دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«تجفيف السمك» في القصير.. موروث شتوي من ذاكرة البحر الأحمر

تشهد مدينة القصير خلال هذه الفترة موسم تجفيف الأسماك، الذي يعرف محليا باسم «السمك الناشف»، ويعد من أشهر الأطباق التي يتوارثها أبناء المدينة جيلا بعد جيل. فهذا الطبق لا يغيب عن موائد القصير، ولا يفارق محال بيع الأسماك منذ بداية موسم الشتاء. حيث تمتلئ شوارع المدينة أمام الدكاكين وشوادر السمك بالأسماك المعلقة في مراحل التجفيف المختلفة، في مشهد يعكس موروثا قديما ارتبط بشتاء البحر الأحمر وعيد الفطر.

ويبدأ الاستعداد لتجفيف السمك في القصير منذ مطلع شهر رجب، تمهيدا لبيعه قبل عيد الفطر بيومين أو ثلاثة. وعلى الرغم من اختلاف التوابل وطرق التقديم من منطقة إلى أخرى. تظل حرفة السمك المجفف واحدة من أهم الموروثات الغذائية التي تعبر عن جوهر مدينة القصير. ولم تنجح المأكولات الحديثة في إزاحتها من موائد البحر الأحمر أو انتزاعها من ذاكرة أهلها.

إعداد السمك المجفف

يشرح متولي محمد متولي، أحد أبناء مدينة القصير وصاحب محال متخصصة في بيع السمك المجفف لـ«باب مصر» تفاصيل هذه الحرفة التي توارثها أهل المدينة عبر السنين، قائلا:

“تبدأ رحلة تجفيف السمك بعد إحضاره من البحر بفتح السمكة إلى نصفين. ثم كبسها جيدًا بالملح وتركها ليوم كامل حتى تتشبع به، ثم يتم غسلها من مياه البحر وفردها تحت أشعة الشمس لمدة تتراوح بين ثلاثة أيام وأسبوع. وفقًا لحالة الطقس ونوع السمك”.

موسم تجفيف السمك في القصير.. تصوير: إسراء محارب
موسم تجفيف السمك في القصير.. تصوير: إسراء محارب
أهمية السمك المجفف

يكمل متولي أنه عقب اكتمال مرحلة التجفيف، يتم يحفظ السمك في جوالات من الخيش ليظل صالحا حتى موسم البيع، الذي يتركز في فصل الشتاء وأول أيام عيد الفطر. ويحرص الأهالي على تناوله بوصفه طبقا تقليديا ارتبط بعادات غذائية قديمة. وحسب الموروث الشعبي، كان الأجداد يعتقدون أنه له دورا مهما في “ربط البطن” وتقويتها بعد صيام شهر رمضان.

ويشير خالد تغيان، أحد أبناء مدينة القصير، إلى أن وصفة السمك المجفف ترتبط في أذهان الأجيال بالأعياد والدفء الأسري وتجمع الأقارب في أيام العيد. فضلا عن كونها تنقل تاريخا طويلا من الخبرة والمعرفة عن الأجداد. الذين كانوا يختارون أنواع السمك المناسبة للتجفيف. ويحددون كمية الملح وعدد أيام التعريض للشمس، إلى جانب أساليب الطهي التي تمنح الطبق مذاقا خاصا يعبر عن الطبيعة الساحلية للمدينة.

ويذكر طه حسين الجواهري في كتابه عن تاريخ القصير أن أهالي المدينة يتفننون في إعداد أطباق مختلفة من الأسماك، تتصدرها (الصيادية)، وهو طبق تقليدي من السمك والأرز المطبوخ بالبصل المحمر. ويشتهر هذا الطبق أيضا في الجانب الشرقي من ساحل البحر الأحمر. إلا أن كل منطقة لديها طريقتها في اختيار التوابل والأسماك المتوفرة لديها. إلى جانب السمك الناشف الذي يميز المطبخ القصيري، وغير المعهود في باقي مناطق مصر الأخرى، والذي اشتهر به سكان القصير منذ القدم، ويؤكل عادة في يوم عيد الفطر وخلال فصل الشتاء. حيث يملح السمك ويجفف ثم يُطبخ إما بالغلي أو بالخبز في الفرن.

أصل الحكاية

يتابع متولي أن تاريخ تجفيف السمك في القصير يعود إلى العصر الفرعوني. حيث لجأ القدماء إلى هذه الطريقة لحفظ الأسماك، وكانوا أحيانا يدفنونها في الرمال على شاطئ البحر لحمايتها، ثم يتم استخراجها للأكل. وأوضح أن هذه الطريقة تعود إلى الصيادين القدماء الذين كانوا يقضون شهورًا طويلة في رحلات الصيد دون وجود وسائل حديثة لحفظ الأسماك.

ولذلك، كان الصياد يضطر إلى فتح السمك بطريقة معينة ووضعه في الملح لفترة. ثم تركه ليجف تحت أشعة الشمس. وأكد أن ليس كل أنواع السمك تصلح للتجفيف. بل توجد أنواع مثالية لهذا الغرض، مثل الحريد والشعور.

السمك المجفف في القصير.. تصوير: إسراء محارب
السمك المجفف في القصير.. تصوير: إسراء محارب
طريقة تحضير وطهي السمك المجفف

يوضح متولي أن طريقة إعداد السمك المجفف للطهي تبدأ قبل عيد الفطر بيومين، من خلال نقعه في الماء لمدة يوم كامل. ثم يتم طهيه مع الصلصة والطماطم والفلفل الأخضر والتوابل فيما يُعرف بـ”التسبيكة”. التي يتم إعدادها من البصل والطماطم والصلصة. ويتم تخليص السمك من الجلد والشوك قبل وضعه في التسبيكة. وتُتناول هذه الوجبة صباحا بعد صلاة العيد.

أنواع وأسعار السمك المجفف بالقصير

يتابع متولي أن عملية تجفيف السمك تؤدي إلى زيادة نسبة الفسفور فيه لتصل إلى نحو 300%، ليقارب في قيمته الغذائية سمك السرمباك.

ويشير إلى وجود أنواع عديدة من السمك المجفف، منها “أبو قرن بكار” و”أبو قرن العادي”. وهي أنواع غنية باللحم يمكن فصلها وتناولها كمقبلات أو “تسالي” وهي جافة. ويؤكد أن من أكثر الأنواع طلبا وأعلاها سعرا سمك الحريد. حيث قد يصل سعر الكيلو منه إلى نحو 800 جنيه، يليه سمك السمار ثم سمك أبو قرن.

ومن جانبه، يقول أيمن طه خليل، أحد الصيادين، إنهم منذ بداية شهر رجب وحتى قدوم عيد الفطر المبارك يبدأ الصيادون في تجهيز وجباتهم وتجفيف الكميات المطلوبة من السمك المملح استعدادا للموسم، الذي يتزامن مع عيد الفطر. حيث يحرص أهالي محافظة البحر الأحمر من الشمال إلى الجنوب على إعداد طواجن السمك المجفف خلال أيام العيد. كنوع من تهيئة المعدة بعد صيام شهر كامل، كما اعتاد الأجداد.

ويضيف أنهم نشأوا على الاعتقاد بأهمية السمك المجفف في تلطيف وتخشين المعدة. وإعدادها للعودة إلى النظام الغذائي الطبيعي والوجبات اليومية. بعد أن اعتادت على الصوم لمدة ثلاثين يوما خلال شهر رمضان الكريم.

اقرأ أيضا:

«الإسكلة البحرية» بالقصير.. بين الإهمال الرسمي ومحاولات الإنقاذ الشعبية

«شونة الغلال» بالقصير.. صرح تاريخي مهجور يروي حكايات التجارة والقوافل

«لمسة مصرية».. معرض لإحياء التراث الثقافي ودعم الحرفيين بالبحر الأحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.