بروفايل| سعديا جاؤون.. يهودي نشأ بالفيوم صاحب أول ترجمة عربية للتوراة

الفيوم – أحمد خليفة:

في عام 882 من الميلاد، كانت ولادة الفيلسوف اليهودي سعيد بن يوسـف الفيومي، بقرية أبوصوير بمركز إطسا بالفيوم، وتلقى تعليمه الأول بالقرية، فدرس العلوم العربية والإسلامية، كما درس الكتاب المقدس والتلمود.

عرف سعيد بن يوسف في الكتابات العبرية “سعديا جاؤون”، أي الفقيه سعيد، بحسب ما ذكر الدكتور عبدالوهاب المسيري، في عمله الموسوعي الكبير “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية”.

عندما بلغ سعيد جاؤون سن العشرين سافر إلى فلسطين، للدراسة في طبرية بمنطقة الجليل الشرقي، وتتلمذ على يد أبي كثير يحيى بن زكريا الكاتب، ثم إلى حلب ومنها إلى العراق، وهناك عين رئيسًا لمدرسة “سورا” اليهودية، وكان ذلك في العام 928، وهي إحدى مدرستين كبيرتين كانتا لليهود بالعراق آنذاك، والأخرى في “فوم بديثا” أو مدينة الفلوجة، كانت هذه هي المرة الأولى التي يعين فيها حاخام من خارج العراق رئيسًا للمدرسة.

 يعد سعيد جاؤون أول من وضع ترجمة عربية للعهد القديم، كما كتب تفسيرًا لمعظم أجزائه، وجعله متاحًا للجماهير اليهودية العربية التي كانت تجهل العبرية، إضافة إلى عدة مؤلفات منها كتاب “جامع الصلوات والتسابيح” والذي أصدره قبل مغادرته للفيوم، وكتاب “السبعين لفظة المفردة”، وتوفي ببغداد عام 942.

يرى المسيري أن أهمية سعيد بن يوسف، ترجع إلى ظهوره في وقت كانت اليهودية تعاني فيه أزمة كبيرة بعد انتشار الإسلام وازدهار حضارته، ما أدى إلى اعتناق الكثيرين من اليهود للإسلام، أو ظهور اتجاهات فلسفية تدعو لإصلاح الدين اليهودي وتجديد خطابه، كما كان الحال في ظهور اليهودية القرّائية التي رفضت التلمود ومفهوم الشريعة الشفوية.

يتابع المسيري أن من مظاهر هذه الأزمة أيضًا إعلان الحاخام هارون بن مائير عام 921 أن التقويم اليهودي الذي تصدره حلقات العراق خاطئ، في محاولة لإعلاء أهمية المركز الفلسطيني مقابل المركز العراقي، فأصدر الحاخام هارون تقويمًا فلسطينيًا جديدًا، وهو ما أدى إلى انقسام اليهود، فاختلفت أوقات الاحتفال بالأعياد، وقد تمكن سعيد من دحض دعاوى قيادة المركز الفلسطيني، نظرًا لمعرفته الواسعة بعلم الفلك.

تقول عزة محمد سالم، الباحثة بكلية الألسن قسم اللغات السامية، بجامعة عين شمس، في دراستها “أثر مناهج تفسير القرآن الكريم في تفسير الحاخام سعديا جاءون لسفر التكوين”، إلى تأثر الفيلسوف سعيد الفيومي أو “سعديا جاؤون” بالفكر العربي الإسلامي، مرجعة ذلك إلى أنه عاش داخل البيئة العربية الإسلامية في القرن العاشر الميلادي، ودرس العلوم الإسلامية بمصر وفلسطين.

ترى عزة أن سعديا أخذ عن المعتزلة مناهجهم في تفسير القرآن، وبدأ يفسر بها التوراة لإثبات أنها تتميز بالجمع بين العقلي والروحي، وأن مصدرها إلهي وبعيدة عن أي تحريف، بعد الانتقادات الحادة التي وجهت للتوراة والتلمود في ذلك الوقت، وبهذا قدم “سعديا” كتابات فلسفية، عرض من خلالها موقفه من القضايا الفكرية الدينية، مثل الصفات الربانية وحرية الإنسان والقدرية.

وهو ما رصده أيضا المسيري، في موسوعته المشار إليها، إذ برهن على تأثر “سعديا” بالمدارس الإسلامية، وخاصة المعتزلة، بتحديد “سعديا” لتسعة مبادئ كأسس للعقيدة اليهودية، وهي “الإله خلق العالم من العدم، الإيمان بوحدة الإله وعدالته، حرية الإرادة، الثواب والعـقاب، خـلود الروح، البعث، خلاص يسرائيل، الخلود في الآخرة، صفات الإله مطابقة لذاته ولا يمكن فصلها”، وهو ما أتى متشابها مع أصول المعتزلة الخمس: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.

ويبقى تاريخ سعيد بن يوسف الفيومي أو “سعديا جاؤون”، وتاريخ اليهود عامة بالفيوم، والذي يقال أنه كان لهم وجودًا بالمحافظة حتى تسعينيات القرن الماضي، بمركز أبشواي وقرية سيلا بمركز الفيوم، بحاجة إلى جهد كبير من البحث والتدقيق.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى