حكاوي

حكايات «مطاريد تورز».. أيام نبيل فاروق في قنا

غيب الموت أمس نبيل فاروق أشهر كتاب الأدب البوليسي والخيال العلمى إثر إصابته بأزمة قلبية، ولد فاروق في مدينة طنطا 1956، درس الطب وتخرج عام 1980، ولكنه تفرغ لكتابة الروايات البوليسية من بينها «رجل المستحيل»، و«ملف المستقبل»، و«مسرح الجريمة» وغيرها من سلاسل حققت شهرة كبيرة في أوساط الشباب والمراهقين.. «باب مصر» يقرأ مذكراته عن أيامه في صعيد مصر.

في صيف شهر مارس عام 1982، انتقل الدكتور نبيل فاروق (1956-2020) إلى محافظة قنا وتحديدًا إلى قرية أبودياب التابعة لمركز دشنا شمال المحافظة، بعد تخرجه في كلية الطب بطنطا بدرجة بكالوريوس في الطب والجراحة عام 1980، ليعمل طبيبا للوحدة الصحية، وقد كتب في مذاكراته التي حملت عنوان “مذكرات طبيب في الصعيد الجواني” التفاصيل الثرية لهذه الفترة.

نبيل فاروق

انطلق القطار في الثامنة من مساء الثاني من شهر مارس، ووصل إلى قنا في العاشرة من صباح اليوم الثالث، يصف الدكتور نبيل قنا عند وصوله المحطة، ويقول: “قنا… مدينة صغيرة بسيطة، بدت لي مزدانة متألقة، على نحو غير مألوف، فأتصور أنهم قد علموا بقدومي، واستعدوا لاستقبالي، حملت حقيبتي الثقيلة، ورحت أبحث عن مديرية الشؤون الصحية القناوية.. والناس في (قنا) غاية في الشهامة والسخاء والكرم، لذا فلم أكد ألقى أول سؤال، عن مكان المديرية، حتى كان هناك من يحمل حقيبتي، ومن يقدم لي كوبا من الماء البارد”.

قدوم الدكتور نبيل إلى محافظة قنا لم يكن صدفة، ولكنه اقتراح من أحد أصدقائه وكانت حجتهم ـ حينذاك ـ هو أن الوزارة تمنح الحق في العمل الخاص في فترة التكليف بعد مواعيد العمل الرسمية، كما أنه من حقهم الحصول على مقابل للزيارات المنزلية، وفي المناطق النائية، مثل محافظة (قنا)، يكون دخل هذا العمل كبيرا، بالإضافة إلى حصولنا على علاوة إضافية.

مركز تدريب قفط

“نطقها الأستاذ شوقي، مدير شؤون الأفراد في مديرية الشؤون الصحية، في صرامة لم يكن لها ما يبررها، وهو يناولني أوراق تسلم العمل، فترددت لحظة قبل أن اسأله: وأين (قفط) هذه؟”.

قضى الدكتور نبيل فاروق في مدينة فقط فترة التدريب برفقة 30 طبيبا ما بين أيام التدريب، وذكرياته في معسكره، ومشاهد قطار القصب، التي وصفها: “قطار القصب هذا قطار قديم، يبدو أشبه بذلك النوع، الذي كان يظهر في أٌفلام رعاة الأبقار الأمريكية، فقط ليطارده الهنود الحمر.. وفي (قفط)، كان ذلك القطار القديم هو الوسيلة الوحيدة لنقل قصب السكر، من الحقول إلى المصنع.. وكنا نحن الهنود الحمر.. فما إن يلوح قطار القصب في الأفق أمام عيوننا وبطوننا الجائعة، حتى ننفض عن أنفسنا الكسل، ويدب فينا نشاط إلهي، ونطلق لنعدو خلف القطار، للحصول على بعض القصب”.

في ورقة الترشيح “أبودياب”

بعد قضاء أيام التدريبات وخوض امتحانات التدريب، انتظر الدكتور نبيل أن يلعب القدر معه ولكنه عندما سحب الورقة الخاصة به، وجدت بها اسم قرية، لم يسمع بها من قبل قط “أبودياب شرق”.

ويذكر عنها: “سألت الجميع عن موقع القرية، التي سأذهب إليها، تطلع الجميع إلي بإشفاق واضح، ثم ربت أحدهم على كتفي ـ وهو يبلغني أنها تبعد سبعة وأربعين كيلو مترا عن مدينة (قنا)، وأنها تتبع مركز دشنا”.

انتقل الطبيب إلى الوحدة الصحية، وكان في استقباله “حجاج” كاتب الوحدة والدكتور “محمد”، طبيب الوحدة الإسكندراني، رجلاً قصير القامة، أشيب الشعر، ممتلئ الجسم، يميل رأسه إلى اليسار، حتى ليكاد يستند إلى كتفه، وهو يرمقني بعنين محمرتين نفاذتين، الذي استقر به المقام لأكثر من عام .

في قرية أبودياب شرق، بدأت حياة جديدة للدكتور نبيل، لم يتعرف عليها من قبل، فمنذ يومه الأول في (أبو دياب شرق)، وكعادة أي شخص في كل مكان جديد، راح يستكشف كل ما حوله بمنتهى الاهتمام، ويقول: “وأول ما لاحظته هو أن القرية تنقسم إلى فريقين كبيرين.. العرب.. والهوارة.. كل فريق منهما له عالم خاص به، يصعب اختراقه، وكشف أعماقه ومكنوناته”.

ويتابع فاروق في مذكراته: مهما اختلف العرب والهوارة في تاريخهم وعاداتهم وتقاليدهم، فهم يتفقون جميعا في عادة واحدة، وميزة لا يدانيهم فيها أحد.. الكرم.. كرم حاتمي مدهش، يبهرك في البداية، ثم يخلب لبك كله فيما بعد”.

“بسبب هذا الكرم، لم أكد أضع قدمي في القرية، حتى وجدت أمامي أكثر من عشر دعوات لتناول الغداء والعشاء، عند أكابر الهوارة والعرب على السواء، بدءا من العمدة، وحتى (فتحي أمين)، الذي صار أفضل أصدقائي فيما بعد”.

الوحدة الصحية التي عمل بها الدكتور “نبيل” تمت إزالتها وتغيرت ملامحها إلى الأبد، وبنيت واحدة بدلا منها في الألفية الجديدة من القرن الواحد والعشرين، كانت بخلاف كل الوحدات الأخرى مفتوحة على العالم الخارجي، فقد كانت وحدة بلا سور يحيط بها، ولأنها كذلك، طول الوقت بصحبة كل أنواع الحيوانات المعروفة -وأحيانا غير المعروفة.

محمود” صديقي اللص

يشير فاروق، إلى أن الحياة في “أبو دياب شرق” تختلف حتما عن كل أنواع الحياة التي تعرفونها في وجه بحري، بل وحتى عن طبيعة الحياة في مدينة (قنا) نفسها.. فعندما تحيا في حضن الجبل، تصبح هناك أبجديات وقواعد جديدة، ونظم لا تنتمي لعالم النظم.

يقول الطبيب عنها: “في الثالثة صباحاً، من ليلة حارة كاللهيب التقيت بمحمود هذا صعيدي، ولكنه في حجم اثنين من الصعايدة، ثم دمجهما معًا، وإعادة تشكيلهما مرة أخرى، فهو أطول مني بنصف متر على الأقل (وأنا لست قزمًا بالطبع)، وعرضه أقرب إلى عرض باب الوحدة، وملامحه أقل وسامة من ملامح مسخ (فرانكنشتاين) بدرجة واحدة فحسب، وثم إنه يحمل على كتفه مدفعاً آليا، يبدو من ضخامته أشبه بالمدافع المضادة للطائرات”.

بعد نصف الساعة تقريبًا والجري وسط الصخور والجبال، وجد الدكتور نبيل نفسه أمام مجموعة من الأشخاص، كلهم بنفس وسامته، يلتفون حول آخر، مصاب برصاصة في فخذه، وأشار إليه محمود بسبابته، التي هي في حجم يدي كلها تقريبًا، إلى المصاب، وهو يقول بصوته الرقيق: “هيا ابدأ عملك” .

“الأمر قد استغرق مني ساعة واحدة تقريبًا، وضعت بعده الرصاصة في يد (محمود)، وفي السادسة صباحًا تقريبًا، عدت إلى الوحدة، ودون أن ينطق (محمود) بكلمة واحدة، وضع في يدي رزمة أوراق مالية، ولفافة كبيرة”.

ضحك الدكتور نبيل، وهو يقول: “خلال الأشهر التالية، كان من المعتاد، كلما سمعنا عن حملة من حملات الشرطة، أن يأتي صديقي (محمود) بالبغل والبغلة بعد منتصف الليل، ليحملني مع حقيبة الأدوات الطبية في رحلة طبية سياحية على حساب (مطاريد تورز)، فالمهم أنني قد خرجت من هذه الأزمة بسلام، وأصبحت صديقًا مقربًا للأخ (محمود)، الذي أسبغ علىّ حمايته ورعايته، طوال فترة عملي في الصعيد بعدها، ولقد عرف الكل هذا بالطبع، وأدركوا أنني أصبحت أختلف عن كل طبيب عمل في هذه الوحدة من قبل”.

كولة أبوليلة والأطباق الفضائية

جمع الدكتور نبيل فاروق خلال فترة بقاءه في أبودياب شرق وغرب صداقات تخطت حدود القرية، عبدالعليم أبوزيد، وكمال محروس، وأبوالحسن، وعفيفي، وأحمد محمود حسين، وغيرهم ..

وكتب عنهم: “لأن عبدالعليم خريج علوم ومتفتح، و(كمال) سائق لسيارة ميني باص، فقد خرج الاثنان معي لزيارة البدو، وتفقد منطقة الجبال، التي تحيط بي من كل جانب.. قبيل العصر، حملتنا سيارة (كمال) إلى الجبال، وبالتحديد إلى تلك المنطقة الشهيرة، المعروفة هناك باسم (كولة أبو يلة، ومصطلح (كولة) هذا أدهشني في البداية، ثم لم ألبث أن أدركت أنه المصطلح الدارج لكلمة مرتفع، أو جبل متوسط، أو بمعنى أدق منطقة تتناثر فيها الجبال، حول وادٍ محدود”.

وفي طريقه إلى هذه الكولة، حكي عبدالعليم، صديقه، بعض الحكايات الشائعة حولها، ومنها أنها منطقة تحوي كنوز الدنيا كلها، وأن الموعودين فقط من عثروا فيها على الذهب والمجوهرات والآثار هذه الكولة الأسطورية، (كولة أبوليلة) هذه كانت تحوي الصخور السبع أيضًا.

يستكمل رحلته في البحث عن قصة الكولة عن الحاج حنفي، أحد رجال القرية المعروفين، ليحكي له أصل القصة ويقول كان ما رواه الحاج (حنفي) مدهشًا بحق، لقد تحدث عن ظاهرة من طراز ما، وصفه بأنه هليكوبتر على الأرجح، ولكن هذا كان في أثناء الحرب العالمية الثانية، مما ينفي كونه طائرة هليكوبتر المهم أن تلك الطائرة، عير محددة الهوية، قد هبطت في تلك الفترة، عند منطقة (كولة أبوليلة)، وخرج منها رجل وامرأة، يرتديان زيًا فضائيًا لامعًا، مما أثار ذعر إخواننا الصعايدة، وعلى رأسهم الحاج (حنفي)، فهجموا على الرجل والمرأة، وقدموا لهما تحية معتبرة، بكل شومة يحملونها، حتى قضوا عليهما تمامًا، وبعدها حطموا الطائرة، واحتفظ كل منهم بجزء منها.

مرت الأيام ووافق الحاج حنفي أن يفصح عن تلك القطعة من الطائرة للدكتور “نبيل” وذهب إلى الوحدة الصحية ومعه قطعة من القماش المهترئ، الواضح أنها كانت مدفونة في مكان ما، وفتحها ليخرج منها قطعة من معدن لامع، حولي عشرين سنتيمترًا في ثلاثين سنتيميترًا، مازالت تلمع وكأنها جديدة، وعليها جزء من نقش لم يمكنني تمييزه أبدًا.

أما عم حارس، فقد حكي قصة أخري أنه قد رأى تلك الأحجار السبعة في طفولته، واعتاد اللهو عندها، بحكم أن أرضهم تجاور موقعها، ولكن في ذات ليلة خرج والده ليروي أرضهم على ضوء القمر، ثم عاد إلى المنزل مذعورًا، يرتجف على نحوٍ عجيب، ثم روى لهم أنه بينما كان يروى أرضه، فوجئ بحجر ضخم لامع يهبط من السماء، ثم خرج منه رجل في زي فضي، وعلى رأسه كرة من الزجاج الداكن، وأن هذا الرجل، أو هذا الجني، كما وصفه (حارس)، نقلًا عن والده، ألصق بعض الأجسام المستديرة بتلك الأحجار السبعة الضخمة، فارتفعت كلها إلى السماء، واحتفت وسط الظلام، قبل أن يعود هو إلى مركبته، وينطلق بها وفي الصباح.

أحب أهالي القرية الدكتور نبيل فاروق، قضوا معه فترات طويلة في الوحدة الصحية يشاركهم في أفراحهم وأحزانهم، وهذا ما عبر عنه في فصله الأخير في مذكراته، حيث يقول: “في ليلتي الأخيرة سهرت مع كل الأصدقاء القدامى وأقمنا احتفالا صعيديا أصيلا امتلأت معدتي بالبط المحمر والويكة والملوخية، والصباح التالي حملتني سيارة الأسطى “عبدالله” إلى المحطة في مدينة قنا، وودعني الجميع ووصلت إلى بلدتي طنطا، وقابلت أصدقائي وشعرت أنني انتهيت من الغربة، ولكن ستظل رحلتي إلى قنا هي نقطة تحولي إلى عالم الكتابة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى