حديقة حيوان الجيزة: لماذا تضحي وزارة الآثار بحديقة أثرية؟

ماذا يجرى في حديقة حيوان الجيزة؟

لا أحد يملك إجابة، «الوضع غير مفهوم» كما يقول الخبراء والمتخصصون. وزارة الزراعة أعلنت رسميًا نيتها لتطوير الحديقة الأثرية، لكنها لم تكشف شيئا عن آليات التطوير.

وزارة الآثار اكتفت بالصمت وكأن الأمر لا يعنيها خاصة أن الحديقة مسجلة في عداد الآثار. المختصون يخشون أن يتكرر في الحديقة الأثرية ما جرى لحديقة المنتزه بالإسكندرية وسمي وقتها أيضا بالتطوير، ويأملون أن يكون مصير الحديقة مشابها لما جرى لحديقة الأسماك التي تم التراجع عن تطويرها للحفاظ عليها.

علامات استفهام كثيرة لم يجب عنها بيان وزارة الزراعة الذي أكد أن المبان الأثرية لن تمس خلال عملية التطوير دون الإشارة إلى أن الحديقة بأكملها مسجلة في عداد الآثار.

أسئلة عديدة طرحناها على المتخصصين حول فكرة التطوير والطريقة التي يمكن من خلالها إعادة إحياء الحديقة الفريدة.

وعد واستقالة

الدكتور محمد الكحلاوي، أستاذ العمارة الإسلامية، ورئيس المجلس العربي لاتحاد الآثاريين العرب، يقول في حديثه لـ”باب مصر”: “الوضع حاليًا غير مفهوم، فنحن في اللجنة العليا للتخطيط التابعة لمجلس الوزراء اجتمعنا. وقد أقرت اللجنة مشروع تطوير حديقة الحيوان والأورمان بشكل مبدأي. لكن حتى الآن لم يقدم المشروع إلينا. فنحن كلجنة تخطيط تم إبلاغنا أن الاستشاري الأجنبي والذي سيشرف على العملية قدم وعدًا بعدم قطع شجرة داخل الحديقة، وإلا سيتقدم باستقالته”.

وأضاف الكحلاوي: عندما سألنا عن عملية التطوير قيل إنه سيواكب ما يحدث في الحدائق العالمية. مع مراعاة عدم إضافة أية مبان. وهذا ما عرضه رئيس هيئة التخطيط، كمشروع مزمع تنفيذه. لكن لن يتم الموافقة على المشروع بدون موافقتنا. وسنطلع عليه مثلما حدث تمامًا مع حديقة الأسماك. فقد تم رفض فكرة إقامة جراج أسفل الحديقة، أو قطع أية أشجار بداخلها. وتم الاتفاق على تقديم خدمات للزوار في الأماكن غير المستغلة مثل “مفرخة” الأسماك. لكن بصورة عامة لن يتم هدم الجبلاية أو الاعتداء على المكان.

أما بخصوص حديقة الحيوان فالمقترح إنشاء حديقة حيوان مفتوحة وهذا هو رأي المطورين. ونحن لسنا ضد التطوير ولكننا ضد محاولة تغيير معالم منطقة أثرية أو تراثية. لأن هذه المناطق لا تقبل التطوير، لكنها تقبل الصيانة والإحياء، فالتطوير يخرجها من أصولها ومن عبق التاريخ.

الكشك الياباني
الكشك الياباني
وزارة بلا موقف!

يكمل الكحلاوي: بالنسبة لدور وزارة الآثار فأنا أرى أنها واقعة تحت “السندان”. لأنها لم يعد لها أي موقف، فما كنا نرفضه في الماضي من عمليات خصخصة للمواقع الأثرية أصبح اليوم مباحًا من جانبهم. فهم لا يمانعون إعطاء أي موقع أثري لمستثمر، لكن بشكل عام إذا أردنا الحديث عن الحدائق الأثرية والتراثية. فرئيس مجلس الوزراء كان واضحًا ورفض وقف ما كان يحاك بحديقة الأسماك. لذلك أنا منتظر رؤية مشروع حديقة الحيوان والأورمان، والذي من المفترض ربطهما ببعضهما البعض من خلال عمل “تليفريك”. ونحن لسنا ضد الجمال، لكننا ضد التخريب، فما تم عرضه كان مجرد موضوع من باب العرض. لذلك لا يمكن أن أطمئن إلا بالإطلاع على تفاصيل المشروع بالكامل.

وعن الاجتماع المقبل للمجلس الأعلى للتخطيط، قال إنه من المفترض حضور وزيري الآثار والزراعة ليعرضا المشروع سويًا. وسيكون قرارنا في النهاية بناء على ما سيتم عرضه. لكني أرى أيضًا أن هناك سوء تعامل مع الآثار وبخاصة الآثار الإسلامية، فالوضع بشكل عام غير مريح.

خصوصية كبيرة

المهندس المعماري عمرو عصام تحدث عن عملية “تطوير” حديقتي الحيوان والأورمان. وقال: “حديقة الحيوان لها خصوصية كبيرة جدًا، فهي حديقة شديدة التخصص ولا يوجد لها بديل في مصر، لكن كي نفهم سياق الحديقة تاريخًيا يجب أن نرجع لعصر الإنشاء؛ أي عصر الخديوي توفيق عندما أنشأها في أواخر القرن الـ19. فقد كانت جزءا من حديقة الأورمان وتم فصلهما عن بعضهما البعض لعمل توسعات”.

وتابع: عندما تم إنشاء الحديقة كانت الجيزة بمثابة منطقة “طرفية”، بالنسبة للقاهرة؛ وبالتالي كانت هناك مساحات ممتدة ساهمت في ظهور نمط هذا التخطيط وتنسيق الحدائق بهذا الشكل. فلو نظرنا لنمط الحديقة وقت إنشاءها سنجده نمط “حر”، فهي مخططة ومصممة طبقًا لمفاهيم الأورمان والتي تعني “غابة” في اللغة العربية. وهذه المفاهيم تحديدًا كانت جزءًا من حركة عالمية حدثت في جميع أنحاء العالم. فقد كان مصممو الحدائق يستعيرون نماذج الحدائق المصممة في فرنسا لتطبيقها داخل مصر؛ لذلك نحن اكتسبنا نمط معين عند تصميم الحديقة.

نصيب الفرد من المسطحات الخضراء

يضيف: عندما حدثت حركات النمو والتوسعات داخل المدينة أصبحت الحديقة جزءا من السياق الحضري داخل المدينة؛ وبالتالي الأمر ينقلنا لفكرة الحديقة كـ”رئة”، داخل المدن. فلو نظرنا للموضوع من ناحية التخطيط العمراني، سنجد أن المدن يجب أن تحاط بسلسلة من الحدائق والمسطحات الخضراء، والتي تصفه طبقًا لتدرج هرمي.

فهناك حديقة الحي السكني، وحديقة المدينة، والحديقة الإقليمية، وحديقة الدولة. فحديقة الحيوان وفقًا لهذا المنظور هي حديقة وطنية، وجزء من النسيج الحضري لمدينة الجيزة، ذات الكثافة السكانية العالية؛ وبالتالي يجب أن نفهم الدور الذي تلعبه، داخل الجيزة وإقليم القاهرة الكبرى ككل، والذي يعاني بشدة بسبب الكثافة السكانية، ونقص المسطحات الخضراء بداخله، وأماكن الترفيه والتنزه. وبالتالي فالحديقة لها دور وظيفي، إذ تعد متنفس لطبقات اجتماعية كثيرة داخل المجتمع، ولها دور بيئي باعتبارها “رئة” ومصنع للأكسجين داخل الكتلة الحضرية في مصر.

وتابع: متوسط نصيب الفرد داخل إقليم القاهرة الكبرى من المساحات الخضراء لا يتجاوز المتر الواحد، مع الوضع في الاعتبار أن الإقليم نفسه بداخله كتل زراعية كبيرة في الجيزة وغيرها من الأماكن، والتي ساهمت في ارتفاع نصيب الفرد من المساحات الخضراء لتصل في النهاية لأقل من المتر الواحد.

لكن لو نظرنا لنصيب الفرد من المسطحات الخضراء داخل المناطق الحضرية في القاهرة والجيزة سنجده أقل من نصف متر. وهذه أمور يجب وضعها في الاعتبار، لأن الحديقة لها دور في تعزيز متوسط الفرد من المساحات الخضراء داخل المدينة.

ممر كوبري إيفيل
ممر كوبري إيفيل
تراكمات تاريخية

أما بخصوص كونها حديقة وطنية، فهي جزء أيضًا من الذاكرة الجمعية التاريخية لمصر، وهي محمية بقوانين الآثار. بالإضافة إلى أنها مرّت عليها تراكمات تاريخية منذ إنشائها، وهذه الأنماط يجب أن تحفظ مع الزمن باعتبارها جزء من الذاكرة التاريخية.

يرى عصام أن تغيير وظيفة الحديقة من منظور التخطيط العمراني، أمر لا يمكن أن يتقبله أحد.

ويقول: “أتعجب من فكرة التلفريك، والتي سرعان ما تم نفيها من خلال التصريحات على المواقع الإخبارية، واستبداله بنفق للربط بين الأورمان والحيوان. لكني أرى أن مثل هذه الأفكار ستؤدي لمشاكل، لأنها سيترتب عليها عمليات قطع لبعض الأشجار. فالأولى إرجاع الحديقتين لسابق عهدهما وربطهم ببعضهما البعض، وهذا هو الأصح لأننا بذلك سنستعيد جزء من الذاكرة التاريخية للمدينة.

لذلك أعتقد أن تضارب التصريحات الرسمية، دليل على أن المشروع لا يزال قيد الدراسة، وأنه لم يصل لعملية النضج من جانب القائمين على المشروع؛ لذلك لابد من الشفافية وعرض خطة التطوير بشكل كامل”.

تدخل جذري

يستطرد: بخصوص تحويل الحديقة لـ”سفاري” فأنا أتحفظ أيضًا على هذا الأمر، لأن الحديقة كما ذكرت صارت جزءا من المدينة فهي ليست في معزل عن العمران. وبالتالي لا يمكن تحويلها لحديقة سفاري لأن فكرة هذه الحدائق تعتمد على إيجاد مساحات واسعة داخل تضاريس الدولة وما شابه ذلك كي تحاكي البيئة الحقيقية للحيوان. لذلك فمن حيث السياق فموقع الحديقة ومساحتها غير مجهز للأمر، ولا يمكن تأهيلها لمحاكاة هذا النوع من الحدائق. وهذا باستثناء أن الحديقة مسجلة أثر؛ لذلك إذا أردنا من الناحية التصميمية تحويلها لحديقة سفاري. فهذا الأمر سيتطلب تدخل جذري داخل الحديقة المسجلة بالكامل كأثر، وهذا سيغير من طبيعتها الأثرية. وبالتالي فمشروع تحويلها لحديقة مفتوحة سيفقد الحديقة الكثير من قيم التميز الموجود داخلها.

تساؤلات

ينهي عمرو عصام حديثه ويقول: “هذا النوع من الحدائق يحتاج لمنظومة إدارة غير عادية ومعقدة ومتكاملة. فالحديقة خلال السنوات الأخيرة، ورغم وجود “أقفاص” داخلها، إلا أن هناك حيوانات هربت بالفعل. لذلك فمن منظور الإدارة المصرية وكذلك الخبرات التي نمتلكها، فأنا أتساءل هل نحن مؤهلين إداريًا ومعرفيًا وتقنيًا كي نحولها لحديقة سفاري للحيوانات؟ أرى أن هذه الحدائق يجب أن ينظر إليها باعتبارها جزء من منظومة بيئية متكاملة داخل المدن”.

اقرأ أيضا

في مناسبة 130 عامًا على إنشائها.. الوجه الآخر لحديقة حيوانات الجيزة

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى