تجليات قناة السويس في الشعر الشعبي

أن تبحث عن مفردة في الشعر الشعبي معناه أنك تمارس لعبة خطرة، لأنها قد توقعك في خضم بحر واسع متلاطم الأمواج دون الوصول إلى بر يأمن إليه. لكن على قدر الخطورة تكمن المتعة حينما تتكشف العلاقات التي تجتذبها تلك المفردة وعلائقها التاريخية أو الجمالية أو حين تتصدر السياقات الشعرية في النصوص المجموعة ميدانيا. أو عندما تذوب في النص لتأتى صراحة أو ضمنا.

وهل “القناة / القنال / الكنال” مجرد مفردة على الواحد تتبعها. أم مكان له تعينه وتاريخه وبشره وأيقونته، بل عالم تتعالق به مجموعة من الحقول الدالة (تصورات ما قبل الاستعمارـ الحلم ـ الجدود ـ الطموح  ـ الاستبداد  ـ الاستغلال  ـ السخرة ـ المكان ـ التاريخ ـ النضال ـ الحروب ـ الأثر ـ البشر ـ الطبوغرافية ـ السلطة ـ الإدارة ـ الاتصال بالعالم الخارجي ـ العالم الداخلي الخاص ـ الحاضر ـ المستقبل – المعارف – الخبرات – التصورات – الفنون القولية – الحرف التقليدية … إلخ).

وإذا تتبعنا ما يتعلق بهذه المفردة سنفتح أفقا مهما متصلا بدورة حياة القناة ـ بداية من المشروعات والأحلام التاريخية مرورا بالحفر والسخرة و وصولا للتأميم والحروب التي مرت على المنطقة وانتهاء بحاضرها ومستقبلها. بل بمستقبل البشر الذين يعيشون عليها. ومن هنا سنجد أنفسنا أمام سراديب متصلة لم يقم البحث الميداني بمتابعتها ورصدها بشكل يليق بالحدث التاريخي/ الجغرافي / السكاني المهم.

**

إن للقناة معجمها الخاص الذي يمتح من تاريخ المنطقة وأحداثها، ولا نعنى بالمعجم مجموعة المفردات فحسب. لكن المعجم يتعلق بجنس الثقافة الشعبية وما تضم من عادات وتقاليد وخبرات وتصورات وفنون قولية. لعل منها أشكال الشعر الشعبي، ووجوده صار ضرورة علمية ولغوية وثقافية ولتكون بداية المعجم بالمفردات التي تتحلق حول القناة وسياقتها المتعددة. على أن يتم تصنيفها موضوعيا وتصنف المفردات تحت كل موضوع ألفبائيا. وليكن الشعر الشعبي أولى المصادر التي نستقى منه المفردات التي تخص القناة أو تختص بها لتكون نواة نفتح الحوار حولها. وأثق أن جمع هذا المعجم سوف يوفر للباحثين مادة تعينهم على تعميق الدرس وتقدم للمبدعين الأفراد مادة مصدرية تتيح لهم الاستلهام منها وتوظيفها. خاصة وأن البعض قد فقد فضيلة الدهشة أمام تواتر المفردات.

تزخم منطقة القناة بكنوز من الشعر الشعبي الذي واكب حقبها التاريخية وأحداثها الوطنية والاجتماعية. ولم تزدهر فنون الشعر وما صاحبها من أداءات موسيقية وحركية إلا مع وجود القناة. الأمر الذي يؤكد أن تخلق أجنة الشعر الشعبي ونموه لم يكن وليد نزعة جمالية لا تركن إلى أبعاد اجتماعية ترسخت بفعل الأحداث. وصدقت عليها الجماعة الشعبية فأكسبت بتصديقها شعبيته. رغم أن عددا عظيما من النصوص نعرف مؤلفه. الأمر الذي يدعونا لإعادة النظر في مفهوم الشعبية بعيدا عن الجمل المصكوكة التي تجعل من مجهولية المؤلف خصيصة من خصائص الشعبية.

**

كما أن الشعر الشعبي في هذه المنطقة قد دخل إلى مناطق وأزمنة متعددة. وهو ما يدعونا إلى محاولة البحث في كيفية مواجهة هذا النوع من الشعر لحالات وظواهر اجتماعية واقتصادية تزاحمت على المنطقة. واستطاعت النصوص الشعرية الشعبية رصدها عبر أزمنة متعددة. وهو ما يجعل النصوص مرآة مصقولة لمعاينة ما حدث للمنطقة من تماوجات سياسية واجتماعية واقتصادية كانت بالغة الأثر على منطقة القناة. بل على وجه أكثر دقة كانت شديدة الأثر على وجه الحياة في مصر بكاملها.

ولعل البحث عن القيم – بوصفها ملمحا سيسيولوجيا – أية قيم داخل النماذج الشعرية قد يوقعنا في غواية البحث عن قيمة هنا. أو قيمة هناك دون الالتفات إلى القيم الجمالية التي هي عماد الشعر. من هنا لا يجب أن نجرى وراء نص بحثا عن محتواه دون أن نولى الشكل عناية كبيرة رغم ما يعتور بعض النصوص من مشكلات ربما تكون وزنية أو تدوينية أو أسلوبية.

**

لذا لابد من لفت الانتباه إلى أن الغوص في رصد بعض القيم لا يعنى حكما بالقيمة وإن كان يتضمنها. فالشعر الشعبي رؤية تكتمل بالصورة والتراكيب والموسيقى. ولا يمكن أن يوقعنا البحث في غواية ملاحقة المضمون فحسب.

كما لا يمكن التعامل مع الشعر بمعزل عن الظروف التي أنتجته. فمن حفر القنال والسخرة إلى افتتاحها إلى الحروب المتصلة، بداية من مواجهة الاحتلال الإنجليزي. ثم النصر المؤزر في 1956. وهو النصر الذي كان ذو تأثير كبير على فورة الشعر، خاصة الشعبي منه. وعلى وجه دقيق الشعر المغنى الذي صار على ألسنة الناس ابتهاجا واحتفالا وتأكيدا للنصر، بل تأريخا للحظة تاريخية تحفل بقيم البطولة طارحة نماذج من الأبطال. معلية من قيم الفداء، وما يستتبع ذلك من القيم المتعلقة بالأرض بوصفها علامة تختصر الوطن في المكان الذي كان محط أطماع قوى العدوان. كما يستجلى الحفاظ على الأرض استدعاء النماذج المقاومة بعد احتلال بعض مدن منطقة القناة. ولعل خاصة من خصائص النتاج الشعري المعبر عن هذه يكمن في المباشرة التي تتسلح ببساطة التراكيب دون التورط في معاظلات جمالية.

فالهدف هنا هو مشاركة الشعر الغناء كسلاح مواجه. وإظهار قدرة أبناء الجماعة الشعبية من الأبطال على تجاوز المحنة وتسجيل مجموعة من الأهداف في مرمى التاريخ وضمنها بالتأكيد الهدف الشعري، الذي يعد تتويجا فنيا يسجل لقيمة النصر والأرض والفداء والمقاومة. ويؤرخ للقناة كقيمة عظمى. يتضح ذلك بكثافة في الأشعار التي شاركت في الناس مناسباتهم الاجتماعية والوطنية وفي قلبها المعارك التي واجهت العدوان، وما بعدها من نصر احتفالا وابتهاجا وتسجيلا لتفاصيلها عبر شعر الغناء الشعبي.

**

وقد اقتصرت معظم الأشعار على المشاركة بالنصوص الشعرية المغناة في أنساق مباشرة التزمت بتقاليد الأغنية في شكل مقاطع وأقفال يتم ترديدها من جوقة المرددين:

يا بورسعيد شباب ورجال
حاربتي جيش الاحتلال
كانت مؤامرة إنجليزية
مع العصابة اليهودية
 

 

آه يا سلام يا سلام آه يا سلام

الفخر ليكي مدى الأجيال
سبع ليالي وصبحيهمدبره وفرنسيه
سبع ليالي وصبحيه(1)

إن المتأمل للنصوص الشعرية الشعبية سيتعرف على أسماء شعرائها الذين لم يبرحوا شعر الغناء إلى أية تصنيفات نوعية أخرى. عدا المسرحي الكبير الراحل عبدالرحمن عرنوس الذي اتجه للمسرح وكون فرقة شباب البحر التي مارست نشاطها في القاهرة. بينما يتنوع إنتاج كامل عيد بين كتابة الأغنية وممارستها عبر تكوينه لفرقة شباب النصر وهي الفرقة الوحيدة التي تكونت داخل بورسعيد. بينما كان كابتن غزالي (السويس) يقود فرقة ولاد الأرض ويجوب مصر معها منشدا أغنياتها الشعبية في مدن مصر. تغنى حافظ الصادق (الإسماعيلية) مع فرقة الصامدين ليواجه بهدير الغناء طلقات الرصاص والمدافع على أرض مدن القناة. وساهم إبراهيم الباني في إنشاء فرقة شباب المهجر للسمسمية برأس البر، أيام حرب الاستنزاف لتشارك الشعب المصري في المقاومة بالغناء دفاعا عن مصر ومدن القناة وجيش مصر العظيم.

**

وتتسم هذه النصوص بالجماعية حيث تكاد تخلو من النزعات الفردية وابتعادها عن ضمير الأنا. فتتبع هذه النوع من الكتابات يشير بكثافة إلى ضمير الـ”نحن” ولسنا بحاجة للتدليل على ذلك بالنصوص. لأن معظمها حافل بالاستشهادات التي يمكن أن تؤكد ذلك. وإذا تأملنا معظم النصوص الشعبية أو النصوص التي سارت على منوالها أو التي استلهمت ووظفت النص الشعبي. سنجد عمقا تاريخيا يضع الظرف الاجتماعي في متون النصوص الشعرية. ذلك أن شعر الغناء الشعبي في المنطقة يمكن رده  إلى ما هو أبعد من الثقافات التي تفاعلت واختمرت أثناء شق المجرى الملاحي لقناة السويس أو بعده.

فعبر التاريخ شهدت المنطقة حضارات متنوعة ونشأت على أطرافها وفي القلب منها مدن كانت علامات مثل البلوزيوم، الفرما، تنيس، دمياط. وكانت هناك قبائل البدو مثلما كان هناك صائدو الأسماك ولأن المنطقة كانت ملتقى للقوافل التي يروم أفرادها التجارة أو الحج. فكان الطريق البرى بين البحرين المتوسط والأحمر مشغول بالحركة ومزدحم بالتجار وأصحاب الحانات ولو في هيئة خيام والحمالون والحداة وجباة الضرائب وقطاع الطرق والجنود ولكل من هؤلاء أهازيجه وأغانيه. (2)

فشخصية أبناء القناة، مقاومة بطبعها لا تأمن للوافد، وتسخر دوما من الغزاة والمحتلين. وقيمة الوطنية عندهم ترتبط بقيّمهم الأخلاقية التي لا يبرحونها ويخرجون عليها كوسيلة للمقاومة. وهو ما يتجلى بقوة في التجريسة التي عرفتها مدن قناة السويس وصارت علامة على مجموعة من القيم التي تعلى من قدر الجماعية والمقاومة الرمزية التي تتجسد في أشكال أقرب للدراما المسرحية. وهو ما يتضح في ظاهرة الليمبي الذي صار علامة على تعرية كل ما هو سلبي وقبيح وقاهر وبالتالي إظهار كل القيم المضادة لما يعريه من قيم سلبية.

**

وإذا كان النص الشعبي قد لعب دورا أساسيا في بث مجموعة من القيم وترسيخ مجموعة أخرى منها تجلت في طرح مجموعة من المفاهيم والتصورات والقيم الوطنية والجمالية والدينية …إلخ. حيث تجلت القيم الوطنية في عدد كبير من هذه الأشعار سواء كانت مجهولة المؤلف أو كان مؤلفها معروفا. ومظاهرها تبدت في دحر الإنجليز والتشفي فيهم أثناء وبعد خروجهم من الأرض. ويتأكد الأمر في امتداح الفدائي المصري وقيمة جمال عبدالناصر الذي منح لرجال الشرق قيمتهم بعد تأميم قناة السويس وتسليح الجيش المصري:

ما تقوليش .. ما تعدليش
الوقت أثرها في مصر ما فيش
ما تقوليش على شعب النيل
قوات نبيلة وشعب أصيل
ما تقوليش على رأي جمال
بهمتـــــــه أممنـــــــــا قنـــــــــــال
ما تقوليش علي عملناه
في بور سعيد إحنا ضربناه
كانت صحيح هنا الإنجليز
ما تقليش .. ما تعدليش
إللى ما لوش في الدنيا مثيل
زي الفدائي المصري مفيش
إللى جعل في الشرق رجال
بهمتـــــــه سلحنـــــا الجيش
مع العدو إللي طردناه
علقة وبعدها مش ها يعيش(3)

إن الشاعر الشعبي لا يبدع إلا من خلال قيمة الجماعية. أي من خلال منظومة قيم الجماعة الشعبية وعاداتها ومعتقداتها متسقا مع وجدانها الشعبي، واتساقا مع الفرضية الأساسية  التي تقول إن تطور فكرة الثقافة – وضمنها الإبداع – في فترة معينة يرتبط ارتباطا وثيقا وضروريا بـ”طريقة الحياة” السائدة على نطاق عام. فضلا عن ارتباطه بالأحكام الجمالية والأخلاقية والاجتماعية التي تتشابك فيما بينها تشابكا قويا. (3)

**

ولأن الشعر الشعبي المرتبط بقناة السويس كثير ومتعدد ويلاحق أحداثا جساما مرت بالمنطقة. من هنا يمكننا أن نمسك ببعض مفاصله، لنؤكد أن قطرة من الدم تكفى لمعرفة الفصيلة. فعدد النصوص المجموعة ميدانيا هائلة، لذا سنطل على عدد من العناصر التي استدعت الشعر الشعبي في ارتباطه بمنطقة القناة – لا يعنى الارتباط هنا ذلك الارتباط المباشر المتمثل في مفردة أو جملة. لكنه يعنى إحاطة النصوص بالسياقات التاريخية والرؤيوية والفنية – بأنواعها وأشكاله المختلفة، وتكمن التجليات الشعرية المرتبطة بقناة السويس في التجليات المباشرة للقناة في بعض النصوص – اللنبي والحس الشعبي الساخر- حرب الألمان: 1939 – 1945-  المقاومة الشعبية في الإسماعيلية- حرب 1956- 1973:1967 وما بينهما- تأميم قناة السويس- حاضر المنطقة ومستقبلها.

إن المتأمل للنصوص الشعرية الشعبية التي تعالقت بالقناة سيجدها ذات ملامح شديدة الخصوصية. ورغم الجهد الذي بذله كتيبة مخلصة من الباحثات والباحثين في جمع ودراسة المأثور والتراث الشعبي المرتبط بمنطقة قناة السويس. إلا أن أي زعم بأن مسحا شاملا لتراث ومأثور المنطقة قد تم فإنه يجافى الحقيقة. كما لا نزعم أن يكون بمقدورنا تغطية الجولات داخل النصوص، فضلا عن السياقات الثقافية التي تحوطها. خاصة وأنها مازالت ممتدة، بل وفاعلة رغم عدم انتشارها كما كان في فترات تخلق أجنتها الأولى.

الهوامش

(1) أغنية يا بورسعيد شباب ورجال، كلمات وألحان محمد أبويوسف، راجع، كتاب بورسعيد أنغام النصر من إعداد كامل عيد، دراسة وتقديم قاسم مسعد عليوة، إقليم القناة وسيناء، ع (2)، 2000.

(2) السابق.

(3) أغنية مجهولة المؤلف، راجع، قاسم مسعد عليوة – مسعود شومان، النص الشعري الشعبي في منطقة القناة وحس المقاومة، دراسة ميدانية تحليلية، الهيئة البعامة لقصور الثقافة، 1996.

اقرأ أيضا

«اللى فتح باب خراب واجب عليه رده»: أغنية محمد منير بين الاستلهام والانتحال

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى