذه العناصر جعلتهم مميزين عن الخلفية التي جاءوا منها أو جاء منها أجدادهم، بالتالي كان تعاملهم مع المياه مختلفا. فبدلا من أن يكون مصدر المياه هو الجوامع والأسبلة والاعتماد على “السقا” والاستحمام في حمام عام، أصبح لدي المواطن المصري “حنفية” أو يمكن صياغة هذه النقطة بشكل أخر: أصبح لدي المصري خصوصية متمثلة في حمام ممدود بالمياه، لأول مرة.

بيوت القاهرة حتى أواخر القرن الـ19 كان بها حمام خاص لكن بدون “حنفيات” فالحمام كان موصولا بماسورة تحت الأرض والماسورة موصولة بـ”طرنش” عبارة عن خزان مسؤول عنه طائفة “السرابطية” الذين كانوا يفرغونه وينظفونه بشكل دوري. وعندما وصل مشروع المجاري تغير كل شيء بداية من العشرينات والثلاثينات، حتى أربعينيات القرن الـ20. وجود حمام به حنفية وبلاعة، فكرة أحدثت نقلة. هذه النقلة هي ما أهتم به. لأنها تعبر عن كيف تغيرت القاهرة كمكان وكيف تغير سكان القاهرة كذوات.

تردد داخل مقالك في كتاب “نشتري كل شيء جملة “أسئلتي لم يجاب عليها” أكثر من مرة لكنك لم تشر لهذه الأسئلة، ما هي الأسئلة التي كانت تطاردك قبل البدء في هذا البحث؟

يكون للفرد منا أسئلة قبل بداية البحث لكن أثناء البحث تتطور هذه الأسئلة. السؤال الذي بدأت به ظهر في عام 2010، قبلها بقليل كنت اقرأ في التاريخ المصري وتحديدا فترة الاستعمار الإنجليزي. لم أجد أشياء جديدة مكتوبة عن هذا الفترة، أيضا لا يوجد شيء مكتوب بالاستعانة بدار الوثائق. هذا المكان كان جديدا على الباحثين وقتها بشكل ما. حينها أحسست أن فترة الاستعمار الإنجليزي لغز. غموض سبب النقلات الكبيرة في مصر والكيفية التي حدثت بها.

كان السؤال الذي يشغلني: الاقتصاد والسياسة والصحافة، تغير كل هذا بعنف في فترة الاستعمار وأحسست أنه لا يوجد دراسات حديثة تتحدث عن هذه النقاط. بعدها وقع تحت يدي تقارير حول المياه والنظافة والمجاري في مصر في عام 1910. حينما قرأت هذه التقارير بدأت اسأل نفس السؤال. ولكن على مستوى المياه: كيف تغيرت حياتنا في فترة الاستعمار من خلال منظور المياه والمجاري. وكان هذا موضوع أطروحة الدكتوراه.

لماذا تأخر مشروع البنية التحتية في القاهرة 25 سنة من لحظة اقتراحه؟ وبرأيك.. هل فشل المشروع؟

أثناء البحث داخل دار الوثائق، خاصة في الصيف الثوري عام 2011 غرقت في تقارير المهندسين القائمين على هذا المشروع وتصوراتهم المختلفة. كنت مهتم بمعرفة ما الذي دار في أدمغتهم حينها. صيف كامل قضيته في قراءة وتحليل، وتأمل مغزى هذه الرؤى المختلفة بين كل مهندس وآخر، في تنفيذ مشروع البنية التحتية في القاهرة.

لذلك يمكن تقسيم أسباب التأخير لسببين أولهما اقتصادي:

أولا: مشروع المجاري كان مكلفا جدا بمعايير عصره. وهو غير مجدي اقتصاديا بالمقارنة مشاريع أخری، بجانب أنه مشروع ذو أهمية قصوى للصحة العامة.

في مرة عرض المهندس الفرنسي “بروا” مشروع البنية التحتية بشكل رآه مناسب. كان مُقترحه عبارة عن مد شبكة صرف تعمل بالميل الطبيعي تعتمد بشكل أساسي على الجاذبية. ومسار هذه المواسير يبدأ من توصيل محتوياتها لمنطقة “غمرة” ومنها تخرج محتويات المواسير عبر مضخات للعباسية لعمل مزرعة صرف صحي. قَدر “بروا” تكلفة هذا المشروع بحوالي نصف مليون جنيه. ولكن بعد أن طُلب منه عمل دراسة تفصيلية لهذا المشروع، وجد أن المشروع سيتكلف “مليون جنيه” فرفض اللورد كرومر هذا الاقتراح.

مرة أخرى فكرت الحكومة رفع الضريبة العقارية لتنفيذ المشروع. ولكنها قوبلت برفض الذين يتمتعون بالامتيازات الأجنبية من ناحية الضرائب، فتوقف المشروع مرة أخرى.

شارع مراسينا بالسيدة زينب بعد مطر كثيف عام ١٩١٠، من تقرير عن نظام المجاري وهو تحت الإنشاء
شارع مراسينا بالسيدة زينب بعد مطر كثيف عام ١٩١٠، من تقرير عن نظام المجاري وهو تحت الإنشاء
**

أما السبب الثاني فهو سياسي: من المهم معرفة أن أخر شيء فكر فيه الاستعمار، هو تقديم الرعاية الصحية للمصريين. لكن من ناحية أخرى أراد خدمة رعاياه والطبقة الغنية من المصريين، هذه الفئة تمثل سدس سكان القاهرة. فكان هناك مقترحات لتنفيذ مشروع المجاري ليشمل منطقة وسط البلد بسكانها القادرين على الدفع. وأن يتم تهميش الجزء الأقدم من القاهرة كمنطقة الدرب الأحمر ومنطقة الجمالية، الذين أعتبرهم المديرين الإنجليز متخلفين، ولن يكونوا بحاجة للمياه.

أما بالنسبة لنقطة فشل ونجاح المشروع، يمكننا القول إن المشروع نجح من حيث التنفيذ. ولكنه فشل في التخطيط لاستيعاب القاهرة بأكملها. لأنه في الأساس موجه لشريحة صغيرة في المجتمع. المهندسين كانوا منقسمين لفريقين، فريق لا يری مبررا لأن يكون المشروع شامل لكل أحياء وسكان القاهرة. طالما أن الفئة الأكبر من المصريين لن تقدر على دفع سعر المياه. وفريق ثاني يرى أن استخدام سكان القاهرة للمياه سوف يزداد في المستقبل، وهو تماما ما حدث. أما منطق الفريق الأول فهو ترجمة للفكر الاستعماري.

اقرأ أيضا| «إياك والزواج من كبيرة القدمين»: كيف رأت «مينيكه شيبر» النساء في الأساطير؟

 محطة الرفع القديمة، تصوير : أحمد الغنيمي
محطة الرفع القديمة، تصوير : أحمد الغنيمي
 هناك رابط خفي في مقالك بين عدادات المياه وبين قناة السويس، كأننا لن نفهم سياسة دخول العدادات لمصر دون ربطها بقناة السويس؟

بالفعل هناك ربط بين العدادات وبين قناة السويس وسأطرح هذه الفكرة بشكل واضح في كتابي الجديد. عدادات المياه، هي لُب الموضوع. حينما انتهى إنشاء نظام المجاري في مصر عام 1915 وانتهى توصيلها للبيوت على مدار سنين طويلة. كان هناك اشتراك شهري يُمكنك من استخدام المياه في البيت بشكل غير محدود. جاءت شركة مياه القاهرة وقالت إن هذا الاشتراك سيتم إلغاؤه، وكبديل سيكون هناك عدادات تحاسب المستخدم على كل قطرة مياه.

كيف لم تقع في فخ الغضب من الاستعمار، أو الغرق في تمجيد الإسهامات الأجنبية أثناء البحث؟

نشأ جيلي والجيل الذي يسبقني في جو أكاديمي يلفظ الاستعمار، وبشكل مبالغ فيه أحيانا. من ناحيتي، ليس لدي أي تعاطف مع الاستعمار لأنه نظام ذكوري وطبقي وعنصري. ولكنني أدرك أن الزعيق بــ”يسقط الاستعمار” لن يؤدي لفهم هذه الحقبة من زاوية بعيدة عن الصورة النمطية.

لذلك حاولت إيجاد توازن معين يجعلني قادر على نقد الاستعمار دون الوقوع في فخ النوستالجيا أو في فخ تكريس حياتنا للتنديد بالاستعمار ومساوئه.

ما الذي يطرحه كتابك الجديد القادم؟

الكتاب يتتبع حكاية شركة مياه القاهرة منذ إنشائها عام 1865 إلى تأميمها في عهد عبدالناصر عام 1957. ويحكي عن المهندسين الذين عملوا في مشاريع المياه والصرف الصحي. لنفهم لماذا كان مسار توصيل المياه للبيوت متعرج. وما آثار هذا المسار على المصريين وشركة المياه نفسها.

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى