«ترام الإسكندرية».. ذاكرة الصمت والانتظار بعيون فنانيها
اقترب إيقاف ترام الإسكندرية تمهيدا لتطويره في الأول من إبريل، فهل ستتوقف معه الذكريات من أغنيات وصور وحكايات ما زالت قادرة على إدهاشنا؟ هكذا يستعيد المعرض الجماعي للصور الفوتوغرافية والفيديو سيرة الترام، متناولا بعض لحظات جماله. وقد اختتم المعرض، الذي جاء بعنوان «بين محطة وأخرى»، في مقر بساريا للفنون بشارع فؤاد، على بعد دقائق من محطة ترام الرمل بالإسكندرية.
تم افتتاح المعرض في بداية فبراير؛ تزامنًا مع بدء مرحلة الإيقاف الجزئي للتطوير، تنفيذا للقرار الذي أتي ضمن سياق أوسع من قرارات تطوير عمراني تشهدها الإسكندرية خلال العقد الأخير، وجميعها أثارت جدلًا حول علاقتها بالهوية التاريخية والجمالية للمدينة الكوزموبوليتانية. وقد أثارت هذه القرارات غضبًا وحزنًا في أوساط المجتمع السكندري، الذي ارتبط أفراده بذكريات وحكايات شكلت جزءا مهما من روح المدينة وذاكرتها الاجتماعية.
استدعاء تفاصيل حية
اهتم المعرض بتقديم رحلة بصرية حافلة بالتأمل فيما كان، استدعت معها حياة ثرية بتفاصيلها الحية التي ما تزال عالقة بحركته وشكله ومحطاته. ونقل المعرض حياة الناس وتفاعلاتهم الاجتماعية وتجاربهم اليومية عبر لحظات لم تكن أبدا عابرة. بل ترسم مشاعر متماوجة بين الانتظار والحركة، ومع هدير الحكايات والصمت، وحوارات الغرباء، ولحظات الشرود، وحتى الملل والحلم بالوصول إلى المحطة المنتظرة.
شارك في المعرض 14 فنانا وفنانة، هم: أمينة محي الدين حسن، أحمد النجدي، أسامة عشوش، زياد أحمد الضوي، زياد حسن، ساره زكي الشيخ، شيماء فضل الله خليل، صلاح الدين شعبان، طارق عبد اللطيف محمود تمّام، عمر نصار، محمد مجدي، مروان خير الدين، مريم شعبان، ميلاني سالعن.
تجاورت في قاعة المعرض لوحات الصور وشاشات عرض الفيديوهات. كأنها محطات متتابعة في خط واحد، تصور أجزاءً من حكايات بصرية منفصلة ومتصلة. مثل قطع الفسيفساء التي تعكس الحكاية الكاملة، لتخبرنا جميعها أن “الكنز في الرحلة”.

وسيلة للاستمتاع بالرحلة
الترام ليس وسيلة من يريد الوصول بسرعة، بل وسيلة من يريد الاستمتاع بالرحلة. هو بطيء وسط الزحام، وممل لمن يقيس الزمن بالدقائق، لكنه يعرف وجهته. يسير في مساره الخاص، يصل متأخرًا أحيانًا، لكنه يصل مع أولئك الذين يقدرون التأمل، ويعون معنى الحكايات التي تنضج على مهل. أما من يعرفونه في منتصف الليل، حين تهدأ المدينة، وحين يتخلى عن بطئه. فإنهم يدمنون التأمل واستدعاء بهجة المشاهدة، كأنهم يتعرفون على أسرار المدينة في لحظة طيران.
من نوافذ الترام المفتوحة، تتحول الحياة إلى شريط سينمائي طويل. يتيح للراكب مشاهدة الفيلم الحي الذي تتعاقب فيه المحطات كمشاهد مدهشة. يمر الترام بجغرافيا مدينته: مدارس وجامعات ومستشفيات، كنائس ومساجد، مقابر وميادين، كأنه يحمل تاريخ الإسكندرية كله من محطة إلى أخرى.
من زاوية خارجية يرفع المصورون كاميراتهم، يمسحون دمعة الوداع من أعينهم/عدساتهم. يلتقطون الصور ويسجلون المشاهد، محاولين تثبيت بعض هذه اللحظات كذاكرة لعجوز يكاد يودع تاريخه، قبل أن تغرق ذكرياته في أمواج النسيان. وفي مدينة يتغير إيقاعها وتتسارع تحولاتها العمرانية، يودع الترام ركابه إلى مسار جديد من التطوير.
طارق عبد اللطيف: إحساس الوداع ينعكس في كادراتي الحزينة
يشير المصور طارق عبد اللطيف، أحد الفنانين المشاركين في المعرض، إلى أن انشغاله بتوثيق الترام هو امتداد لاهتمام بدأ قبل سنوات. حين انصرف إلى توثيق عرباته ومحطاته وملامح العاملين فيه وركابه. ومن هذا المنطلق، تبدو مشاركته أقرب إلى توثيق لتاريخه قبل أن يذوب. ولم يعنيه إلا تسجيل الحقيقة التي ربما صارت جزءا من ذاكرة مثقوبة.
في صوره، يظهر الترام كمساحة اجتماعية صغيرة تتقاطع داخلها حكايات المدينة. لذلك يقترب طارق من التفاصيل الدقيقة التي قد تبدو عابرة للعين السريعة: وجوه الركاب وهم صامتون في الرحلة، أو ملامحهم وهم يحدقون خارج النوافذ. وأحيانًا اختلافاتهم الاجتماعية التي يمكن ملاحظتها من أشياء بسيطة مثل الأحذية. أو طريقة إمساك كل راكب بعمود الترام أو بحافة النافذة أثناء النظر إلى الخارج.
يتأمل طارق كراسي الترام، ويقول: “فيه حميمية بتقرب الركاب من بعض، وبيبقى فيه حتمية للتفاعل حتى لو بإيماءة أو حركة للجسم عشان يعدي اللي نازل. فبتخلق مساحة من الونس للركاب إنهم يتكلموا، وخصوصًا كبار السن اللي هم أكبر نسبة في عدد الركاب”. ومن خلال هذه اللحظات الصغيرة، تتشكل أحيانًا علاقات عابرة بين غرباء. تكشف أيضًا عن اختلافات طبقية وثقافية تتجاور داخل هذا الفضاء المشترك. ويرى طارق أن هذه التجربة اليومية تمنح الركاب فرصة نادرة للتعرف على بعضهم البعض وتأمل هذا التنوع.

غياب الترام.. غياب للوعي الجمعي والائتناس بالآخر
ينظر طارق بأسى عندما يتذكر اقتراب إيقاف الترام، وتأثير إحساس الوداع على اختياراته البصرية، ويقول: “بحس إني بقيت بلا وعي باخد كادرات حزينة، فيها شيء من الرحيل. كأن كل حاجة في الترام بتودّعنا: العربيات والعاملين والركاب والمحطات واللون الأخضر على الناحيتين”. ويرى أن ما قد يختفي مع غيابه ليس مجرد وسيلة نقل، بل نمط من العلاقات اليومية. بدءًا من الحميمية بين الركاب، وعلى المحطات ومع المحصلين، وصولًا إلى المشهد العمراني نفسه. بما فيه الشجر العتيق على جانبي أغلب مسارات الترام.
ويضيف أن وعيا جمعيا جديدا سيتشكل في المدينة بإيقاع أسرع يميل نحو الفردانية: “يعني الترام الأوكراني الأصفر الكراسي صف، وكل كرسي لوحده مالوش دعوة بحد جنبه.. ودا المستقبل”. ويختتم طارق: “شخصيًا، يرتبط الترام عندي بسيرته الخاصة ووعيه بالمدينة: من وأنا طفل ما كانش فيه مواصلة أمان زي الترام. وعلى المستوى الثقافي، أنا شايف إنه جزء مهم من صورة الإسكندرية ذاتها: “شكل وعيي وعرفني على أنواع كتير من البشر. عمرك شوفت فيديو تعريفي أو فيلم عن إسكندرية من غير الترام والبحر؟ حتى إعلانات المحافظة الّلي شغالة على شاشات العرض على البحر لحد النهاردة لا يمكن تكون من غير الترام!”.
تحول المدينة لمسخ
لذلك، يعتبر طارق غياب الترام خسارة لشرائح واسعة من كبار السن والطلاب. لأنه كان المواصلة الأكثر أمانا وتوفيرا بالنسبة لهم. ويقول: “إنت مع الوقت بتحول المدينة لمسخ، مفيش حاجة تعبر عن هويتها وذاكرتها”.
ويستكمل: إذا اعتبرنا الترام شاهدا على المدينة، فلو تكلم، فإن ما سيحكيه اليوم هو قصة طويلة عن تاريخ من الإهمال المتعمد. “هيحكي قصة حزينة عن إننا سيبناه يروح مننا وموقفناش. وحاولنا نخليه يفضل ماشي كشريان مهم في حياة المدينة. وهيحكي عن أمجاده، وعن كل رحلة قام بيها، من أيام الجر بالحصان، وبعدين البخار، وصولًا للترام الكهربائي”.
و”هيحكي عن كل راكب كان ملجأه ومنقذه، وعن محصلين وعمال أفنوا عمرهم فيه. وياما شال طلاب وهم معاهم أبونيه المدارس. لحد ما بقوا كبار سن بيركبوا ببلاش بالبطاقة لأنهم فوق السبعين”.

سارة زكي: حين تتحول أصوات الترام لموسيقى مدهشة
تشرح الفنانة البصرية سارة زكي مشاركتها بفيديو فني في المعرض. حيث ركزت في اختياراتها على إخراج عمل يجمع بين التوثيق والتجريب، وتقول: “في مشهد صوت الترام ماشي مع صوت البنت اللي بتحك رجلها في أرضية العربية رايح جاي. فحبيت أركز على التفاعل ده. وفي مشهد تاني، أطفال من الباعة المتجولين بيلعبوا “عقلة” على العامود. أفتكر مفيش مواصلة غير الترام هتبقى الناس فيها براحتها كده”.
وتضيف أنها استخدمت أصوات الترام نفسها في تصميم مقطع موسيقي (Track) باستخدام الـ Ai (الذكاء الاصطناعي). فمثلًا تحولت صفارة الترام إلى صوت آلة الـHarp، وهكذا.
درست سارة في كلية التربية الفنية، وهي من الفنانات اللاتي يركزن في تصويرهن على فن الفيديو (Art Video) الذي يخاطب المشاعر أكثر من اهتمامه بالتكنيك. وفي الفيديو المشارك بالمعرض، تحكي عن علاقتها بالترام: “أنا مش من إسكندرية في الأساس. كنت بعتبر الترام معلما سياحيا مميزا، وما كانش فيه ولا مدينة من اللي عيشت فيها كان فيها ترام. عشان كده كان بالنسبة لي قيمة عظيمة جدًا”.
تنقلت سارة بين 14 مدينة في عدة دول على مدار سنوات عمرها، وأقامت بالإسكندرية منذ سبع سنوات. وخلال آخر سنتين حاولت توثيق إقامتها استعدادًا لمغادرتها للمدينة بعد عام. فهي توثق ذكرياتها، كما توثق للترام الذي سيغادر مثلها.
تفاصيل إنسانية
ترى سارة أن الترام مساحة جامعة لطبقات وجنسيات مختلفة، كأنه شاهد على كثير من حكاياتهم. وتحكي ذكرى لها: “مرة وأنا في الترام، كان فيه عيلة سودانية بيحكوا قصص لطيفة قوي عن أول ما جُمّ مصر. وإنهم عاشوا في الهرم، وطلبات البيت اللي هيجيبوها وهما مروحين”. وتضيف: “أنا بتشغلني التفاصيل الإنسانية البسيطة”.
وعن ارتباطها بالترام ذي الطابقين، تقول: “كل ما يمر قدامي بركبه حتى لو مفيش سبب، بحب أقعد فيه كذا محطة”. كما تشير إلى احتفاء بعض المدن بوسائل النقل التراثية، حتى وإن كانت أقل عمرا أو قيمة. مثل التليفريك الجبلي في لبنان، والأتوبيس ذي الطابقين في جورجيا. متعجبة من عدم حدوث ذلك في مصر، وعدم البحث عن طرق للحفاظ على الترام بدلا من إيقافه.

مريم شعبان: كيف سنرى الإسكندرية من غير الترام؟
“ملامح إسكندرية ممكن تبقى عاملة إزاي من غير الترام؟” بهذا السؤال تفتتح المصورة مريم شعبان الفيديو الوثائقي الذي شاركت به في المعرض. وتقول: “في ظل التشويه الدائم للإسكندرية، مدينتي المفضلة، ليس لأنها المكان الذي ولدت فيه. بل لأنها مميزة فعلا عن كل مدينة أو محافظة زرتها أو سأزورها. كان الترام هو القشة التي قصمت ظهر البعير”.
اختارت مريم الفيديو لأنها ترى أنه، بما يحمله من مشاهد وأصوات، يمنح تأثيرا أعمق لنقل المشاعر. وتضيف: “لاحظت تأثر الناس بالمشاهد. حتى أن بعض من شاهدوه نزلت دموعهم بعد تجربة المشاهدة”.
بدأت مريم توثيق مشاهد الترام منذ أكثر من عام، وصورت محطات مختلفة في أوقات ومواقف متغيرة. ثم تعاونت مع زميلها المونتير أحمد إسماعيل لإخراج قصة مترابطة. حاولت من خلالها توثيق مشاعر الناس، من عمال وركاب، دون تدخل، سوى تشجيعهم على سرد حكاياتهم والتعبير عن مشاعرهم تجاه الترام، بين مميزاته وعيوبه.
وفي اختياراتها البصرية، ركزت على التفاصيل الدقيقة: الكلمات المكتوبة على الأبواب، تفاصيل الطريق والمحطات، وألوان التذاكر المختلفة. اسمعت مريم إلى آراء متباينة. أعجبها وصف أحدهم: “إسكندرية من غير الترام زي عروسة من غير زفة”. بينما صدمها راكب آخر بواقعيته حين قال: “التراث د للناس الفاضية. أنا عايز أركب وأروح شغلي، أحسن ما أستنى الترام ربع أو نص ساعة عشان التراث”.
انبهرت مريم بمدى اختلاف الآراء بين المؤيد والمعارض. لكنها في كل الأحوال كانت تتمنى تأجيل قرار الإيقاف والتطوير لعدة سنوات.
اقرأ أيضا:
في مئويته: هل كان «يوسف شاهين» ممثلا مقموعا صار مخرجا ديكتاتورا؟
في عوالم «داوود عبد السيد»: رثاء شخصي لمخرج علمني حب الحكمة والحكاية والحياة
علاء خالد يحاور داود عبدالسيد: الحياةُ في النهاية رحلةٌ، بشكلٍ ما، حزين



