المصور الفوتوغرافي نبيل بطرس: لست مستشرقا.. وأبحث دائما عن حميمية المصريين

دائمًا ما كانت الهوية المصرية هي القضية الأساسية للمصور الفوتغرافي نبيل بطرس. أراد دائمًا أن يوثقها وأن يبرز تفردها. وقد ساعدته رحلته الطويلة إلى فرنسا، أن يفهم تلك الهوية وهذا الفهم لم يكن بنظرة استشراقيه، بل كان فهمًا عميقًا لهوية أدرك دائمًا أنها تحمل سمات كثيرة متفردة. لذلك حاور «باب مصر» المصور الفوتوغرافي الكبير رغبة منا في الاقتراب أكثر من مشاريعه الطويلة على مدى سنوات طويلة.

مرتّ مشروعاتك الإبداعية بالكثير من المحطات كيف تقيمها؟

في أول مشاريعي الإبداعية أردت إعادة علاقتي بالشارع المصري بعد فترة غياب. فنزلت بشكل يومي ولمدة ثلاثة أشهر مصطحبًا الكاميرا. كان هدفي مزدوج: أولا التعرف على الفئات المختلفة في أنحاء مصر وذلك للإحساس بالناس وقصصهم وحياتهم. أما الشطر الآخر فكان اهتمامي بترجمة الإحساس بهذه الشخصيات في صور فوتوغرافية مميزة مما أدى إلى اتباع منهج معين لعمل الصور.

آدم حنين - تصوير نبيل بطرس
آدم حنين – تصوير نبيل بطرس

بعد ذلك، بدأت ألتفت للأدباء والشعراء والفنانين سنة 1993 وصورت البعض منهم على نفس النمط. وفي بحثي عن الهوية المصرية ومكوناتها الأصيلة، ذهبت لتصوير الأفراح والموالد الشعبية وحفلات سمر شهر رمضان المعظم. وبعد ذلك، وتكملة لصورة الهوية المصرية، بدأت أتطرق للأقباط واحتفالاتهم وكذلك مناسباتهم الشعبية الكثيرة.

 

حازت الإسكندرية بقدر كبير من التركيز من جانبك، لماذا هذا الاهتمام بالمدينة تحديدًا، وهل مرّ مشروعك بالعديد من التحولات؟

الإسكندرية بالنسبة ليّ عبارة عن ذاكرة طفولة. فكنت أمضي أغلب عطلاتي الصيفية في مختلف أحياء من المدينة في فترة السبعينيات. لذلك في تسعينيات القرن الماضي أردت تصويرها وحاولت ربطها بكتابات إدوار الخراط التي وجدت فيها وصفا حميميا لإسكندرية الخمسينيات. لكن اختلفت الإسكندرية عبر السنوات فإسكندرية الستينيات تختلف عن إسكندرية التسعينيات وعن إسكندرية الألفينيات. إذ حدثت الكثير من التغيرات بداخلها. لذلك نحن في التصوير الفوتوغرافي نريد أن نوثق مشاهد لنكتشف بعد حين قصير أنها أصبحت تاريخا.

شاطيء استانلى
Stanley Beach – 2001

أنا أنتمي في الأساس إلى التصوير الزيتي، لذلك فالإحساس بالإضاءة، والإحساس بـ”الليل” كان مهما بالنسبة لي وهو أمر واضح في صور الإسكندرية. وينبذ من الإضاءة الليلية صورا تعطي للمتفرج فرصة لأن يكمل الصورة بخياله، وتثير إحساسه وتخيله بشكل كبير. وهذا أمر هام جدا بالنسبة ليّ، هو أن يتاح للمتفرج فرصة لأن “يجد نفسه” داخل الصورة.

واستمرت هذه الفترة من عام 1990 إلى سنة 2005، بعدها عدلت عن العلاقة الحميمة التي أردت إظهارها والتي أردت من خلالها أن يشاهد الناس “دائمًا ما كانت الهوية المصرية هي القضية الأساسية للمصور الفوتغرافي نبيل بطرس. أراد دائمًا أن يوثقها وأن يبرز تفردها. وقد ساعدته رحلته الطويلة إلى فرنسا، أن يفهم تلك الهوية وهذا الفهم لم يكن بنظرة استشراقيه، بل كان فهمًا عميقًا لهوية أدرك دائمًا أنها تحمل سمات كثيرة متفردة. «أردت أن يشاهد المصريين أنفسهم، وأن ينظروا إلى أنفسهم بنظرة مختلفة».

لكني شعرت في وقت ما أنني أريد أن أتوقف عن الحديث عن ذلك. فقد أردت أن “أضحك معهم” و”أسخر معهم” إذا جاز التعبير. فقد اختلفت مشاريعي خلال الفترة الحالية عن مشاريعي خلال فترة التسعينيات.

 هل يمكن القول أن مشاريعك متتالية، ولا تشبه بعضها أحيانًا؛ أي أن مشاريعك لا تحمل تكرارًا؟

بالطبع مشاريعي متتالية وليست متشابهة. فعلى سبيل المثال، الذي حثني على عمل بورتريهات للمصريين هو إني وجدت الناس بدأت تستغل أشياء رمزية في مظهرها الاجتماعي؛ مثلا من يحمل “ذقن” فيطلق عليه الناس لفظ “شيخ” رغم أنه قد لا يفهم في الدين بصورة صحيحة. فقد شعرت أن الملبس والمظهر العام بات يعبر عن الشخص ولكنه يعتبر تنكر في آن واحد.

في المشروع التالي اهتممت بتصوير الخرفان بشكل جاد وكأنهم شخصيات فريدة بإضاءات ستوديو محترف. وكان اختيار الخروف ليس بمحض الصدفة فهو الحيوان الرمزي للضحية في الديانات السماوية. وتصوير حوالي 80خروفا بفصائلهم المختلفة يضع المتفرج أو ساكن المدن بشكل محدد، أمام علاقته بالحيوان: هل هو كائن حي، ضحية رمزية أو مجرد لحم يلتهمه.

 

ماذا أضافت إليك رحلتك الطويلة إلى فرنسا؟

يمكنني أن أقول إنها أضافت مسافة وبُـُعد، ليس أكثر. ولكن الأمر ليس بهين، فقد أضافت لي رؤية مختلفة بالنسبة للصورة، لأني اكتسبت هناك خبرة فنية فريدة. أولا، لفهم تاريخ الفن حسب الغرب، اضطررت أن أضع نفسي داخل “دماغ” شخص فرنسي كي أفهم تسلسل التيارات الفنية. وهذا أمر نفتقده في مصر وليس هين فهمه إلا بمطالعة التاريخ الحديث. ثم عندما سافرت للخارج لم أكن أفهم هذا التسلسل، فرجعت للتاريخ برؤية وزوايا مختلفة أضاءت مفهومي للفن وخاصة المواقف الاستعمارية بشكل عام وفي مصر خاصة خلاف ما نتعلمه في المدارس. فقد فهمت علاقة “القوى” ومعنى كلمة الاستعمار، وتصور المستعمرين، وكيف أن الحرب العالمية الثانية أثرت على الكثير من مجريات تاريخ الفن، وبدأت أتفهم علاقة تلك الحرب بمصر أيضًا وأبعاد تاريخية مختلفة.

لذلك فالمسافة التي كونها السفر كانت هامة، فوجهة نظري في الأساس كانت نابعة من مصري مغترب. لذلك، عندما رجعت من الخارج كانت وجهة نظري مليئة بالحب تجاه مصر فلم تكن نظرة “مستشرقة” وأنا أدرك أن مصر من داخلها بها أشياء كثيرة دائما ما تبهرني، وقد أعطتني هذه المسافة فرصة أن أرى وأشارك تفاصيل ومواقف وقصص مازالت تشدني مع أن الناس قد اعتادت على رؤيتها لدرجة النسيان.

اقرأ أيضا:

آدم حنين: الرحيل نحو الأبدية

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى