تعرف على شعر الـ”لغن” الحساني الموريتاني

تعد موريتانيا من أكثر الدول العربية التي حافظت على الشعر كموروث ثقافي هام فهي بلد المليون شاعر عن استحقاق، نظرا لاعتماد الموريتانيين قديما وحديثا على الشعر الفصيح بالإضافة الى الشعر الحسّاني الذي يسمى محليا ب”لغن ” أو ” أزوان” في نقل الأخبار وتسجيل الحوادث والوقائع،  وكذلك للدور الكبير الذي لعباه في تدوين التاريخ وبلورة قيم واهتمامات المجتمع، بالاضافة الى ما للشعر الحسّاني او للغن من مكانة كبيرة في قلوب الموريتانيين حتى لا يكاد يخلو مجلس انس او عرس او حفل في موريتانيا الا وكان لغن حاضرا فيه يلقى من الشاعر نفسه او يغنى من قبل العوائل الفنية الموريتانية  التي تسمى  محليا ب” اكاون” .

كيف نشأ “لغن”

يعتبر بعض المهتمين باللغن في موريتانيا بأن والدة ديدَ ولد هون العبيدي أول شاعرة حسانية، حيث أورد  لها المؤرخ الموريتاني محمد صالح ولد عبدالوهاب “كاف” تحرض فيه زوجها على الثأر لأبنها الذي قتله أولاد بوفايدة في حربهم مع أولاد مبارك سنة 1124هـ

وقد حدد عميد الفن الشعبي في موريتانيا محمد ولد سيدي إبراهيم ثلاث مراحل مر بها الشعر الحسّاني قبل أن يصل إلى الشكل الذي أصبح عليه اليوم، وهي مرحلة الكاف : أي القافية، وفيها كان الشعر الحسّاني أقرب إلى الشعر الفصيح ثم مرحلة الطلعة أو القصيدة،  وأخيرا مرحلة أَتْهَيْدِين أو الملحمة .

مضمون الشعر الحساني

يتكون لغن من عدة وحدات أهمها التافلويت وهي الوحدة الكلامية الشطر وتجمع ب”تيفلواتن” والبت وهو اللازمَه ويكون تافلويت واحدة، والكاف وهو أهم وحدات لغن ويتكون غالبا من أربع تيفلواتن، وأكلال وهو الكاف بكل مميزاته إلا أنه يجب أن يكون من بت لبير، والطلعة وهي أكثر وحدات لغن استعمالا وهي ثلاث تيفلواتن.

وللشعر الحسّاني أو لغن بحور وإيقاعات تحكمه وتنظمه وتتحدد هذه البحور بعدد الحركات وتنقسم إلى أربعة أقسام هي:

البت المسروم، ويضم : “لبتيت التام،  والـتــيــدوم،  ولبتيت الناقص،  وحـثـو الجراد،  وأحويويص”

البت المـكدوع، ويضم : ” بوعمران،  وامريميده،  والحــــــر،  والتروبيع، وتكادرين، والسغير،  وتاطــــرات،  و لبــيــر”

البت المُمَوْمي،  ويضم : “مومايت البت لكبير،  ومومايت حثو الجراد،  ومومايت احويويص”

البتوت المشكلة،  وتضم : “مُشَكل لبتيتين (التام والناقص)،  ومُشَكل لبتيت- تاطرات،  ومشكل تكادرين- تاطرات،  والرســــم،  والسروزي”

شعر لصيق بالحياة الموريتانية

يقول الدكتور آدم ولد عبدالله، طبيب موريتاني مقيم في مصر، إنه جرت العادة بأن يكون ارتباط الأفراد بالشعر الشعبي مستمدا من تعلقهم بأصالتهم وعراقتهم وحياتهم البسيطة، والحال في موريتانيا ليس بعيدا من ذلك، فالشعر الحسّاني منثور بلسان عربي ونسبته بهذا الاسم مستمدة من اللهجة الحسّانية المشتقة من اللغة العربية، وهذا الشعر يعبر في طياته عن الحياة اليومية البسيطة للمواطن الموريتاني كما أنه يتباهى ويتفاخر بالثقافات الموريتانية المختلفة، المنسي والحاضر منها فيها آن.

كذلك يعتبر فاروق ولد محمد ، طالب موريتاني في مصر،مهتم بالأدب الحسّاني، بان لغن الحسّاني من وجهة نظره اكثر ارتباطا بموريتانيا من الشعر الفصيح وربما كان هذا هو السبب في ان اتحاد الادباء والكتاب الموريتانيين يقبل عضوية لمغن الذي يقول الشعر الحسّاني بوصفه اديبا .

عامل لإثراء الثقافة

ويضيف فاروق بإن الشعر الحسّاني يثري الثقافة وخاصة بين الأوساط الشبابية حيث أن المتابع يلاحظ كثيرا من النصوص الجميلة والتي تتداول بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي ومنها مثلا تلك المقاطع التي يتغنى المغترب الموريتاني فيها بالوطن ويصف احوال الغربة والشوق إلى الوطن.

سمات مميزة

يقول عبدالرحمن عبدالمالك ، طالب موريتاني في مصر ، أديب ومهتم بالأدب الحسّاني ،  أنه بحكم خصوصية المجتمع الموريتاني “الحسّاني” و خلطه لبن العروبة بماء البربريّة خرج لغن الحسّاني كأداة للتعبير عن يوميات المجتمع و تخليد تراثه  وصف حياته في أروع ما يكون الأدب و أجمل ما يكون التعبير في لغة قريبة منه ! فقد بنى على أدبية لغة الضاد و عمق معانيها و طرافة تاريخها و استفاد من رقة و سهولة و خصوصية المجتمع الحسّاني و عمق تعابيره .. ليخرُج من بين فرثٍ و دم أدبا خالصا سائغا للمتعطشين للحرف الأدبي.

ويضيف ولد عبدالمالك بأنه على الرغم من صعوبة الدخول إلى معاني لغن الحسّاني ممن هم خارج محيطه، إلا أن ذلك أكسبه خصوصية كانت مصدر قوّته و انتشاره و الإهتمام به و رفع مؤشر استهلاكه في الساحة الثقافية والإقليمية، و أكسبته تلك القوة في محيطه صفة ثالث الإثنين و رابع الثلاثة و عدد بعد كل جماعة بل و مؤنس الواحد حتى ، فكان لغن الحسّاني الموجه المطيع و المرشد المصغي لإرشاده ،و كونه المادّة الخادمة للفنّ الموريتاني كان أساسا للأنسة و اللهو فلغن الحسّاني من أكثر الآداب ارتباطا بالموسيقى و بحوره مقسمة على أساسات مقامات الفن الحسّاني -أژَوانْ- حتى إنهم لشدّة ارتباط الموسيقى بالشعر الشعبي أسموا المغنّي “شاعر و جمعوها على شِعّارْ و لقّبوا الشاعر امْغَنّي لتداخل الاثنين .. فالأدب الحسّاني إذا من حيث الاهتمام لعب دورَ أداة المرشد و لسان الحبيب و كلمة الفنّان و حديث العامّة ،و جرى من مجتمعه مجرى الدّم

آلات موسيقية ارتبتطن باللغن

التيدنيت
وهي الآلة الأصيلة في (لغن الحسّاني) وتتكون من حوض صغير مستطيل يتخذ من الشجر غالبا، ومن جلد رقيق تجتمع أطرافه بعضها إلى بعض كغطاء للحوض بأسلاك من عصب مأسورة على ظهر الحوض ومن عود في أعلى الحوض،  ومن أربعة أوتار

وفي التدنيت تسمى المقامات “اظهوره” بتسميات مختلفة تبعا لكل جانب حيث تعزف التدنيت على ثلاث جوانب أو طرق وهي : الطريق “البيظة” وهي لون أبيض يغلب فيه أسلوب العرب،  والطريق “الكحلة”وهي اللون الأسود الذي يغلب فيه أسلوب غير العرب في موريتانيا،  والطريق” لكنيدية” وهي لون متركب من اللونين السابقين وأقوى منهما .

آردين
وهي الآلة النسائية التي تختص بضربها المرأة في العائلات الموسيقية،  وتتميز هذه الآلة بقدمها وتتكون من قدح كبير، يصنع من مادة خشبية يلف بجلد مدبوغ وبعد ان يصبح كهيئة الطبل التقليدي يؤخذ فيجعل عليه عود ليس بالرقيق ولا بالغليظ يقسم سطح القدح الدائري إلى نصفين يثبت فيأخذ بعد ذلك عود طويل نسبيا فيثبت عند أحد رأسي العود السابق بشكل يجعله مائلا قليلا على العود الآخر وتثقب فيه ـ أي العود الطويل ـ ثقوب تزيد في بعض الأحيان على اثني عشر ثقبا فتدخل فيها مسامير صغيرة، وتشد الأوتار المثبتة في العود الأول لتكون أطرافها الأخرى مثبتة في تلك المسامير وذلك لتستطيع العازفة أن تشدهاـ والعكس ـ متى شاءت بمجرد أن تحرك تلك المسامير بشكل لولبي تبعا لما يتطلبه التحول وهو “التبرام” من مقام موسيقي إلى آخر.

 

 

 

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى