حكاوي

توفيق أندراوس: وقائع الوداع الأخير

ولد توفيق أندراوس في قوص سنة 1893، ورحل عن عالمنا في سنة 1935، عاش حياة قصيرة لكنها كانت كافية ليسجل حضوره في الذاكرة الوطنية، هذا الحضور الذي يجرحه البعض بسبب انتمائه لطبقة الأعيان التي لا تعرف الولاء ـ في نظر الكثيرين ـ  إلا إلى مصالحها، ومراكمة ثرواتها على حساب الفقراء.

الجرح قديم لأن أعيان البلاد كما يقول مصطفى صادق الرافعي كانوا ـ إلا النادر ـ لا يميلون إلى معارضة الحكومة ومناوأتها، بل كان همهم توطيد علاقتهم بالحكومة والحكام، والتودد إليهم حرصا على مصالحهم، ثم جرفهم التيار، فانضموا إلى الحركة في سنة 1919، وبعضهم منذ سنة 1921، ومهما قيل من أن انضمامهم إليها لم يخل من قصد الانتفاع الشخصي ورعاية مصالحهم من طريق مسايرة التطور السياسي الجديد، فإن انضمامهم إلى الحركة كان على أي حال مظهرا من مظاهر التقدم الاجتماعي للأمة.

والحقيقة أن توفيق أندراوس كان من المبادرين إلى الحركة في لحظاتها الأولى سنة 1918، والداعمين لها بعد اندلاع الثورة، وقد رفض العدول عن موقفه رغم الإغراءات الكثيرة من قبل سلطة الاحتلال الإنجليزي وداعميها في القصر الملكي، وتمسك بالوقوف في الجانب المناوئ، وعاش حياته القصيرة قطبا من أقطاب الوفد في الصعيد، ولم يبخل عليه بجهده وماله، وبعد صدور دستور 1923، وظهور مجلس النواب في شكله الجديد، خاض أول معركة انتخابية باسم الوفد في الأقصر أمام منافسه عبدالراضي العماري، القنصل البريطاني في الأقصر، واستطاع الحصول على ثقة أغلبية الناخبين، وصار عضوا بالهيئة النيابة الأولى المنتخبة سنة 1924، واستمر نجاحه البرلماني في الانتخابات التالية، وحافظ على مقعده بالهيئة النيابة الثانية، والثالثة أيضا، ولعلنا لا نجد ما يدعم موقفه الوطني أفضل من شهادة مصطفى النحاس في حقه بعد رحيله المفاجئ.

شهادة مصطفى النحاس

تظهر مكانة توفيق أندراوس من خلال حرص رئيس الحكومة مصطفى النحاس على تقديم واجب العزاء في وفاته، وقد سافر إلى الأقصر لحضور ذكرى الأربعين بعد أن تعذر عليه حضور مراسم دفنه، وقد اشتملت الزيارة على حضور جناز الأربعين في الكنيسة صباحا، ثم زيارة المقابر، ثم العودة مساء لتقديم العزاء المنزلي، وسوف نذكر تفاصيل تلك الزيارة اعتمادا على “حسني عبدالحميد” الذي دون تفاصيل تلك الرحلة في كتاب بعنوان “الزعيم في الصعيد”.

وصل النحاس إلى الأقصر صباح يوم الجمعة الموافق 15 فبراير 1935، وكان في استقباله عدد كبير من أعيان جنوب الصعيد وقتها، وفي مقدمتهم مكرم عبيد، وميشيل رزق رئيس لجنة الوفد بقنا، وكامل اسحاق أبادير نائب حجازة الأسبق، والشيخ شرقاوي الناظر من أعيان دندرة، وشلبي بولس المحامي، وحسن العديسي عضو مجلس الشيوخ الأسبق، والشيخ حسيب عبادي حمدين، والشيخ حسن نضر الله، والشيخ محمد بكر أبوشنكل، والدكتور زكي ميخائيل نائب قوص الأسبق، والشيخ أبوالوفا دنقل، والشيخ يونس أحمد سليم نائب البياضية الأسبق.

مكث النحاس في الفندق للراحة من السفر حتى الساعة التاسعة، ثم غادره ومعه مكرم عبيد قاصدين إلى الكنيسة القبطية لحضور جناز الأربعين على روح توفيق أندراوس، وكانت أمام الكنيسة وفي حديقتها جموع زاخرة، واستقبله عند الباب يسى أندراوس، وأفراد أسرته، ثم جلس في الصف الأول، وعند الانتهاء من إقامة الطقوس الدينية وقف قاضي محكمة الأقصر الشرعية وألقى كلمة تأبين، ثم تبعه بعض الخطباء والشعراء، وبعد ذلك نهض الزعيم وألقى في تأثر عميق خطبة مؤثرة بليغة، عدد فيها مناقب الفقيد العزيز، ومواقفه المشرفة ، مما آثار شجون الحاضرين.

خطبة النحاس في تأبين توفيق أندراوس

“سبحان الله، ما أقسى القدر، كان توفيق زهرةً فزوى الزهر بصبحٍ واستتر، كان في إخوانه زاهيا باسم الثغر للغير، فإذا الدنيا هباء، وغذا الدنيا فنا، وإذا الدنيا عبر، جل من ليس يفنى، والدوام للذكر العطر، كان توفيق مصريا نقيا، وكان عاملا وطنيا، كان مقداما أمينا، وكان جريئا فتيا، كان رضى الخلق، كريما يجود بكفه، بل بنفسه، بل كان يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، كان صديقا صدوقا وكان عزيزا يعز فيه العزاء، نبكيه جميعا وماذا يجي البكاء؟ بلنترحم عليه عسى ربه أن ينزله مكانا عليا، ويواسي فيه بعضنا بعضا عسى الله أن ينزل علينا من فيضه سكينة وصبرا.

وإني باسم الوفد المصري واسم أم المصريين، واسم زميلي مكرم عبيد، واسم الهيئة الوفدية البرلمانية التي كان عضوا عاملا فيها، أقدم أجمل العزاء وأصدق المواساة لأسرته الحزينة وأبنائه الصغار وشقيقه يسى بك أندراوس، وباقي أشقائه وسائر أفراد آل أندراوس الكرام، وجميع أقربائه، وأعزي فيه مدينة القصر التي كان نائبا عنها وسعى جهده لتجميلها والترفيه عن أهلها ، وتوفير أسباب الراحة لزائريها.

أعزي فيه هيئتنا الوفدية التي ضمته تحت جناحها فأخلص لها الولاء، وعاش ومات ثابتا على دين الوطن، ففي ذمة الله يا توفيق وإلى جوار الأكرمين من خدام الوطن، ولكم جميعا طول البقاء”.

صلاة الجمعة والعودة إلى العزاء

بعد انتهاء النحاس من خطبته، غادر الكنيسة، إلى زيارة مدفن الراحل، ثم ذهب إلى مسجد أبي الحجاج، وأدى فريضة الجمعة، وتوجه بعدها إلى ساحة آل أبي الحجاج وكان في استقباله السيد محمد أبوالحجاج، والسيد أحمد النجدي أنجال يوسف الحجاجي، وبعد أن زار الضريح جلس في الساحة، وكانت الجموع متدفقة خارجة وداخلها، وحول المسجد، وحول معبد القصر، والهتاف لا ينقطع، ثم غادر ساحة آل الحجاجي وقصد المسجد الجديد الذي بناه إبراهيم عياد ومقرأة القرآن المجاورة له، ثم عاد إلى الفندق واستراح حتى الخامسة بعد الظهر، ثم خرج وبصحبته مكرم عبيد وذهب سيرا على الأقدام إلى منزل يسى أندراوس، فزاره وعزاه وأسرته، ثم تريض وصاحبه على النيل مشيا على الأقدام بين تحيات الأقصريين، ثم عاد إلى الفندق.

اقرأ أيضا

توفيق أندراوس رائد الوحدة الوطنية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى