دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

خلال أيام قليلة، تودع الإسكندرية، ترامها الشهير بعرباته الصفراء والزرقاء التي طالما جابت شوارعها منذ عام 1863. الترام، الذي يعد الأقدم في إفريقيا والشرق الأوسط، لم يكن مجرد وسيلة لنقل الركاب، بل أيقونة بصرية وجزءاً لا يتجزأ من الهوية السكندرية الكلاسيكية.

إذا اطّلعنا على بعض الصور القديمة للإسكندرية، التي تُظهر ميدان سعد زغلول وجزءًا من شارع صفية زغلول. سنلاحظ بوضوح وجود قضبان لترام الإسكندرية. وإذا عدنا إلى الخرائط القديمة، قبل خمسينيات وستينيات القرن الماضي. سنجد أن خطوط الترام كانت تمتد في شوارع يصعب علينا اليوم تخيّل أنها احتضنت يومًا هذا الصوت الحديدي المتحرّك.

هذا الاختفاء لا يدفعنا إلى البحث في تاريخ الترام من أجل معارضة تطويره. بل من أجل فهم الماضي: كيف تشكّلت المدينة؟ وكيف تمدّدت؟ وكيف صنعتها عربة لم تُخترع في الأصل لنقل الركاب، بل للمناجم؟

الترام مثل الحكواتي

نصعد سلم الترام، ونشتري التذكرة من الكمسري ذو البدلة الزرقاء، وإذا حالفنا الحظ نجد مقعدًا فنطلّ من نافذته. ومع صرير عجلاته الحديدية وهي تستعد للسير على القضبان، تبدأ رحلتنا.

مثل الحكواتي، يسير الترام بنا ويطلعنا على مشاهد متعددة: بحر الإسكندرية، العمارات، المقاهي، العربات، سكان المدينة، أكشاك بيع الجرائد، ورجال المرور وهم ينظمون الحركة في الشارع. ومن هذه النافذة، نشعر وكأننا لا نتحرك في المكان فقط، بل نسير بالزمن داخل مسرح المدينة الممتد عبر السنين.

وهنا يبرز سؤال بسيط: كيف كانت الإسكندرية قبل أن يدخل الترام إلى شوارعها؟

صورة من داخل الترام.. تصوير: ميرنا جوهر
صورة من داخل الترام.. تصوير: ميرنا جوهر
الإسكندرية قبل الترام

وفقًا لما ورد في كتاب «تطور النقل والمواصلات الداخلية في مصر في عهد الاحتلال البريطاني 1882-1914». يمكن القول إن قصة ترام الإسكندرية بدأت مع حصول السير إدوارد سان جون عام 1860 على امتياز لإنشاء خط سكة حديد يصل بين مدينة الإسكندرية ومنطقة الرمل.

وكان المقصود بمدينة الإسكندرية في ذلك الوقت هو قلبها التاريخي حول المنشية ومحطة الرمل. حيث تركزت الإدارة والتجارة والسكن، بينما كانت المناطق الشرقية ضواحي ومصايف خارج العمران.

وكان الهدف من المشروع فتح الامتداد الشرقي للمدينة. فبدأ التنفيذ خلال عامين. وفي عام 1863 تم تشغيل الخط بالقوة البخارية بدلًا من الخيول، وكان يبدأ من محطة الرمل باتجاه منطقة الشيخ إسماعيل (بولكلي حاليًا). كما تم تأسيس شركة سكة حديد الإسكندرية والرمل.

وفي عام 1869 افتتح أول ترام يجرّه حصان بين الإسكندرية ومنطقة شوتس شرق المدينة. ثم امتدت الخطوط لاحقًا إلى سان ستيفانو وزيزينيا، مستخدمة الخيول والبخار.

الترام رسميا على خط الإسكندرية- فيكتوريا

مع نهاية القرن التاسع عشر، استحوذت شركة بريطانية على تشغيل الشبكة عام 1890، وبدأت خطة تحويلها إلى الكهرباء. وفي عام 1903 انطلق الترام الكهربائي رسميًا على خط الإسكندرية- فيكتوريا بطول نحو 14.5 كيلومتر. لتتوسع الشبكة بعدها في اتجاهات متعددة، وتنشأ مسارات موازية في مناطق مثل سيدي جابر، وتُدخل عربات جديدة. وذلك وفقًا لكتاب «Tram and Trolly in Africa».

وبالبحث في خرائط الإسكندرية القديمة وبعض الصور الأرشيفية. نرى بوضوح أن خطوط الترام كانت تمتد في شوارع مثل السلطان حسين وصفية زغلول، بينما لا يوجد اليوم أي أثر لها. وخلال العقود التالية، أخذت الخطوط تترابط وتنفصل. ويُعاد ربطها مرة أخرى. كما شهدت إنشاء أنفاق قصيرة وتحديثات متكررة، وإلغاء بعض الخطوط في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

ولم تكن هذه الخطوط مجرد وسائل نقل، بل كانت طرقًا دخلت منها المدينة إلى نفسها. وربطت أماكن لم تكن يومًا جزءًا واحدًا قبل أن يمر بها الترام.

خريطة للإسكندرية عام 1938 تُظهر امتداد خط الترام في شارع السلطان حسين، أحد المسارات التي اختفت لاحقًا من المدينة.. الصورة من من خرائط مكتبة الإسكندرية
خريطة للإسكندرية عام 1938 تُظهر امتداد خط الترام في شارع السلطان حسين، أحد المسارات التي اختفت لاحقًا من المدينة.. الصورة من من خرائط مكتبة الإسكندرية
الترام بين التطوير والماضي

حين نركب الترام اليوم، لا نرى فقط الإسكندرية من نافذته. بل نرى أنفسنا داخل مدينة تتشكل مساراتها أحيانًا بعيدًا عن قاطنيها.

فحين يُعلن عن التطوير، وتُعرض الخرائط والخطط. تظل التفاصيل في كثير من الأحيان غير واضحة لمن يعتمدون على الترام يوميًا. مثل العامل والطالب والموظف وغيرهم. وبين ما يخطط على الورق وما يُعاش في الواقع، يبقى المستخدم العادي في موضع المراقب أكثر منه شريكًا في النقاش. رغم أن الترام كان في قلب كل تحول عمراني شهدته المدينة.

ففي الإسكندرية، لم يكن الترام مجرد وسيلة مواصلات، بل كان سببًا في اتساع المدينة وظهور أحياء جديدة. كما أن المواصلات ترسم وتحدد شكل حياتنا اليومية. وتحدد المسافة بين البيت والعمل، وبين الناس بعضهم وبعض. لذلك يعد تطوير الترام أمرا ضروريًا. لكن القلق لا يأتي من التطوير نفسه، بل من الطريقة التي قد يتم بها: فهل سيجعل التنقل أسهل فعلًا، أم سيضيف ازدحامًا جديدًا؟

التاريخ بوصفه صلة المستقبل

إن أهمية التاريخ لا تأتي من كونه مجرد مادة للتذكر أو الحنين للماضي، بل من كونه أداة للفهم والتعلم. فما نظنه اليوم طبيعيًا وبديهيًا، كان في الأصل نتيجة قرارات واستثمارات وخيارات سياسية.

فعلى سبيل المثال، كانت بعض أحياء الإسكندرية، مثل زيزينيا وسان ستيفانو، منفصلة عن المدينة في وقت ما. قبل أن يربطها الترام بمركزها. وهكذا حوّل الجغرافيا من ملكيات متناثرة إلى مدينة واحدة مترابطة.

وإذا كان الترام قد ساهم يومًا في صناعة مدينة واحدة من عزب وقرى متفرقة. فإن السؤال اليوم ليس: هل نطوّره أم لا؟ بل: هل نفهم ما الذي صنعه أصلًا؟ لأن ما نعتقد أنه نشأ طبيعيًا.ت كان في يوم ما نتيجة قرار، ويمكن أن يكون اليوم نتيجة قرار آخر.

اقرأ أيضا:

«ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

مدينة لا تكشف أسرارها بسهولة.. الإسكندرية كما تراها جولات «Footnotes»

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.