«بجعات ابن حزم»: الكلمة الأخيرة لـلغائب «أمين ريان»

«بجعات ابن حزم» (دار النسيم) مجموعة قصصية للكاتب أسامة ريان. تتنوع المجموعة التي مارس فيها أسامه كل شيء من الفنون ومهارات الكتابة والاختصار والكتابة التلغرافية والبرقية والسخرية اللاذعة، سحر التأخير والتقديم. البدايات الغريبة. والأوصاف المحشوة بالألغام. إلى ممارسة الخداع أو الـPluf بكل أريحية وباطمئنان.

ورشة الزيتون

أسامة ريان أحد أركان ورشة الزيتون الأدبية، والتي طالما تبوأ فيها مقعده من النقد، وهو ما أطن أنه أدركه بالفعل وحسب له حسابه، فقد استعاد كل ما كان يفعله وهو جالس على مقعد النقاد عندما جلس ليكتب “بجعات ابن حزم”. حتى لا يلقى مصير من كان يجلس أمامه- أو حتى بجانبه- ليناقشهم وينقد أعمالهم أو بمعنى آخر “يوريهم النجوم في عز الضهر!”.         ضمن المجموعة قصص حب ناعمة، لكنها غريبة، كغرائب الأطوار فعلا. وضعت في قالب مناقض تماما لقالب الرومانتيكية. وهناك قصص مغرقة في الرمزية والفلسفة مثل قصة “أصباغ”. واللافت أن قصص أسامة ريان لا يسهل – أو لا يستحب – إعادة حكيها من وجهة نظري. فذلك يفقدها متعتها.. لماذا؟ لأنه قابع في كل سطر، وموجود تحت كل فاصلة، وفي كل فقرة. تنطق جمله القصيرة الملغزة كما لو كان يلقيها بطريقته. يمسك بعقل القاريء. ويقوده بنعومة إلى مصير قصته المحتومة.

البجعات المؤلمة 

بجعات بن حزم قصة كتبت بمداد من الألم والحب في آن واحد. قدم أسامة أمين قصة مكتملة الأركان أسلوبا وحبكة ونهاية.. اشتبك فيها الماضي بالحاضر. ليطل بنا على نفس المستقبل الذي نعيشه من دون أن يقترب منه، بالاستدعاء طبعا نعرف ما الذي يواجهنا. نحن أمام خطيئة شيخ أوعز لأحد أتباعه بحرق منزل تسكنه عائلة. طابقه الأول عبارة عن خمارة، وهذه الخمارة سمحت له بالفكرة الجهنمية أن يتولى شاب من أتباعه حرقها. لأن أهل البيت يتكسبون من الحرام ويرفلون في نعيم العيش من حرام، ليقوم الشاب الهائج من فوره وأقرانه بإلقاء المولوتوف الحارق على المنزل فيحيلونه قاعا صفصفا. ويروعون أهل البيت المساكين الفقراء الذين لا يملكون قوت يومهم. ليكتشف الشاب الخدعة ويحيا بإحساس الذنب طيلة حياته. وتأخذه شجاعة الاعتراف فينبئ بطل القصة ذات لقاء لهما في الغربة في بلد تتغلغل فيه الأفكار الظلامية.

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة

ويعترف له بأنه ارتكب الجريمة. وعلى وقع دموعه يأخذ منه كتاب القاضي العادل المتسامح بن حزم. ثم يبدو أن كليهما تقوده ظروفه للرجوع إلى الوطن. وفي إحدى صالات تدريب الجمباز يلتقيان بالصدفة. على ضفاف طفلتين تتشاركان الرقص في بالية البجع. وكم هو موجع ومفرح هذا الوجع. هذا اللقاء بين المجرم التائب وبين أستاذه على حد تسميته له. وبين حفيدتيهما اللتان تشاركتا رقصة البجع، على وقع الذكري ووقع القاضي العادل بن حزم. (هذا الاهتمام بالتنوير في مقابل الظلامية والتكفير).

صخب أمين ريان!

“الصامت الذي ملا حياتي صخبا”. قصة تحكي جانب من حياة المثقفين، بطلها فنان تشكيلي.. يتحدث عنه المُوّدِعون له – أحدهم ناقد شاب- أثناء مراسم العزاء مع نجله القاص. وهم يتساءلون كيف لـ”كنز” فني وثقافي كهذا  أن يحجب عن الناس، ومدى مساهمته هو (نجله) في السماح بذلك؟

القصة في جانب كبير منها بنيت على أساس تمرير عيوب الوسط الثقافي وما فيه من مظهرية وإدعاء وتمصلح (بتعبير القاص: طنطنة وظهور مكثف وصوت عال اتفق أهل الحظوة على تسميته التواجد). نعرف أن والده التشكيلي الراحل والقاص أمين ريان.

ملاحظة جوهرية: كنت ضيفا جديدًا على ورشة الزيتون عندما فاجأني شعبان يوسف، بأنني سأكون أحد أعضاء أسرة مناقشة مجموعة بجعات ابن حزم..وقتئذ لم أكن أعرف الخلفية الاجتماعية للكاتب أسامة ريان. ولم أكن أعرف أنه نجل الأديب الراحل أمين ريان. وأن هذه القصة التي تتصدر المجموعة إنما هي قصة ذاتية، تتحدث عن والده. وهناك قصص أخرى كلها تتحدث عن والده، الذي تعرض كما يقول أسامة إلى الاستبعاد في زمن ثورة يوليو! والحقيقة أن علاقة الابن بأبيه تتجلى في هذه المجموعة ويبدو تأثره الشديد به. حتى أنني يمكن أن أقول أن الكلمة الأولى والأخيرة في أفكار وجوهر ومضامين قصص هذه المجموعة- على الأقل-  للغائب أمين ريان.. والد أسامة!

ضفائر صنعت بعذوبة!

“الضفيرة” أيضا قصة شديدة العذوبة.. ولكن القاص لا يبدأ بدايات رومانتيكية كالمعتاد. هو يبدأ بإيحاء رنات الكعب العالي القادم من الخلف، لكنه سرعان ما يتناساه لينخرط في حديث جاد عن كوبرينيكوس والخسوف والكسوف. ليس من الحب والغرام والمشاعر وإنما من الطبيعة الفلك ودوران الأرض حول الشمس. تلك الكتابة المستلهمة من الفيزياء والكيمياء والفلك تميز أسامة ريان بحكم تعليمة وتخصصه وثقافته.

يبتكر تعبيرا غريبا عن اكتشاف كوبرنيكوس الذي قلب الدنيا وجعل الإنسانية تبدأ نهضة عظيمة “تكسل” – أي هذه النهضة-  عن الوصول إلينا!

“النهضة بتكسل تيجي لنا!” أغرب تفسير يمكن أن يقدمه كاتب يسعى يدعو لنهوض وطنه.. إنها سخرية مرة.

الأسِّرَة البيضاء.. شاهد على الحب!

قصة “الغرفة المقابلة”.. قصة حب شديدة العذوبة بنيت على حلم الحب الممتد. وانتهت على وقع الهلع من الغرفة المقابلة التي يخصصها الطبيب للحالات المستعصية.

قصة الحب الناعمة توردت وجناتها في المستشفى مع نزف الألم.. الحب يجعل الألم يتراجع. حب الزوج والزوجة حب من نوع آخر.. عشق.. هما يتخابثان حتى على الـ Nurse في المستشفى. ويحلمان بالحب (وباستكمال شهر العسل في المستشفى). وبالسيطرة على المرض اللعين ويتصوران أنهما بمنجاة عن الغرفة المقابلة هذه. ولكن المفاجأة في النهاية أنهما- الزوجة المريضة وزوجها العاشق – بصدد الدخول إليها رغم تطمينات الطبيب في البداية. أعجبتني حالة الرومانسية النادرة بين الأزواج، والتي توردت كما قلت على ضفاف المرض ووسط الأسرِّة البيضاء في المستشفى.

جرجس ودبابة نهى!

اعتاد أسامة أمين أن يبدأ ببدايات إما غريبة أو مزعجة أو مدهشة. ومفتاحها في صفحة 31 قصة النصيحة السطر 14 حين كتب يقول: (يلزم في البداية إثارة دهشة القارئ واهتماماته بالقضية ويأتي بعد ذلك التوثيق فربما يبحث القارئ بنفسه عن أدلة). قصة دبابة نهى فيها حيوية وطزاجة وتوليفة تجمع بين رشاقة الأفكار والتعبير عنها.

ومن أهم القصص التي توجد في المجموعة قصة أم هاشم.. وهي تبدو لنا قصة غريبة جدا. تجري وقائعها في منطقة شارع  المعز.. أبطالها نساء، بمهارة فائقة يمسك الكاتب بتلابيب القارئ بإحكام بهدوء وبإصرار.

جلس المدرس والثلاث فتيات. وبعد فترة خرجت اثنتان فقط لإعداد الشاي. من دون أن يقل لنا ماذا حدث مع من بقيت منهن؟ وماذا كان دور الفتاتين قبل خروجهما؟ محرم ولا إيه؟

التلميذة كانت عاشقة للسينما، أبلغته بدلال أنها “عاوزة تمثل”. وأنها “عاوزة معاه حصة لوحدها وتبلغه بالمكان”. وحينما يذهب.. يجيد وصف أنوثة الفتاة ومن أبدع أوصافه قوله: “خرجت مرتمية في حضنه، أمسك بها بصعوبة، مندمجة تلتصق به..  بضة.. فجة.. يدفع البخار أنوثتها إلى دمائه”. (الأسلوب الخاص لريان).

استغرب اندفاع دمائه حارة بعد كل هذه السنوات. تحسس ذاكرة أصابعه التي جهدت في منع انزلاق البشكير الوردي (وكأن المدرس جاي حصة دين، أو يصلي التراويح).

هو لا يشبعنا عن شخصياته ولا يخبرنا عنهم معلومات نستحقها. وبالتالي فأنت لا تعرف مدى العبث الذي عبثه مع تلميذته؟هو يترك لخيالك العنان.

مخادع هذا القاص.. يفعل أي شيء لخداعك وليقود الحديث معك. فجأة يحدثك عن “مشكلة جديدة” مع أنه لا يكون حكي لك عن المشكلة القديمة. في القصص كلها يلاحظ وحدة الروح وحدة النفس الكتابي. وحدة المزاج تقريبا (الخداع).

القصص القصيرة أصعب كثيرًا من الرواية لأن كل منها رواية مصغرة. ونحن أمام 18 قصة أي أمام 18 فكرة ومثلها حبكة ومثلها خاتمة. لكن أسامة الماهر أمكنه أن يفرض على مجموعته وحدة النفس الكتابي. ويفرض مقتضيات الخداع الروائي.. ويحكي.. ويلكم ويجري. ويترك بجعاته الماكرة تتراقص من البداية إلى الخاتمة.

اقرأ أيضا

عرض كتاب “الخليل إبراهيم” لبروس فيلر

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى