حكاية رباعيات صلاح جاهين التي أغضبت «مباحث الصحافة»

 في 31 أغسطس 1961 كان جمال عبد الناصر متجها إلى يوغسلافيا لحضور مؤتمر عدم الانحياز. وفي نفس اليوم صدر العدد رقم 295 من مجلة صباح الخير. كان العدد مثل باقي أعداد المجلة، ملئ بالنشاط والحيوية والفكاهة.

يرسم صلاح جاهين “قهوة النشاط”، ويواصل تحرير نافذته الأثيرة وقتها “صباح الخير يا….. ” حيث يرسم بروحه المرحة بعض رجال المال وبعض رجال العلم وبعض رجال الدين وبعض رجال السياسة وبعض رجال الأمن.

يكتب في العدد نفسه نجاح عمر تحقيقا صحفيا عن “الإهمال” يناقش فيه كافة قضايا الإهمال في المصالح الحكومية ومؤسسات الدولة.  ويواصل فتحي غانم نشر روايته المسلسلة “الرجل الذي فقد ظله” ويكتب لويس جريس عن الكتّاب الذين يكتبون للتليفزيون ويواصل حجازي رسم فتياته في كافة أنحاء المجلة ويكتب عبد الله الطوخي قصة بعنوان “الدوامة” مزينة برسومات حجازي.

وفي باب ” هذا الرجل” يكتب محمود السعدني عن المعركة بين بين الموسيقار محمد عبد الوهاب ومأمون الشناوي. ويكتب صبري موسى مقالا “الأستاذ في سوق البقر” وكان المقصود بالأستاذ هو القاص الشاب “محمد سالم” وسوق البقر هي المنطقة التي كان يسكن فيها وقتها سالم. وفي هذا المقال يتحدث صبري موسى عن مأساة سالم مع النشر حيث تصور أن وزارة الثقافة ستنشر مجموعته القصصية وبأنه سيودع أخيرا سوق البقر ليسكن في مكان أفضل وإذ بالعراقيل الأليمة تلتف حوله من كل اتجاه. فبعد أن وافق يحيى حقي على كتابة مقدمة المجموعة رفضها وكيل وزارة الثقافة بحجة أنها مكتوبة بلغة عامية غير صالحة للنشر ويعاود سالم المحاولة مرة ومرات، ولكنه يفشل أيضا مرات ومرات. ويستمر ذلك أكثر من عام كامل دون جدوى ويسخر منه الموظف بالوزارة بأن عاما وعامين على انتظار النشر ليس بالمدة الطويلة وعليه أن يصبر.

**

وفي صفحة 36 من هذا العدد ينشر صلاح جاهين رباعيته الأسبوعية والتي اعتاد القارئ على متابعتها منذ أواخر عام 1959 وكان نص الرباعية:

يا طير يا عال في السما طـظ فيك

 ما تفتكرشي ربنا مصطـفيك.

برضـك بتاكل دود وللطين تعود.

تمص فيه يا حلو ويمص فيك.

عجبي

لم يتخيل أحد أن هذه الرباعية ستفهم على حسب ما ذكر صلاح جاهين فيما بعد على أنها تعريض بالقيادة السياسية. يحكى جاهين بعد عشرين عاما تحديدا عام 1981

في حوار أجراه “جمال عنايت” مع جاهيم لينشر في العدد التذكاري السنوي بمناسبة عيد ميلاد صباح الخير. وفي الحوار سأله جمال عنايت عن أهم المعارك والأزمات الصحفية التي خاضها أثناء عمله بصباح الخير. فأجاب جاهين: “لا أذكر أنه حدثت معارك بمعنى أخذ ورد ولكن هناك بعض الأزمات، أذكر أنني كتبت رباعية تقول” يا طير يا عال في السما طز فيك…. “ولم يكد يخرج العدد إلى السوق حتى وجدت شخصين من مباحث الصحافة وغريبة جدا وجود شيء اسمه “مباحث الصحافة “.

يضيف جاهين: “وقالوا إن هذه الرباعية بها تعريض بالقيادة السياسية وخصوصا أن القادة في هذا الوقت كانوا في رحلة إلى يوغوسلافيا، وفي الوقت الذي كتبت فيه هذه الرباعية كانت الطائرة في السماء.  بمجرد سماعي هذا الحديث ذهبت إلى المنزل ورابطت فيه وكان حجازي الرسام يرسم هو الآخر بنتا سمينة بعض الشيء فامتنع عن العمل هو الآخر حتى ينجلي الموقف. وعندما عادت القيادات وسمعت بحكاية مباحث الصحافة هذه طلبوا الأستاذ إحسان عبد القدوس تليفونيا وسألوه أن تعود الرباعيات وأن يعود حجازي ليرسم البنت إياها وما أن حدث هذا حتى عاد إلينا هذان الشخصان من مباحث الصحافة وهما يقولان: إحنا عملنا حاجة؟ إحنا أصحاب عيال ليه تشتكوننا؟”. إلى هنا انتهى حديث صلاح جاهين عن الأزمة الصحفية التي حكى عنها في حواره. ومن سياق كلام جاهين أن الرباعيات قد منعت بعد تلك الرباعية وعادت بعد ذلك بأوامر إلى إحسان عبد القدوس وكذلك رسومات حجازي.

**

ربما خانت الذاكرة جاهين، إذ لم تمنع الرباعيات، حتى تحتاج أمرا بعودتها الثانية وكذلك رسومات حجازي الصاخبة المليئة بالحيوية. وفي العدد التالي لكتابة رباعية “يا طير يا عال في السما”  ينشر  جاهين يتابع رباعياته وكذلك رسوماته فيكتب:

ولدى إليك بدل البالون ميت بالون

انفخ وطرقع فيه على كل لون

عساك تشوف بعينك مصيرالرجال

المنفوخين في السترة والبنطلون

ويتابع حجازي في نفس العدد رسومات بناته دون أي مشاكل، وفي العدد الذي يليه يستمر أيضا صلاح جاهين في نشر رباعياته ولكنه في هذا العدد ربما يلمح بأنه لم يكن يقصد شيء من الرباعية صاحبة الأزمة فيبدأ رباعيته قائلا: ”

أنا قلت كلمة وكان لها معنييــن

كما بطن واحدة وتوأمين.. زين وشين

لو دنيا شر.. التوأم الخير يمــوت

لو دنيا خير.. الشر حيعيش مــنين

يرسل صلاح جاهين بهذه الرباعية على الأرجح برسالة بأنه لم يكن يقصد شيء من تلك الرباعية التي فهمت خطأ من قِبل ما سمى بمباحث الصحافة وقتها. وربما خانته الذاكرة في الحوار بعد عشرين سنة وظن أنهم منعوه لفترة وعاد بقرار أو بأمر موجه إلى إحسان عبد القدوس، والغريب أن صلاح جاهين قد كتب رباعية صريحة وواضحة وضوح الشمس في أكتوبر 1960 عن مقتل شهدي عطية الشافعي والذي كان قد قتل قبل هذا التاريخ بأربعة أشهر فقط وقال في مطلع الرباعية:

قتلوه من التعذيب وقالوا انتحر

فكرت لحظة وقلت: آه يا غجر!..

لو جنسكم سبناه يعيش في الحياة..

اللي انتحر راح يبقى جنس البشر!

ولكن صلاح جاهين لم يمنع أبدا من الكتابة والرسم في صباح الخير التي قال عنها بعد سنوات من تركها “كنا بنروح صباح الخير هربانين من أمنا علشان نلعب فيها، ودلوقتي كل واحد عنده حتة تانية يلعب فيها، في المسرح، في الإذاعة في السينما وصباح الخير أصبحت هي أمنا اللي بنهرب منها”.

اقرأ أيضا:

صلاح جاهين في معارك منسية

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر