حمام سخن من أجل كيرة والجن: سينما للعرض العام وأخرى للعوام!

لا أعلم هل يتم هذا عن قصد وتخطيط، أم أنه تدبير عشوائي لا يدرك من ينفذه نتائجه وعواقبه.

هل أصبح الفضاء السينمائي العام (من أفلام تنتج وتوزع بشكل رسمي بتصاريح من الرقابة لتعرض في دور العرض السينمائي العامة) حكرا على بضعة أفلام تجارية معقمة خالية من الدسم الفكري. وإن تكن مليئة بشحم الصخب الحركي والصوتي، بحيث يتم إزاحة كل شيئ آخر تدريجيا نحو فضاء المنصات الرقمية الأجنبية والعربية؟

في الوقت الذي أخليت فيه معظم قاعات العرض في مصر لثلاثة أفلام هي “كيرة والجن” (النموذج المثالي للأفلام المرغوب في صنعها الآن) وفيلم “أحبك” للمغني الممثل المؤلف المخرج المنتج  تامر حسني. وفيلم “عمهم” لمحمد إمام، الذي يحاول أن يكون وريثا لعادل إمام ومحمد رمضان في الوقت نفسه.. بدأت على الناحية الثانية منصة “نتفليكس” في عرض أربعة أفلام مصرية جديدة لم تجد فرصتها في التوزيع والعرض “الرسمي”.

**

ثلاثة من هذه الأفلام الخمسة، وهم “احكيلي” للمخرجة ماريان خوري. و”من وإلى مير” للمخرجة ماجي مرجان. “من القاهرة” للمخرجة هالة جلال، تنتمي للنوع الوثائقي، الذي يجد عادة صعوبة في العرض العام لأسباب تجارية.

ورغم أن الأفلام الوثائقية شهدت طفرة هائلة خلال العقدين الماضيين وأصبح لها أسواق توزيع وقاعات عرض تجارية في معظم مدن العالم، إلا أنها في مصر لا تجد لها منفسا سوى في قاعتين صغيرتين هما “زاوية” بفضل جهد ودأب المنتجة والموزعة ماريان خوري، وهو جهد ودأب لم يفكر موزع آخر أن يشارك فيه أو يقلده.

اثنان من الأفلام الخمسة ينتميان لما يمكن أن نصفه بالأفلام “المغضوب عليها”، رغم أن هذا الغضب يصعب فهم سببه أو مصدره.

من القاهرة للمخرجة هالة جلال
من القاهرة للمخرجة هالة جلال

الفيلم الأول هو “ريش”، الذي تعرض لطعنة خنجر في شكل بلاغ أمني ضد الفيلم عقب عرضه في مهرجان “الجونة”، طيب الله ثراه وذكراه، أعقبها حملة عشواء ضد الفيلم ومخرجه الشاب. ما دفع وزارة الثقافة التي كرمت صناع الفيلم عقب عودتهم من مهرجان “كان” مكللين بفوزين غير مسبوقين للسينما المصرية، والرقابة على المصنفات، التي منحت التراخيص لصنع وعرض الفيلم، بسحب دعمهما له والتخلي عنه، بل ورفض عرضه تجاريا والتصرف كما لو أنه شيئا لم يكن.

الفيلم الثاني هو “حمام سخن” للمخرجة والمؤلفة منال خالد، وهو فيلم بديع فنيا وإنسانيا تدور وقائعه خلال الأيام الأولى من ثورة 25 يناير، طيب الله ثراها وذكراها. جاب عددا من المهرجانات الدولية خلال العام الأخير، كلل خلالها بالحب وعدد من الجوائز. ولكن لم يسمح له بالتوزيع العام في مصر، فحط به الرحال على منصة “نتفليكس” مع بقية أخوته.

المتتبع لما يكتب على مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن يدرك أن الأفلام الخمسة السابقة حظيت بمشاهدات كبيرة. ربما تفوق مشاهدات الأفلام “الرسمية” الموجودة بدور العرض. خاصة أنها جميعا تم قرصنتها وأصبحت متاحة مجانا. وقد حظي معظمها بمراجعات نقدية شخصية وآراء إيجابية وحماسية.

وهو ما يضعنا أمام قلب الأزمة: هل أصبح هناك عالمين منفصلين للثقافة في مصر: عالم للثقافة الرسمية المدجنة المدعمة المرضي عنها، وعالم آخر لهامش غير معترف بوجوده يزداد اتساعا يوما بعد آخر؟

**

وإذا كان هذا صحيحا، وهو على الأرجح صحيح، فهل هذا أمر طيب، وهل يصب في المصلحة العامة، أم أنه يزيد الشقاق والتشققات وقد يؤدي على المدى البعيد إلى أزمات أكثر خطورة؟

إذا تخيلنا أن ثقافة شعب ما (بالمعنى الأشمل للثقافة الذي يعني مجموع المعارف والمعتقدات والآراء السائدة بين جماعة بشرية ما) هي أشبه بنهر يتكون من تيار رئيسي سائد، وعدد من التيارات الهامشية الفرعية المرتبطة بالتيار الرئيسي، لكنها ليست منزوعة عنه، بل تتبادل معه تغذية كل منهما للآخر. فهل يدرك المسؤولون عن الثقافة في هذا البلد أن الهوامش غير المعترف والمسموح بها يمكن أن تتخذ مسارا انفصاليا إذا تم سد وقطع اتصالها بالتيار الرئيسي، وربما تصبح مصدر خطورة ومنافسا للتيار الرئيسي، خاصة إذا كان مجرى هذا التيار الرئيسي من الضيق والضحالة بحيث لا يستوعب هذه الهوامش الفائضة ولا يستطيع الاستفادة منها.

ربما يحتاج الأمر إلى نظرة محايدة عاقلة تشاهد أفلام عيد الأضحى والأفلام الخمسة المعروضة على نتفليكس، لترى عمق التناقضات والشروخ الكامنة في الثقافة الحالية.

ولعل القارئ لاحظ، مبدئيا، أن الأفلام “الرسمية” الثلاثة من بطولة ذكور يمثلون فحولة الرجولة والثقافة الرسمية السائدة: كريم عبدالعزيز وأحمد عز، بطلا الأفلام والمسلسلات “الوطنية” الأشهر والأنجح خلال السنوات الماضية، تامر حسني، بتجسيده المعتاد للرجل الرومانسي الظريف الحمش، ومحمد إمام بتجسيده المعتاد للرجل الحمش القوي الظريف.

**

على الناحية الثانية فإن أربعة من الأفلام الخمسة المعروضة على نتفليكس من صنع نساء، باستثناء “ريش” الذي يدور حول زوج تحول إلى “فرخة” وصعود زوجته المغلوبة على أمرها الصامتة وصولا لأن تحل محله في النهاية.

أربعة من الأفلام الخمسة تتناول عالم النساء ومعاناتهن في مجتمع ضاغط قاهر، والخامس يتناول الحياة في قرية قبطية صغيرة في أقصى الصعيد.

الأفلام الخمسة تعرض جوانب وأفكار وحساسيات لا ترغب الثقافة الرسمية في الاعتراف بها، بالرغم من وجودها القوي والمساحة الهائلة التي تشغلها على أرض الواقع.

فهل يمكن أن نتصالح مع هذه التناقضات ونقبلها، في إطار ثقافة أكثر رحابة وتسامحا وتواصلا مع الآخر؟

أم ينعزل كل منا في جزيرته انتظارا للطوفان؟!

اقرأ أيضا

بيتر بروك: ملك المسرح الذي عشق السينما!

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى