أصل و فصل

باحثون في المجلس الأعلى للثقافة: مستقبل مجهول لتراث القاهرة العمراني

تحت عنوان «مستقبل التراث العمراني للقاهرة» أقام المجلس الأعلى للثقافة مساء أول أمس، ندوة بحضور عدد من المؤرخين والأساتذة المتخصصين، بالتعاون مع لجنة الفنون التشكيلية والعمارة، ولجنة الترجمة بالمجلس.

وتضمنت الندوة عرض ومناقشة عدد من الترجمات العربية لبعض الأعمال الصادرة مؤخرا، وتناولت تاريخ القاهرة؛ والتي صدر بعضها عن المركز القومي للترجمة برئاسة الدكتورة كرمة سامي، والهيئة المصرية العامة للكتاب برئاسة الدكتور هيثم الحاج علي، بالإضافة إلى بعض الترجمات الصادرة عن عدد من دور النشر الخاصة. وأقيمت الندوة في إطار اختيار «الإسيسكو» للقاهرة كعاصمة للثقافة الإسلامية في العام الماضي، وتم تأجيل المناقشة طوال هذه المدة بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19».

هوية في مهب الريح

تزامن توقيت الحديث عن هذه القضية، مع تنفيذ عدد من المشاريع في مناطق مختلفة مثل القاهرة الإسلامية أو مناطق تراثية أو تاريخية، وكذلك مشاريع في مصر القديمة والدرب الأحمر، وتشترك جميعها في احتمالية تغيير شكل المدينة المعروف.

«كيف نواجه أزمة زيادة السكان وفي الوقت نفسه نحافظ على التراث التاريخي بدون تغيير طابعه؟» كان هذا السؤال بداية حديث الدكتورة نيللي حنا، المؤرخة أستاذ التاريخ العثماني ورئيس قسم الحضارة العربية والإسلامية بالجامعة الامريكية، عن أهمية تجديد الوعي بهذا التراث الذي يعد جزءا من الهوية، وكذلك فكرة الحماية القانونية للمباني الأثرية خاصة أن هناك العديد من المشاريع لتطوير القاهرة الإسلامية.

ووصفتها بأنها تتسم بالعديد من الخصائص الهامة التي يجب أخذها في الاعتبار، أولها تركز الأماكن الأثرية في القاهرة الإسلامية في مساحات نسبيا ضيقة جدا، بخلاف مدن أخرى أو تراث إسلامي في بلاد أخرى.

ومن صفات القاهرة أيضا وجود عدد من المباني الأثرية بمختلف الخصائص مثل مباني دينية، تجارية، خيرية، سكنية ومدارس، وفي المساحة المحدودة يوجد مباني من جميع العصور منها ما هو مسجل في وزارة الآثار، مما يمنحها حماية ومنع تغيير معالمها أو هدمها، ولكن يوجد العديد من المباني الأخرى غير المسجلة بدون حماية.

وأشارت أستاذ التاريخ العثماني إلى وجود عدد من المنازل التي ترجع إلى القرن 17، و18، غير مسجلة حتى الآن بوزارة الآثار المصرية رغم أنها بيوت تاريخية من المفترض تسجيلها لتوفير حماية لها، وقالت: “احتفظت القاهرة باسم ورسم الشوارع التي تحدث عنها المقريزي في كتابه عام 1430، والتي وصفتها أيضا خريطة وصف مصر في عام 1800، والتي ندرك منها أهمية التخطيط العمراني للمدينة الإسلامية”.

اختتمت أن هذا التوثيق يجعلنا نتسائل عن دور مشاريع التطوير في الحفاظ على خصائص القاهرة التي تميز تراثها المعماري لضمان وصوله للأجيال القادمة الذين يعانون من غياب التشكيل الثقافي.

الآثار بين الكثرة والإهمال

من جانبه قال الدكتور أيمن فؤاد سيد، المؤرخ والمفكر المصري المتخصص في التاريخ والحضارة العربية والإسلامية، إنه اهتم مسبقا بهذه القضية من خلال مؤلفاته عن التاريخ العمراني في القاهرة، مضيفا أن القاهرة الإسلامية غير مضافة على أي خريطة سياحية، والأماكن الدعائية بالقاهرة تتركز على الهرم وأبو الهول.

ولخص مشكلة الآثار في مصر بأن كثرتها وتنوعها وامتداد بعضها منذ 4000 سنة قبل الميلاد، هو السبب لإهمال بعضها، وقال: “أحيانا الكثرة تجعل الناس لا يعبأون لقيمة ما نحتفظ به من تراث، ولكن القاهرة تعد هي المدينة الإسلامية الوحيدة التي تحتفظ بكيانها مقارنة بالمدن الإسلامية الأخرى”.

وتطرق للحديث عن قضية أخرى وهي قلة الوعي، فبعدما كانت القاهرة محل النخبة تبدل الوضع بغزو الباعة للمنطقة، وحل محلهم أفراد لديهم نقص في الوعي والثقافة بأهمية ما يحيط بهم من تراث عمراني، مؤكدا على أهمية اقتصار المناطق التاريخية على أن تكون للمشاة فقط مع تقنين أوضاع الباعة وأصحاب المحلات، مع الاستعانة بالمتخصصين والخبراء لكيفية المحافظة على المدينة التاريخية.

وعقد مقارنة بين الاهتمام بالتراث المصري القديم والتراث الإسلامي، وعدم وجود مسارات للقاهرة الإسلامية وعدم التعريف بتاريخها حيث يوجد دور وبيوت وخانقاه ومدارس غير معروفة للجمهور حتى الآن.

مواكبة تجديد التراث

تناولت الدكتورة جليلة القاضي، أستاذ التخطيط العمراني، مستقبل التراث في مصر وأهمية توسيع مفهوم التراث والتوثيق، بعد تضرر التراث المعماري والعمراني في مصر بجميع أشكاله، على مدار السنوات الماضية، حتى وصل الأمر إلى البيئة، من خلال تدمير الأراضي الزراعية التي تعد تراث غير متجدد يندثر.

وأكدت القاضي على ضرورة الحفاظ على جميع أشكال التراث المتوارث، والاهتمام بمستوى الوعي لدى المتخصصين، وكذلك تسجيل الآثار والمباني التراثية، وقالت: “هناك مشكلة في التعامل مع الحضر الموجود في المدن وتعتبر آثارها أكثر هشاشة نظرا لممارسة كل الأنشطة المعتادة بجوارها مما يتسبب في تلوث وتكدس تجعل الآثار بحاجة إلى صيانة مقارنة بالآثار المعزولة”.

غياب الكتب الجامعية

ومن جانبه أوضح الدكتور محمد عفيفي، المؤرخ وأستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة القاهرة، أن هناك العديد من الأماكن التراثية تضررت بالفعل، ولكنها في أحياء أخرى بالقاهرة مثل منطقة شبرا، حيث تكاد القاهرة تفقد ملامحها وهويتها مثل إهمال القصور الملكية، استوديوهات التصوير، والسينمات والمنازل القديمة التي لا تقل أهمية عن منطقة وسط البلد، وكذلك غياب الوعي لدى بعض الدوائر الحكومية مثل هيئة الأبنية التعليمية. وأشار عفيفي أن أغلب الكتب التى تهتم بالتراث العمراني صادرة من دار نشر الجامعة الأمريكية مما جعله يتسائل عن غياب دور نشر الجامعات المصرية وكذلك عدم الاهتمام من قبل مراكز البحوث.

متحف المدينة

«تلخيص الفن والتراث الإسلامي في المساجد فقط هو الأزمة الكبرى التي يواجهها الجيل الحالي من أطفال وشباب» كان هذا رأي الدكتورة سرية صدقي، الفنانة التشكيلية في قضية التراث العمراني للقاهرة، حيث أوضحت وجود مباني أخرى في التراث الإسلامي له سمات مختلفة مطالبة بإعادة تدريس التراث الإسلامي في المدارس.

وطالبت بإقامة «متحف المدينة» غير الموجود في مصر برغم تعدد المتاحف وتنوعها، والذي يقدم كيف عاش الناس مع تحديد مكانه بالقاهرة، خاصة أن الزيارات الميدانية ممنوعة للأطفال منذ فترة طويلة، مع التوصية بإعادة دراسة التاريخ الإسلامي وتاريخ الفن عموما الممتد للمباني السكنية ودراسة أجزاءها بطريقة مشوقة لجذب الأطفال.

وشددت على أهمية الإعلام ودوره في التوجيه، لأن البناء للمستقبل يتم من خلال الأبناء والوعي الثقافي للإعلام والمناداة بقانون تطوير وتجميل هذه المباني التراثية لأن التاريخ انفصل عن الحياة المعاصرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى