تحت التهديد.. ما مصير الآثار المصرية في أوكرانيا؟

الكنوز الأثرية لمتحف «أوديسا» أقدم متاحف أوكرانيا مهددة بالتدمير تحت القصف الروسي. ومن بين كنوز المتحف ما يقرب من 800 قطعة مصرية في العرض، و500 أخرى فى المخازن. ما مصير هذه القطع..وكيف يمكن حمايتها؟ «باب مصر» يستعرض الأمر.

الكنز المصري

يستقبل متحف أوديسا الأثري التابع للأكاديمية الوطنية للعلوم في أوكرانيا وأقدم متحف أثري في أوكرانيا، الزائر، بمجموعة متنوعة من الآثار تشمل عصور وحضارات مختلفة. بدءا من آثار العصر البرونزي والتماثيل اليونانية عند بداية المتحف مرورا بمنحوتات الحدائق، حتى يتم الوصول إلى “الكنز”. كما يُطلق عليه إدارة المتحف وهي لمعروضات المصرية القديمة. ووفقا لحساب تقديري عن إحتمالية قصف المتحف، فإنها مهددة بالخطر إثر الحرب المندلعة بين روسيا وأوكرانيا.

من المعروف أن المتحف يعرض مجموعة الآثار المصرية القديمة المُقدر عددها بحوالي 800 قطعة. تصفه أوكرانيا بأنها مجموعة لا تقدر بثمن وأنها مفتاح أي بحث مصري. ولكن ما لا يعرفه الكثيرون أن متحف أوديسا يضم 500 قطعة مصرية قديمة أخرى غير معروضة، منها: 4 مومياوات، 11 تابوتا، جزءا من جدار مقبرة، 8 مسلات جنائزية، 11 تمثالا، حوالي 100 قطعة من الأوشبتي، زخارف خزفية، تمائم، جعارين، أواني فخارية، صناديق لمستحضرات التجميل، مفتاح، مسند للرأس، أحذية جلدية، عينات من أنسجة وغيرها من المصنوعة اليدوية.

هل تمتلك أوديسا آثار مصر قانونيا!

هذه القطع لم يرها أيا من الزوار من قبل. إذ ظلت حبيسة مخازن المتحف لفترة تزيد عن اثنتى عشر عقد. مما يدفع بالشك في مدى أحقية المتحف في الحصول عليها. إذ أنه حال امتلاك المتحف أوراق ثبوت ملكيتها يمتلك الحق في عرضها، ولكنها حتى الآن لم تُعرض من قبل. بالإضافة إلى عدم التأكد من صحة بيانات المتحف عن عددها وهل هي تزيد عن 500 قطعة أم لا.

حصل «باب مصر» على نسخة باللغة الأوكرانية من التقرير العلمي الأخير الصادر عن اجتماع هيئة رئاسة الأكاديمية الوطنية للعلوم في أوكرانيا بتاريخ الرابع من ديسمبر 2019. وأوضح مدير متحف أوديسا د. بروياكو إيجور فيكتوروفيتش الكثير من معلومات عن تاريخ الحصول على هذه القطع ودرجة حمايتها.

هذا التقرير كان مخصص لإحدى مجموعات متحف “أوديسا”. وهي مجموعة الآثار المصرية القديمة،، التي تستحق اهتماما خاصا لعدة أسباب أبرزها قيمتها العلمية. إذ أجمع كل العلماء في أوكرانيا أنها المجموعة الوحيدة صاحبة أعلى قيمة، وتتكون من أكثر من 800 قطعة.

يتناول التقرير مجموعة واسعة من القضايا المتعلقة بتاريخ التكوين وحالة المجموعة المصرية القديمة، والمخزنة في متحف أوديسا، بإعتبارها أكبر مجموعة من الآثار في أوكرانيا.

وعند الوصول إلى إشكالية أوراق ثبوت ملكيتها كتب مدير المتحف عن بعض القطع:

“في عام 1894 تلقت الإمبراطورية الروسية 6 صناديق تحتوي على كنوز مصرية. من بينها 5 توابيت و49 قطعة أثرية، مرفقة بوثيقة تثبت شراءها. ولكن حتى الآن لم يتم عرض هذه الوثيقة سواء في المتحف أو عبر أي جهة أوكرانية. تمت ترجمة وإعداد الوثيقة للنشر والتعليق عليها في الثمانينيات من قبل عالم المصريات السوفيتي أود بيرلف، ولكنها محفوظة في أرشيف ولاية أوديسا ولم يتم نشرها بعد”.

كيف نسترد الآثار المصرية؟

يضع هذا الجزء من التقرير الكثير من الاحتمالات، عن سبب عدم عرض القطع أو الوثائق حتى الآن، وهل وفي حالتي الحرب وامتلاك الوثائق، أو توقف الحرب وعدم امتلاك المتحف وثائق الملكية هل يحق لمصر المطالبة باستردادها. إذ يقدر عددها إجمالا حوالي 1300 قطعة آثار مصرية؟

وفي هذا الشأن، يوضح د.محمد الشهير، الخبير القانوني والمحكم الدولي، أن الجهة المسؤولة قانونا هي إدارة الآثار المستردة بوزارة السياحة والآثار. من خلال التعاون مع منظمة اليونسكو، والجهات المعنية في الدولة الموجود بها الآثار.

مشيرا إلى أنه توجد حالتين يتم التصرف على أساسهما. ففي حالة خروج الآثار المصرية ووصولها بطريق غير مشروع. فإن المادة الثالثة عشر من اللائحة التنفيذية لقانون حماية الآثار تنص صراحة على عدم سقوط الحق في إقامة دعوى استرداد الآثار المهربة للخارج بالتقادم أيا كانت. وبمجرد نهائية الحكم الصادر بإستعادة الآثار، يمكن التواصل مع جهات إنفاذ القانون بالدولة المعنية لتسليم الآثار المهربة إلى الدولة المصرية. ويتم تنسيق هذه العملية من خلال السفارة المصرية في الدولة المضيفة.

أما عن الآثار المصرية الموجودة بالمتاحف الأوكرانية، يوضح أن إستعادتها يحتاج لجهود دبلوماسية أكثر من النواحي القانونية. فعلى الرغم من حالة الخطر المحدق التي تهدد هذه القطع الأثرية بسبب النزاع المسلح الدائر هناك. إلا أنه يمكن للدولة المضيفة أن ترفض إعادة القطع الأثرية تحت دعوى قدرتها على الحفاظ على هذه الآثار. أو عن طريق القول بأن المتاحف تلعب دورا مهما كمستودع للإنجازات الثقافية للجنس البشري. خاصة وأن موافقة الدولة الأوكرانية في هذه الحالة سيمنح مصر قرينة قانونية تمكنها من المطالبة بالآثار الأخرى المنتشرة في المتاحف الأوروبية.

اتفاقية «لاهاي»

ومع ذلك يمكن للدولة المصرية أن تستند إلى اتفاقية «لاهاي» المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية، المبرمة في عام 1907، التي قررت مبدأ حصانة الممتلكات الثقافية، حتى في حالة الحصار أو القصف. ويضيف المحكم الدولي أنه بإعتبار أن حماية الممتلكات الثقافية هو حق من الحقوق العالمية لحماية ذاكرة الشعوب وضميرها الجماعي وهويتها، ولكن أيضا ذاكرة وهوية كل فرد من الأفراد الذين يشكلونه، وهذا الحق له أصله في قواعد القانون الدولي الإنساني.

فضلا عن الاستناد إلى اتفاقية «لاهاي» لحماية الممتلكات الثقافية في حال النزاع المسلح التي تم إبرامها في عام 1954. ويوضح أن المادة الثانية عشر منها أجازت نقل الممتلكات الثقافية إلى إقليم آخر، بناءً على طلب الطرف المتعاقد صاحب الشأن، لوضع الآثار تحت حماية خاصة وفقا للشروط المنصوص عليها في هذه الاتفاقية.

وفي حالة رفض الدولة المضيفة التي تقع الحرب على أرضها عقد اتفاقية خاصة لنقل الآثار وحمايتها. فيمكن للدولة المتضررة في هذه الحالة أن تطلب حل النزاع بطريق التوفيق، أو أن تطلب معاونة هيئة اليونسكو.

حماية الآثار خلال الحروب

المطالبة بالآثار المصرية مازال أمرًا غير محتمل تنفيذه، خاصة.إذ اتخذت السلطات الأكرانية قرارا بتأمين المتاحف ونقل القطع الأثرية المعروضة إلى مكان أكثر مكانا، وعن تجربة حماية الآثار خلال الحروب. يروي د. يوسف كنجو، الباحث في معهد دراسات آثار الشرق القديم، جامعة توينجن في ألمانيا تجربته كمدير سابق لمتحف حلب الوطني والإجراءات التي اتخذها لتأمين المتحف خلال الحرب السورية.

من خلال تجربته على حماية الآثار السورية، يوضح كنجو لـ«باب مصر» أن هناك إجراءات يتم اتخاذها مباشرة عند بداية الحرب وإن أمكن قبل ذلك. منها الإخلاء السريع للمجموعات الأثرية من مكانها في العرض المتحفي إلى المستودعات، التي يجب أن يتم تحصينها بشكل كبير. مثل عمل جدران من الأسمنت المسلح ووضع أكياس الرمل، إغلاق جميع الأبواب والنوافذ المؤدية إلى المتحف والمستودعات بأبواب حديد.

ويتوقع أن إدارة متحف “أوديسا” عن مكان أكثر أمانا خارج المتحف لنقل المجموعات المصرية إليه. على أن تتوفر فيه شروط الأمان والحفظ. ويضيف: “يمكن نقل القطع الأثرية خارج البلاد إذا وافقت السلطات المسؤولة على ذلك”.

رحلة الآثار من مصر إلى أوكرانيا

ولكن في حالة التأمين وموافقة السلطات على نقلها خارج أوكرانيا، فإن المجموعة المصرية ستظل في حالة تنقل منذ اللحظة الأولى التي تم العثور عليها حتى الآن. إذ يرجع تاريخ جمع هذه المجموعة إلى القرن التاسع عشر. كان أساس هذه المجموعة عبارة عن عدد من الآثار المصرية القديمة، التي تم التبرع بها إلى المتحف في عام 1826 وعلى وجه الأخص لمديره آنذاك «جان بول»، واسمه الحقيقي «إيفان بافلوفيتش» (1831 -1772) عالم الأثريات وأحد أوائل الباحثين في الآثار الكلاسيكية لجنوب أوكرانيا وشبه جزيرة القرم.

تضمنت المجموعة العديد من القطع المصرية القديمة المميزة. ويعود تاريخ جمعها إلى أربعينيات القرن التاسع عشر. حيث تم تجديد المتحف بشكل أساسي اعتمادا على القطع التي جلبها معهم الأطباء الذين زارو مصر لمهمة إنسانية، وهي مساعدة السلطات المحلية والمؤسسات الطبية المصرية في مكافحة الطاعون الذي انتشر وباءه من بلد لآخر.

وهكذا حتى عام 1843، حين تبرع رئيس الخدمات الطبية الفرنسية «ستيب كلوت باي» بجزء من جدارية مزخرفة. فيما تبرع الأطباء «فراشكو» و«أومانيتس» بـ3 قطع أثرية أخرى. وفي عام 1846 تبرع الأرشمندريت بورفيري بمومياء محنطة واثنين من طائر أبومنجل مُحنط، و6 قطع أثرية كان قد حصل عليه خلال رحلته إلى مصر، التي دونها لاحقا في كتابه الأشهر «رحلة عبر مصر والأديرة» المنشور في عام.

200 تابوت هدية من عباس حلمي الثاني

ذكر مدير المتحف في تقريره العلمي عن أصول المجموعة المصرية، واقعة لم يتم التأكد من صحتها، وهي ارتباط هذه الآثار أيضا بالواقعة الشهيرة للخديوي عباس حلمي الثاني. حين أهدى 17 دولة أوروبية بعد تنصيبه، أكثر من 200 تابوت خشبي معبأ بالآثار وذلك في عام 1893. ولم يتضح حتى الآن ما هو السبب.

ولكنه أوضح مكانهم الحالي، هذه القطع قامت اللجنة في منطقة أوديسا التعليمية بتوزيع القطع الأثرية المُستلمة بين العديد من متاحف الجامعات. ثم نقلهم إلى متحف “جامعة نوفوروسيسك” المعروفة حاليا بجامعة أوديسا الوطنية الحديثة. وتم تضمينهم في مجموعة متحف أوديسا الأثري فقط في عام 1923.

بالإضافة إلى هذه القطع الأثرية يضم المتحف الآن القطع الأثرية التي أهداها الخديوي عباس حلمي الثاني، والتي جاءت لأول مرة إلى المتحف الأثري بجامعة «سانت فلاديمير» في كييف ثم إلى متحف ولاية كييف التاريخي. وفي عام 1959 تم نقله إلى متحف أوديسا الأثري وكان هذه آخر إضافة إلى مجموعة المتحف خلال الحقبة السوفيتية.

آثار مصرية – ملكية خاصة!

في عام 1923 تم تجديد المتحف بمجموعة كبيرة من الآثار المصرية، والتي تم جمعها في منتصف القرن التاسع عشر في مصر من قبل طبيب مشهور يدعى «ريشيليو ليسيوم أرتيمي رافالوفيتش»، والذي سافر في أنحاء مصر خاصة في مناطق الدلتا لتكوين مجموعته الخاصة، والتي لم تفقد أهميتها حتى الآن.

تم تسجيل مجموعته الخاصة ضمن المؤسسة، التي تحمل اسمه «مؤسسة رافالوفيتش». وتضم أكثر من 100 قطعة أثرية. وتتكون من مجموعة تمائم وبقايا نباتية ومسند للرأس، ووعاء من المرمر وتمثال صغير ملكي وأواني صخرية، بالإضافة إلى وعاء من الألباستر ذو تاريخ مجهول.

استمرت الإضافات إلى هذه المجموعة. وفي ثلاثينيات القرن العشرين لم يستلم المتحف سوى بعض القطع من الآثار المصرية، كانت أهم مساهمة في متحف أديسا الأثري في هذه الفترة، هي القطع الأثرية من مجموعات الدكتور «أغسطس» والبروفيسور «س. سيمينوف زوسر». ومنها تماثيل بازلت وصلت إلى المتحف في عام 1938 كما مدون في بطاقتها بالمتحف.

القيمة العلمية  للآثار المصرية

هذه المجموعة من الملكيات الخاصة مازالت غير معروضة أيضا. وعن سبب عدم عرضها أوضح مدير المتحف -في تصريحات سابقة- أن متحف أوديسا أصبح أكثر تواضع مقارنة بغيره من المتاحف والمؤسسات الإقليمية، من حيث علم الآثار والتاريخ القديم. وقال: “من المؤسف سماع ملاحظات بعض الزوار وخاصة الأجانب عن تواضع متحفنا”.

وعن القيمة العلمية ودراسة تاريخ المجموعة، تم تسجيلها بناء على معلومات أصلية ترجع إلى تقارير «بيرني» المكتوبة عن دراسة القطع لاأثرية من مجموعة المتحف إلى عام 1839، عندما رسم الفنان كارلو بوسيلي رسومات تحدد مكان استخراج بعض القطع وتاريخها. لكن أول وصف تفصيلي للمجموعة المصرية من متحف أوديسا الأثري قد قام به عالم المصريات الروسي البارز «بوريس تورايف» في عام 1912. وفي ذلك الوقت كان عدد القطع حالي 300 قطعة فقط.

وفي ثلاثينيات القرن الماضي، تمت دراستها من قبل «سرجيوس دونيش» الذي جمع المعلومات عنها في شكل كتالوج. ولكن على حد وصفه في تقريره العلمي، فإن المخطوطة ضاعت. وتم التوصل إلى تاريخ عدد محدود من هذه القطع بواسطة علماء مصريون ولكن الكثير منها ما زال مجهولا. وفي عام 2007 تعرف وفد مصري بقيادة أحمد رضا، مدير إدارة ترميم الآثار في متاحف شمال سيناء حينها على تاريخ عدد من القطع الأثرية.

اقرأ أيضا

تجارب من دول أخرى: كيف تحافظ الحكومات على تراث المدن؟

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى