بأنامل من ذهب.. خيوط النول تروي حكاية سيدات بني عدي مع الكليم
عبر أوتار النول اليدوي وخيوط الصوف الملونة، تتواصل في قرية بني عدي التابعة لمركز منفلوط بمحافظة أسيوط، حكاية واحدة من أقدم الصناعات التراثية في صعيد مصر، وهي صناعة الكليم، حيث تنقل الأمهات والجدات أسرار المهنة عبر الأجيال، محافظةً على حرفة شكّلت جزءًا من هوية القرية ومصدر رزق لعشرات الأسر. ولساعات متواصلة تجلس السيدات أمام خيوط الصوف المتشابكة ليحوّلن خامات بسيطة إلى لوحات فنية تحمل بصمة التراث المصري الأصيل.
صناعة الكليم العدوي
في إحدى الغرف البسيطة بقرية بني عدي، تجلس أم ياسر أحمد، وهي سيدة خمسينية، أمام النول الخشبي الذي رافقها لسنوات طويلة، تحرك بيديها الخيوط بخبرة اكتسبتها منذ طفولتها. فقد ورثت حرفة صناعة الكليم العدوي عن والدتها، التي تعلمتها بدورها من جدتها، لتصبح تلك الحرفة إرثًا عائليًا تتناقله النساء جيلًا بعد جيل.
تقول لـ«باب مصر» إن يومها يبدأ بعد الانتهاء من الأعمال المنزلية، لتجلس مع ابنتها أمام النول لإعداد وصناعة قطعة من الكليم، مؤكدة أن هذه الحرفة لا تحتاج فقط إلى المهارة، بل إلى قدر كبير من الصبر والدقة، وهو ما جعلها واحدة من أبرز الصناعات التراثية التي اشتهرت بها قرية بني عدي منذ عقود طويلة.
اقرأ أيضا: «الوادي الأسيوطي».. تجربة علاجية وترفيهية في الكثبان الرملية
قصة كفاح على النول
تضيف أم ياسر: “أنا والنول قصة كفاح كبيرة شاركناها سويًا منذ أكثر من 25 عامًا، نعزف معًا باستخدام “الخِلاَلَة” على خيوط صوف الأغنام لصناعة أجود أنواع الكليم في أسيوط، بل وفي مصر. أعمل بالتعاون مع تاجر يشترى لنا النول الذي أقوم بتركيبه داخل إحدى غرف منزلي، كما يحضر لنا الخيوط”.
وتكمل: “أعمل أنا وابنتي على النول، بينما يتولى التاجر عملية التسويق والبيع للزبائن، ونحصل على 500 جنيه مقابل كل قطعة نصنعها، ويختلف المبلغ حسب نوع القطعة وحجمها”.
وتتابع: “أقوم بتصنيع نوعين من الكليم العدوي، الأول يُفرش على الأرضيات ويستخدم كالسجاد ويُسمى “المفرش”، وكان الأكثر استخدامًا في السابق. أما النوع الثاني فيُسمى “الفراشية”، وهو نوع صغير من المفروشات يستخدم للكنب والدكك في المضايف والبيوت، ويستغرق إنتاجه ثلاثة أيام فقط، وهو الأكثر طلبًا من الزبائن حاليًا”. وتضيف أن قطعة الكليم كبيرة المساحة تحتاج إلى جهد كبير ووقت قد يصل إلى عشرة أيام لإنجازها.
وتكمل أم ياسر حديثها: “الجلوس أمام النول والغزل مرهق، لكن رغم التعب لا بد من التركيز الشديد والاستمرار في العمل، لأنه مصدر رزقنا الوحيد”.
وتضيف: “نحاول الحفاظ على تراثنا، خاصة أن إنتاج الكليم العدوي أصبح أقل بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج، وأتمنى أن يكون لنا مع الوقت مشروعنا الخاص بعيدًا عن التاجر، بما يزيد من دخلنا ويمنحنا دافعًا للاستمرار في هذه الحرفة ودخول سوق العمل بشكل مختلف”.

تراث الأجداد
يقول الدكتور محمد عبد الرحمن السماني، نائب رئيس جمعية حماية البيئة بأسيوط وأحد أبناء قرية بني عدي لـ«باب مصر»، إن الكليم العدوي صناعة تراثية قديمة متوارثة عبر الأجيال داخل القرية، وتعتمد على الخامات الطبيعية، حيث يتم الحصول على الخيوط من صوف الأغنام بعد غزله.
ويضيف: “كان إنتاج الخامات في البداية يتم بطريقة بدائية، لكن مع التقدم الصناعي أصبحت هناك مصانع متخصصة في إنتاج الخامات من صوف الأغنام بشكل أسرع، وهو ما جعل الأمر أكثر سهولة”.
ويكمل: “الحقيقة أن صناعة الكليم العدوي، رغم أنها حرفة تراثية وتمثل إرثًا عظيمًا ليس لأسيوط وحدها بل لمصر كلها، فإنها لم تأخذ حقها من التسويق. ورغم ذلك ما زال الكليم العدوي يحتفظ بقيمته التراثية من حيث الجودة والمتانة وقوة التحمل، وما زالت له أسواقه الخاصة ومحبو اقتنائه الذين يستخدمونه كمفروشات أو كلوحات تزين جدران المنازل وتضفي عليها لمسة جمالية وتراثية”.
ويتابع: “تمثل هذه الحرفة لدى البعض عبق التاريخ وروحه، إذ تذكرهم بالماضي والحنين إليه، لكن أغلب الأجيال الحديثة لا تدرك قيمة هذه الصناعة، وربما يعود ذلك إلى ندرتها وارتفاع أسعارها بسبب تكلفة الخامات والجهد المبذول في صناعتها. ونحن نحاول، قدر استطاعتنا، إحياء هذه الصناعة في قرية بني عدي من خلال تعليم أجيال جديدة، حتى تعود إلى مجدها السابق، كونها فخرًا لقريتنا ورمزًا لتراثنا الذي نعتز به”.

خطوات صناعة الكليم العدوي
حول خطوات صناعة الكليم، يقول السماني: “تبدأ العملية بقص أصواف الأغنام وجمعها، ثم تُنقل إلى المصنع المختص حيث تُغسل وتُنظف وتخضع لعدة مراحل، قبل أن توضع في “الديبة”، وهي ماكينة تجعل الصوف أشبه بالقطن”.
ويضيف: “تأتي بعد ذلك مرحلة التسريح، حيث يصبح الصوف في هيئة تشبه غزل البنات، ثم تأتي المرحلة الأخيرة وهي الغزل وإنتاج الخيوط”. وأوضح أن سعر كيلو الخيط يصل إلى 25 جنيهًا، بينما يبلغ سعر بكرة الصوف نحو 225 جنيهًا، وتتحدد الأسعار وفقًا للوزن، مشيرًا إلى أن الأسعار الحالية تعادل نحو أربعة أضعاف ما كانت عليه في السابق.
وفيما يتعلق بأسعار المنتجات، أوضح السماني أن سعر المفرش الكبير يصل إلى 4 آلاف جنيه للقطعة الواحدة، بينما يبلغ سعر “الفراشية” الصغيرة نحو 600 جنيه، وتُباع هذه المنتجات في محافظات الصعيد من أسوان إلى المنيا، وهي المناطق الأكثر استخدامًا للكليم العدوي.
اقرأ أيضا: «دير الجنادلة» بأسيوط.. كنوز أثرية بين الجبل والتاريخ
مصنع لخامات الكليم العدوي
يشير السماني إلى أنه كان يوجد في قرية بني عدي، منذ سنوات، مصنع لإنتاج الخامات الخاصة بالكليم العدوي، وكان من أهم العوامل التي ساعدت التجار وأصحاب الحرفة على تقليل تكلفة تنظيف الصوف واستخراج الخيوط.
ويضيف: “لكن للأسف تم إغلاق المصنع، وأصبحنا نضطر إلى نقل الصوف إلى مصانع خارج مركز منفلوط لإنتاج الخامات المستخدمة في صناعة الكليم العدوي، وهو ما يساهم بشكل كبير في ارتفاع التكلفة. ونتمنى في وقت قريب إنشاء مصنع جديد يوفر جزءًا كبيرًا من تكلفة الإنتاج”.
ويختتم السماني حديثه قائلًا: “نأمل في فتح أسواق خارجية لتصدير منتجات الكليم العدوي، لأن ذلك سيساعد في استدامة هذه الحرفة وانتشارها على نطاق أوسع، بما يحافظ عليها من الاندثار. كما أن الكليم العدوي يحتاج إلى جهد تسويقي كبير يفوق قدرة الأهالي على القيام به، لذلك يجب على الجهات المعنية بالدولة القيام بهذه المهمة حفاظًا على هذا الإرث الثقافي”.
اقرأ أيضًا: من الفجر حتى الحصاد.. حكايات الفرح والتعب في حقول القمح بأسيوط





