حكاوي

حمدي أبوقريع: الزعامة من بوابة الحياء

فقد الصعيد رمزا من رموزه الشعبية، قاضي الدم، ورجل المصالحات الثأرية، الرجل الذي دخل عالم الزعامة القبلية من بوابة الحياء، ورفض التورط في العنف حتى لو كان الثمن خسارة مقعده في مجلس الشعب.

يتجلى تفرد حمدي أبوقريع في هدوئه وسط الصخب، ولينه وقت البأس، وقدرته على المزاحمة والتقدم دون أن يجرح الآخرين، كل ذلك في ظل وضع يهيمن عليه منطق القوة، التي تعد البوابة الرسمية للصعيدي كي يتقدم في سلم الزعامة، ويصبح رمزا من رموز المكان، ربما بسبب الطبيعة التاريخية للصعيد كمصنع للمحاربين كما يقول جمال حمدان، أو كملاذ للهاربين من السلطة، أو محطة للمستعدين للعودة إليها كما حدث في حالات كثيرة أيام المماليك.

أغلب الرموز الصعيدية ربحت صيتها اتكاء على شجاعتها وشراستها وبأس الرجال الملتفين حولها، وحققت بفضل ذلك صعودا اجتماعيا وسياسيا كبيرا، لكن، بجانب هذه البوابة كانت هناك بوابات أخرى دخل منها بشكل محدود بعض رجال الدين والصلاح، ومنها هذا الباب الذي دخل منه الحاج حمدي أبوقريع وهو باب الحياء.

حمدي أبوقريع
حمدي أبوقريع

لم يكن من رجال الحرب، وإن كان ذكيا حكيما، ولا من رجال الدين وإن كان نقيا متدينا، ومع ذلك نجح في صنع أسطورته كواحد من أشهر زعماء قبائل العرب، وقد أقتنص مقعدا في مجلس الشعب في ظل انتخابات قبلية شرسة، لكنه فشل في الحفاظ على القمة السياسية، وسقط سريعا.

لقد احتدم الصراع القبلي في الانتخابات التالية، وشهد أحداث عنف اشتملت على القتل والخطف، وبوصفه زعيما لقبائل العرب، تطوع الرجال من أجل شرف القبيلة، للقيام بأي دور مهما كان عنيفا، لكنه رفض بكل قوة، وانشغل عن الانتخابات بترويض اندفاعات مناصريه، وكسر إيقاع العنف بكل الطرق الممكنة، حتى خرج من السباق بيد نظيفة ورأس مرفوع.

في رحاب التسامح

بعد غيابه عن الأفق السياسي بشكل مباشر، تفرغ الحاج حمدي لقضية العنف، وحمل على عاتقه هم المصالحات الثأرية في المنطقة التي يتمتع فيها بالاحترام والهيبة، والتي تمتد بطول مائة كيلو متر تقريبا، بداية من فرشوط شمالا، إلى قوص ونقادة جنوبا، بالإضافة إلى محافظة سوهاج التي حظي فيها بشعبية كبيرة، منذ أن كان يعمل فيها وكيلا لوزارة التنظيم والإدارة، وقد نجحت مساهماته الواعية، وجهوده الصادقة، وبطولته الهادئة في وقف الكثير من البؤر الدامية، والخصومات المعقدة، كما هو الحال في خصومة السحالوة والمخالفة في فرشوط، وخصومات قرية الحجيرات، وحاجر جبل دنفيق بنقادة، وحجازة قوص.

شعبية المجاذيب

حمدي أبوقريع كان مسكونا بالتصوف الشعبي، وكان يشرف على إدارة واحد من أشهر الموالد السنوية في الصعيد، وهو مولد الشيخ حسن أبوعامر، والذي كان يحتاج إلى تجهيزات كبيرة جدا، غير أن طابعه الصوفي كان أعمق من كل المظاهر، وكان يتجلى  في كل تصرفاته ببساطة وتلقائية وهدوء حتى لو كان التصرف هو التبرع بقطعة أرض مرتفعة القيمة لعمل خيري، وقد تبرع كثيرا بأرضه، لإنشاء مسجد، وبناء مدرسة، ووحدة صحية، وجمعية زراعية، ووحدة اجتماعية، ومرشح مياه، وسوق للقرية.

يعتز الحاج حمدي بقريته الترامسة، والتي كان ينطقها أحيانا بالتلامسة، نسبة إلى تلمسان، محاولا وصل جذورها ببلاد المغرب، وهو وصل مرغوب فيه بشكل عجيب وغامض، بالنسبة لعدد كبير من سكان المنطقة، خاصة في دندرة البلدة الأم لقرية الترامسة، حيث كانت تابعا من توابعها، وفصلت عن دندرة سنة 1245هـ، كما يذهب صاحب القاموس الجغرافي.

ولد حمدي محمد حسن أبوقريع في 13/6/1950، ورحل في 12/6/2021، وهذا التطابق بين لحظة الميلاد ولحظة الوفاة، من العلامات التي يحلوا للبعض الشرود في رمزيتها ومغزاها بعيدا عن مبدأ الصدفة.

كان حمدي أبوقريع ثريا، وفقيرا بالمعنى الصوفي للكلمة، كان مجذوبا نحو المجاذيب، وكان ديوانه مفتوحا لهم في كل وقت، وكان يحب الأكل معهم بنفس مفتوحة، ويقبل بهمِّة على تجفيف لعابهم، وتنظيفهم، والحفاوة بهم، وكان مشهده فريدا عندما يرافق المحافظ في صلاة الجمعة في سيدي عبدالرحيم، وغيره من مساجد الأولياء، فتجده ينعزل عن السياق فجأة، ويقف خجولا صامتا، بينما يتزاحم حوله مجاذيب المكان، جاعلين من حضوره عيدا لهم، وفارضين هيبته الناعمة على قلوب الجميع.

اقرأ أيضا

كورونا وثقافة العار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى