حوار| الدكتور غريب سنبل: هذه حكايتي مع الآثار

يرى الدكتور غريب سنبل، أخصائي ترميم الآثار ورئيس الإدارة المركزية للصيانة والترميم، أن العدو الأول للآثار هي الطبيعة بما تحمله من عوامل جوية من رياح وأمطار وغيرها.

ويشير سنبل في حواره لـ”باب مصر” على هامش تكريمه من رئيس جامعة الفيوم، إلى أن الآثار تتأثر الآن بانخفاض درجات الحرارة وليس ارتفاعها، وتبذل وزارة السياحة والآثار جهود جبارة في الحفاظ على الآثار وحمايتها من أخطار التغير المناخي، وإلى نص الحوار.

ماذا عن رحلتك في مجال ترميم الآثار؟

اعتز كثيرا كوني أخصائي ترميم آثار، وكنت طوال رحلتي مهمومًا ومهتمًا بصيانة وحفظ تراث مصر الثري بالتنوع، عملت في حفظ التراث المصري الفرعوني والقبطي الإسلامي واليهودي، وبالرغم من قرب إحالتي للمعاش من وزارة السياحة والآثار، إلا أنني أخطط للقيام بالعديد من الأبحاث في مجال الترميم.

كيف كانت بدايتك في العمل بوزارة الآثار المصرية؟

بدأت العمل في وزارة الآثار في عام 1984، فور تخرجي من الجامعة، وكانت البداية في المتحف المصري بالتحرير، ثم انتقلت إلى إدارة الترميم بالزقازيق، وهي الإدارة التي كان على عاتقها مسؤولية الحفاظ على كل آثار الوجه البحري.

وانتقلت إلى العمل في سيناء، بعد استعادتها كاملة وذلك في عام 1993، وكان لي الشرف أني كنت أول أخصائي ترميم في منطقة آثار سيناء، ومكثت هناك حتى عام 2014، ثم انتقلت إلى الإدارة المركزية للصيانة والترميم وهي الإدارة العامة لترميم الآثار والمتاحف.

ماذا أضاف لك العمل في وزارة الآثار؟

تتلمذت في بداية عملي على يد الأثري الكبير سيد الشحات، فهو من عملني كيف أضع خطة عمل، وأن أبحث جيدا عن ماهية الأثر الذي سأعمل عليه، من خلال دراسة الزمان والمكان الذي ينتمي له.

ذكرت أنك مكثت ما يقرب من 21 عام في سيناء.. حدثنا عن ذلك؟

كانت البداية في سيناء، من خلال التوغل في معبد سرابيط الخادم في سيناء، وهو المعبد المخصص لعبادة ربة الفيروز الآلهة حتحور، وهو أيضًا المعبد الوحيد الفرعوني الذي يمثل الدولة الوسطي.

ويوجد المعبد غرب مدينة أبو زنيبة، حيث يبعد عنها 45 كيلو مترا، وهو من المعابد التي يصعب الوصول إليها، حيث يقع في وادي محاط بالجبال من كافة الجهات، وهو ما يثبت عبقرية المصري القديم وأنه كان جيولوجي بارع، استطاع أن يتوصل إلي هذا المكان شديد الوعورة.

ويستخرج منه الفيروز أحد أنواع الأحجار الكريمة، وكان كل ملك من ملوك الدولة الوسطى وحتى بملوك الدولة الحديثة يرسل بعثاته لتعدين الفيروز من هذا المكان.

وكانت كل بعثه يرسلها ملك تقيم نصبًا تذكاريا وتسجل عليه يوميات تلك البعثة وعدد أفرادها، والأدوات المستخدمة، وكمية الفيروز المستخلصة.

وماذا عن محاولة إشاعة اليهود بأن هذا المعبد هو هيكل سليمان؟

بالفعل كان هناك جدلا حول معبد سرابيط الخادم، حيث أشاع بعض اليهود أنه هيكل سليمان، لأنه كان يختلف في عمارته عن عمارة المصري القديم المتعارف عليها، وقدس أقداس المعابد المصرية تكون متعامدة على مدخل المعبد.

أما في معبد سرابيط الخادم، فإن قدس الأقداس منحرف بعض الشيء عن مدخله، وهو ما آثار العديد من التساؤلات لدي، وكان محور رسالة الماجستير الخاصة بي التي فسرت فيها كافة الظواهر المرتبطة بهذا المعبد.

واستطعت من خلال بحثي أن أتوصل إلى أنه معبد فرعوني، وفسرت الاختلاف في وضعية قدس الأقداس بالمعبد والمنحوت في الصخر، بأن كتلة الصخر المتعامدة على المدخل بها بعض العيوب الجيولوجية، وتوجد على طرف الجبل، وبالتالي لا تتوفر فيها عوامل الأمان.

لذا اضطر المصري القديم أن يبعد بعض الشيء عن تلك المنطقة غير الآمنة وهو ما جعله ينحرف قليلا عن المدخل حيث أقام قدس الأقداس.

ما صحة أنك برأت اليهود من إزالة جزء مهم من قدس الأقداس بمعبد سرابيط الخادم بسيناء أثناء الاحتلال؟

بالفعل هذا ما حدث، لأني مقتنع بأن الأمانة العلمية يجب أن تكون بمنأى عن أي مشاعر أو علاقات وخلافات سياسية بين الدول، وما حدث أن بعض الأثريين المصريين تناقلوا أن الإسرائيليين أثناء احتلالهم لسيناء قطعوا جزءا من أجزاء قدس الأقداس، وهو ما جعلني أبحث حول هذا الموضوع.

ومن خلال أبحاثي استطعت أن أتوصل بالأرقام والحقائق إلى نفي هذا الكلام، حيث إن السبب كان في وجود نسبة كبيرة من الطفلة في التكوين الجيولوجي للحجر الرملي وهي السبب في سقوط جزء من نقوش قدس الأقداس، وليس الإسرائيليين.

 ماذا عن قلاع طريق حورس الحربي القديم التي عملت بها؟

بالفعل هذا شيء هام في رحلتي وهو العمل في إحدى عشر قلعة موجودة في طريق حورس الحربي القديم، الذي كان يبدأ من مدينة القنطرة شرق، وينتهي في منطقة رفح المصرية، وتم التحقق من وجود 11 قلعة من خلال البعثات المصرية والأجنبية، وذلك من خلال مشروع أطلقنا عليه مشروع “الإنقاذ”.

اختلفت مع وزارة الري عندما كنت تعمل في سيناء ما السبب؟

لم أكن وحدي الذي وقف في هذا الموقف، فقد كنت واحدًا ضمن مجموعة عارضت قيام وزارة الري حينما كانت تقوم بحفر قناة مشروع ترعة السلام، وكان مخطط القناة يمر على منطقة تحتوي على أثار في باطن الأرض، وهو ما كان سيعرض تلك الآثار للخطر، فعارضنا خط القناة، حتى استطعنا تحويل مساره بعيدا عن أماكن الآثار، وقد تفاعل معنا وقتها بعض رجال الدولة.

ماذا عن عملك بمدينة “بلوزيوم” وإعادة ترميم وإنقاذ المسرح الروماني بها؟

تبعد مدينة بلوزيوم عن مدينة القنطرة حوالي 25 كم، وتبعد عن شاطئ البحر الأبيض المتوسط حوالي 3 كيلو مترات، وهي أحد النقاط التي مرت بها العائلة المقدسة في رحلتها من فلسطين إلى مصر.

وتعد كنيسة “تل المخزن” بالمنطقة هي أقدم كنيسة بازيليكا رومانية موجودة في مصر، وتحتوى المدينة على كم هائل من الآثار مثل قلعة الطينة وهي قلعة من العصر الإسلامي، الحمام الشمالي، الحمام الجنوبي، ومسرح بلوزيوم، وحلبة مصارعة الثيران الرومانية.

ودخلت المدينة ضمن مشروع للترميم والحفاظ على الآثار بها منذ عام 1995 واستمر حتى عام 2017، وشمل المشروع أعمالاً للحفر والتنقيب والترميم، وخاصة ترميم مسرح بلوزيوم الذي يعد واحدًا من أهم الآثار التي أصابها الضرر من جرافات العدو الإسرائيلي، حينما كان يمهد طريق للدبابات الخاصة به وقت الاحتلال.

ويمتاز مسرح بلوزيوم كونه المسرح الوحيد في مصر الذي كانت تعرض فيه العروض المسرحية، عكس المسرح الروماني بالإسكندرية الذي كان عبارة عن قاعة استماع فقط ولا يحتوي على خشبة مسرح، وتم بناء وترميم سبعة مدرجات للمسرح وحتى الآن العمل مستمر لإعادة المسرح كما كان.

كنت مسؤولا عن حماية الآثار داخل مصر.. هل لك تجارب في حماية الآثار بالخارج؟

كانت لي تجربة هامة في عام 2010 بالولايات المتحدة الأمريكية، وتحديدا في منزل السفير المصري بواشنطن، ويعود هذا المنزل إلى الملك فؤاد الذي أهداه إلى مصر، ثم تحول إلى سكن للسفير المصري، وكان الهدف تحويل المكان لمتحف ونافست على تلك المهمة جامعة شيكاغو، لكننا فزنا بتطوير هذا القصر وشرفت بأن أكون رئيس بعثة العمل.

هل أنت مع نقل الآثار من أماكنها الأصلية أم ضد ذلك؟

في البداية يجب أن نعرف أن هناك آثار قد تتعرض للخطر إذا ما ظلت في بيئتها الأصلية ولحمايتها يجب نقلها، وهو ما اتفق معه بل.

كما أن المجتمعات الجديدة والتكنولوجيا قد تكون سببا في ضرر كبير للآثار، على سبيل المثال نقل مقبرة توتو – التي تم اكتشافها – إلى العاصمة الجديدة داخل متحف مخصص آمن لحمايتها والاستفادة منها أيضًا.

وما حدث لتماثيل الكباش التي كانت مهملة وليست من طريق الكباش الأصلي بالأقصر، وهو ما يتم ترميمها وصيانتها وحمايتها ووضعها في الميدان فهو هدف سامي، كما أنقذنا منبر مسجد أبو بكر مزهر من الإتلاف داخل المياه الجوفية، وأنا ضد النقل إذا لم يكن هناك ضرورة لذلك.

 

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى