أثار وأماكن

حسن طوبار شيخ إقليم المنزلة.. انكسر أمامه بونابرت وأهمل آثاره المسؤولون

تحرير – عبد الباسط عياش:

“لا بريق المال يغرينا، ولا عزيز القوم يدانينا، ولا جميل القول يثنينا”، بتلك الكلمات وقف شيخ الصيادين بالمنزلة، يمليها على كاتبة، قبل أن يرسلها إلى نابليون بونابرت، أثناء الحملة الفرنسية على مصر.

كانت كل الجهود التي بذلها الفرنسيون لكسب لين هذا الرجل باءت بالفشل، ليصبح حسن طوبار، شوكة في حلق قادة الحملة، حتى ساوموه لتولي أكبر المناصب في مصر، وأرسلوا إليه قافلة محملة بالأموال والذهب، مقابل ترك إقليمي المنزلة ودمياط.

أول مليونير في مصر

لم يكن حسن طوبار، أول مليونير عرفته مصر، تغريه هذه المطامع على كثرتها، فهو صاحب أسرة عريقة ترجع أصولها إلى بلاد الشام، تداولت مشيخة المنزلة لعشرات السنين، فضلًا عن الثروة الضخمة التي قدرها الجنرال لوجيه، أحد علماء الحملة الفرنسية، في تقرير قدمه للمجمع العلمي الفرنسي آنذاك، بخمسة ملايين فرانك، بالإضافة إلى أسطول صيد يقدر بـ5 آلاف مركب، بجانب مصانع للنسيج ومتاجر ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية.

بداية المقاومة

وعندما فرض الفرنسيون سيطرتهم على مصر، ألزموا المصريين بتسجيل كافة الحيازات من وكالات أو خانات أو معاصر زيت أو انتفاع برزق، خلال 30 يومًا لسكان القاهرة، و60 يومًا لبقية مناطق مصر.

في هذه الأثناء شرع حسن طوبار في مقاومتهم، فكان يذهب بنفسه إلى البلاد والقرى، يحرض أهلها على الفرنسيين، ويطمئن على وسائل الدفاع لدى الأهالي.

عبد الرحمن الجبرتي، أحد أهم مؤرخي الفترة، حكى في كتابه “عجائب الآثار في التراجم والاخبار” كيف كان طوبار يشعل الثورة في مختلف البلاد بين دمياط والمنزلة والمنصورة، وبينما كان يثير الأهالي في بلاد البحر الصغير، كان في الوقت نفسه يجمع مراكبه في بحيرة المنزلة لمهاجمة الفرنسيين في دمياط.

الفرنسيون في الجمالية

لم يمض وقت طويل على دخول الفرنسيين مصر، حتى تحرك أسطول أقوى جيش كان يعرفه العالم آنذاك، يسد منافذ البحر الصغير، ليتلقى الجنرال “دوجا”، قائد الأسطول الفرنسي، رسالة من “كومندان مديرية دمياط”، يعرب فيها عن غضبه من حشد طوبار لمراكب الصيد بالمطرية.

كانت هذه الحشود كافية، لتوجه الجنرال داماس على رأس قوة من 300 جندي، إلى مدينة المنزلة، ولم تكد القوة تصل إلى الجمالية، حتى فوجئوا بمقاومة شعبية استمرت أكثر من 4 ساعات متواصلة، دفعت الفرنسيين إلى التقهقر عائدين إلى المنصورة.

الحشد الشعبي

تيقن قادة الحملة الفرنسية أن طوبار هو  من وراء هزيمتهم في الجمالية، وأيقنوا تمامًا عدم قدرتهم على مقاومة هذا الحشد الشعبي، فقد كان الرجل يملك شعبية جارفة، وأدرك نابليون أهمية المركز الجغرافي الذي يسيطر عليه طوبار، وتحكمه في الممرات المائية بين البحر المتوسط وبحيرة المنزلة، وهو الأمر الذي كان كفيلًا بتسهيل مهمة السفن العثمانية في دخول مصر إذا اتفق طوبار معهم.

في هذه الأثناء كان حسن طوبار يخادع الفرنسيين عن خططه، وكان على اتصال بإبراهيم بك، أحد زعماء المماليك، الذي كان مرابطًا بفلول جيشه جنوبي الشام.

آثار الشيخ

وفي يونيو 1800، كانت المقاومة الشعبية التي صنعها حسن طوبار من القوة ما يهدد بقاء الحملة، بينما تناثرت الأنباء هناك وهناك عن وفاة شيخ المنزلة، لم تمر أيام حتى نشرت الجريدة الفرنسية “كورييه ديلجيبت” نبأ وفاة الرجل الذي حيَّر الفرنسيين، إثر أزمة قلبية مفاجئة.

رحل شيخ المنزلة وأخذ معه تاريخًا عريضًا من البطولة، وفي أوائل ستينيات القرن الماضي صدر قرار جمهوري ببناء ضريح للشيخ المجاهد، يضم منضدة وسيفًا مرصعًا بالأحجار الكريمة وبندقية خرطوش، كان يستخدمها طوبار في قتاله، ومصحفًا مكتوبًا بخط اليد، وكتابًا لأحد مؤرخي الحملة الفرنسية، يتحدث عن معارك طوبار وبسالته.

إيناس طوبار، إحدى حفيدات المجاهد، تقول إن عبدالناصر أخذ تلك المتعلقات وسلمها لكبير الياوران،وأمره بتحويل الضريح إلى متحف أثري، واعتبار قصر حسن طوبار من القصور الأثرية، في قرار جمهوري حمل رقم 2300 لعام 1962.

وتضيف عقب وفاة عبد الناصر، أهمل الضريح ولم يزره أي مسؤول حتى الآن، وتحول من مكان شاهد على بسالة حسن طوبار، إلى مأوى للحشرات والحيوانات، بحسب وصفها.

أعمال الترميم

صرخات عدة بثها آل طوبار للمسؤولين، من أجل إعادة ترميم المقبرة وتحويلها لمزار أثري، لكن الحقيقة أن الضريح لا يمكن ضمه لعداد الآثار الإسلامية والقبطية، وفقًا لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1973، والمعدل بالقانون 3 لسنة 2010، بحسب سامح الزهار، مدير الوعي الأثري والتنمية الثقافية لشمال الدلتا.

ويوضح الزهار، أن الضريح يتبع المركز القومي للفنون التشكيلة، بقرار صادر من مجلس مدينة المنزلة في 14 نوفمبر 2001، ومن وجهة نظره، فهناك مخرج واحد لضم الضريح أثريًا وهي “ارتباط المكان بالشخصيات التاريخية”، كما جرى مع منزل الراحل جمال عبدالناصر، وقصر حسن طوبار الذي تحول إلى مكتبة تتبع وزارة الثقافة.

تحت نهب اللصوص

أحفاد طوبار لم ييأسوا وراسلوا عدد من المسؤولين، مستنكرين تكريم اللواء عمر الشوادفي، محافظ الدقهلية السابق، للبطل الشعبي، بينما قبره الخاضع للإشراف الإداري من المحافظة مهدم فوق رأسه.

وتتابع إيناس من المؤسف أن تاتي الوفود الأجنبية مرارًا لزيارة قبر من حطم أحلام نابليون في مصر وتجد هذا المنظر البائس، واصفة “إنها لسبه في جبين الجميع”.

وتضيف استغل الجميع وفاة الرئيس عبد الناصر، ونهب اللصوص كل ما هو غال ونفيس، وتم هدم القصر، وتقسيم أرضه بين التربية والتعليم وإقامة مجمع مدارس حسن طوبار، ومكتبة حسن طوبار التابعة للثقافة.

واتهم آل طوبار، برلماني سابق في جماعة الإخوان، بالاستيلاء على 878 مترًا من حديقة المقبرة، إبان حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، وضمها لمسجد الأعجام، دون وجه حق.

إهدار للمال العام

بينما يقول اللواء أحمد عبدالوهاب، رئيس مدينة المنزلة، إن الضريح ملكية خاصة لآل طوبار، هم المعنيون به وبترميمه وتجديده.

ويضيف أن الوحدة المحلية لا يمكنها التدخل وترميم المقبرة، حتى لا يهدر المال العام، مشيرًا إلى أن الجهة الوحيدة المنوطة بالترميم هي أسرة طوبار، وأن أزمة إضافة جزء من الملكية لمسجد الأعجام، تخص الأوقاف.

ويوضح عبدالوهاب أن رئاسة المدينة على أتم الاستعداد لمساعدة أسرة المجاهد، وإمدادهم بالمعدات اللازمة لتنظيف الضريح ونقل المخلفات.

شكوى رسمية

ويقول محمد حسني، مدير إدارة الفنون التشكيلية بإقليم شرق الدلتا، إنه لم يتلق أية شكاوى رسمية بخصوص ترميم المقبرة حتى الآن، مشيرًا إلى أن الطرق الرسمية هي السبيل الوحيد لتدخلهم لحل المشكلة.

ويوضح أنه يجب أن بتقدم آل طوبار بطلب للمكتبة الثقافية بالمنزلة، ثم يُرسل للفرع ومنه إلى الإقليم، وذلك حتى يتسنى لهم البدء في أعمال الترميم والنظافة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى