«بيت الخرزاتي»: حلم سهير القلماوي الذي حققه أحمد مرسي لصون التراث

غيب الموت د. أحمد مرسي، أمس، عن عمر ناهز 78 عاما، بعد مسيرة طويلة في الأدب الشعبي والفلكلور المصري، استطاع خلالها أستاذ الأدب الشعبي والفولكلور بجامعة القاهرة الثورة على محاولات طمس الهوية المصرية.

خاض مرسي حرب ثقافية على مدار عقود طويلة، كأنه يسير بالناي أو الربابة ليجذب الجميع لما يرويه. كانت القصص الشعبية وأهميتها وسيلته في دق ناقوس خطر غياب الهوية، مدافعا باستماتة عن التراث الشعبي عبر استغلال التقنيات الحديثة لصون التراث واستمراره للأجيال القادمة.

تارة عبر الكتب حين كانت الوسيلة الرائجة، وأخرى عبر الندوات والمناقشات، وحديثا عبر إطلاق مقاطع مصورة تحفظ هذا التراث الشعبي. ثم عبر انضمامه إلى السلك الدبلوماسي ممثلا مصر في الخارج، حتى قيادته “حلم العمر” وهو أول أرشيف قومي للتراث الشعبي وأخيرا تسجيل بعضها رسميا في قائمة اليونسكو.

الثائر على العولمة

انتبه عميد المعهد العالي للفنون الشعبية، للحاجة الماسة لحفظ التقاليد الشعبية من التكنولوجيا التي تكاد تفتك بها، ونقلها للشباب لضمان استمراريتها، هؤلاء الشباب الذين يرون العالم تحت “قبعة رعاة البقر”، على حد وصفه في حوار قديم.

شغل منصب هام تلو الآخر، بداية من تدريسه في عدد من الجامعات الأجنبية من بينها هارفارد الأمريكية، بنسلفانيا الأمريكية، تكساس أومتن، جامعة الكويت، وجامعة الكومبلتنسى، مدريد، إسبانيا، فضلا عن عمله مستشارا ثقافيا بالسفارة المصرية ومدير البعثة التعليمية بروما الإيطالية ومدريد الإسبانية.

كأنه يسير بالناي أو الربابة ليجذب الجميع لما يرويه. كانت القصص الشعبية وأهميتها وسيلة د. أحمد مرسي في تنبيه الشباب بخطورة غياب الهوية. دافع باستماتة عن التراث الشعبي عبر استغلال كل ما هو حديث لخدمة فكرته وإيصال صوته للشباب.

صورة نادرة لأحمد مرسي وسهير القلماوي وعبدالحميد يونس وعبدالعزيز الأهواني في افتتاح أول معرض للكتاب
صورة نادرة لأحمد مرسي وسهير القلماوي وعبدالحميد يونس وعبدالعزيز الأهواني في افتتاح أول معرض للكتاب
توثيق الذاكرة الشعبية

ووجد أن حلمه لجمع هذا الكم الذي لا يحصى من التراث الشعبي مهمة يجب أن يحولها إلى حقيقة. وحاول تحقيقها خلال عمله في لجنة الفنون الشعبية، ورئاسته مجلس إدارة الهيئة العامة لدار الكتب بوزارة الثقافة. ولكن لم يجد سبيلا إلا بمجهود فردي عبر تعاونه مع صديقه د. أسعد نديم أستاذ المأثورات الشعبية، وتأسيس أول أرشيف للفلكلور.

بين خبايا شوارع القاهرة ذات التاريخ التراثي العريق، وما تضمه بين أحيائها من القاهرة الفاطمية، الأزهر، الجمالية، أجواء الحسين، يقع أول مركز لجمع وتوثيق الفلكلور المصري. هنا في “بيت خرزاتي” الأثري الذي يقع بين بيت السحيمي وبيت مصطفى جعفر السلحدار بحارة الدرب الأصفر بالجمالية. تحقق حلم د.أحمد مرسي بإنشاء أول أرشيف للفلكلور مصري، وجاء بعنوان “الأرشيف المصري للحياة والمأثورات الشعبية”.

يعود تاريخ المنزل إلى القرن التاسع عشر، وطرازه خليط بين عمارة قاهرية وتركية قديمة. وكان مكان انطلاق أول أرشيف للفلكلور المصري قبل ما يزيد عن 15 عاما.

قاد هذا المشروع د.أحمد مرسي بعد رحيل مؤسسه د.أسعد نديم. وعلى مدار سنوات تولى أستاذ الأدب الشعبي بجامعة القاهرة مهمة العمل على تطوير مركز الفلكلور للحفاظ على التراث في مواجهة موجات العولمة. وقال عن مركز أرشيف الفلكلور المصري في حوار قديم إن إنشاءه كان حلم جيل الرواد تحقق وأصبح واقع للأجيال القادمة.

حروب الستينات وضياع التراث

حلم أرشيف الفلكلور ليس جديدا، قبل 65 عاما، راود حلم جمع الفلكلور المصري وتوثيقه الكثير من المثقفين المصريين ومن بينهم سهير القلماوي، عبدالعزيز الأهواني، أحمد رشدي صالح، وعبدالحميد يونس. وعندما تم إنشاء مركز الفنون الشعبية عام  1957 اعتبره الكثير تمهيدا لحقيق هذا الحلم. لكن الظروف السياسية في فترة الستينات حالت دون تحقيقه.

بمرور السنوات لم ينس هذا الحلم الجيل التالي. وكان حلم أرشيف يجمع ويوثق الفلكلور المصري يراود كل من أسعد نديم، عبدالحميد حواس، صفوت كمال وأحمد مرسي. ولكن لم يتحقق هذا الحلم أيضا حتى الثمانينات.

تحقق الحلم أخيرا لتوثيق الذاكرة الشعبية في عام 2001، بإنشاء “الأرشيف المصري للحياة والمأثورات الشعبية ” وقادها د. أسعد نديم متخذا الخطوة الأولى في تحقيق لحلم. ونجح في الحصول على منحة من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، لبدء رحلة الجمع والتسجيل والتوثيق.

أحمد مرسي وعبد المعطي شعراوي- نعمان القاضي -أحمد اسماعيل -انجيل بطرس . العزيز علاء حمروش
أحمد مرسي وعبد المعطي شعراوي- نعمان القاضي -أحمد اسماعيل -انجيل بطرس . العزيز علاء حمروش

وظهرت حينها الحاجة إلى وجود أرشيف قومي يتضمن مزيج من العلم، الأرشيف، التوثيق، والتصنيف الدقيق للفلكلور المصري. ووصف د.أحمد مرسي الحاجة إلى هذا المركز بالواجب الثقافي الوطني. وقال: “إنشاء الأرشيف القومي للفلكلور قائما على جمع شتات كل التقاليد وحفظها وتصنيفها”.

وبعد رحيل نديم تولى مهمة المركز. وقال في رثاء صديق العمر:”الفارس الذي لم يخذل أهله.. لم يكتمل حلمنا الذي كنا نسعى لتحقيقه منذ سنوات في جمع مأثوراتنا الشعبية وصونها وحمايتها وتنميتها على نحو علمي سليم.

حققنا جزءا من الحلم قبل أن يرحل عنا بإنشاء قاعدة بيانات علمية ساهم فيها زملاء من المتخصصين في المأثورات الشعبية ومجموعة من الشباب المؤمنين بأهمية هذا الحلم وضرورة تحقيقه. هكذا تزاوجت خبرة شيوخ التخصص مع إمكانات الشباب ومكتسبات علوم الاتصال والتكنولوجيا التي يجيدونها”.

السطو الإسرائيلي على الفلكلور المصري

نجح مرسي في توثيق وجمع المأثورات الشعبية أيضا في كتاب يحمل عنوان الجمعية نفسه “أرشيف الحياة والمأثورات الشعبية” إصدار عام 2013 عن المجلس الأعلى للثقافة. وكان بمثابة سلاحا للرد على محاولات الغرب في نسب موروثات شعبية إلى بلادهم.

وفي حوار قديم يستكمل الدفاع عن التراث الشعبي وأهميته، بنسب بعض الدول التراث المصري لها. ومن بينها إسرائيل التي بدأت قبل سنوات السطو على التراث المصري بنسب شخصية جحا إليها. واعتبروا أن “الفول والفلافل” أكلتهم التراثية وإدعاء أن اللغة العبرية هي أصل اللغة العربية.

مما دفعه إلى إصدار عدة دراسات لتصحيح مفاهيم “الفولكلور الإسرائيلي” في مطلع الألفينات. ولكن يبدو أن هذه الدراسات وحدها لم تكن كافية. مما دفعه لأن يكون مسؤولا عن تسجيل التراث المصري في “اليونسكو” المعني بصون التراث المادي واللامادي.

شاهد| د. أحمد مرسي يتحدث عن أهمية التراث الشعبي

تسجيل التراث الشعبي

جهود د. أحمد مرسي كانت سببا في تسجيل عدد من الملفات في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي. وقال خلال مشاركته في مؤتمر بالمنظمة عام 2012: “الفلكلور المصري كنز إذا استطعنا استخدامه لإعادة إنتاجه وتقديمه بشكل معاصر وثقافي للجميع. سنستطيع تطوير أنفسنا لأن التراث الشعبي يلعب دورا هاما في مختلف المجالات”.

ونجحت مصر بالفعل في تسجيل عدد من الملفات في قائمة التراث غير المادي. من بينها السيرة الهلالية وتروي القصيدة الشفوية ملحمة قبيلة بني هلال البدوية وهجرتها من شبه الجزيرة العربية إلى شمال إفريقيا. حيث سيطرت على مساحة كبيرة قبل القضاء عليها في القرن العاشر.

وتم تسجيل لعبة “التحطيب” باعتبارها واحدة من أشكال فنون الدفاع عن النفس، وهي لعبة احتفالية ترجع إلى مصر القديمة تتضمن تبادل في الأدوار غير عنيف بين خصمين يحمل كل منهم عصا طويلة. وما زالت موجودة في قرى وصعيد مصر حتى الآن. وتسجيل ملف الأراجوز وهي دمي من أشكال المسرح المصري تصنع يدويا بشكل تقليدي ويظل محركها غير ظاهر للجمهور خلف ستار خشبي مع تعديل صوته باستخدام أداة معدنية.

اقرأ أيضا

 «المدينتان»: تضاد القاهرتان في روايتي نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى