«المدينتان»: تضاد القاهرتان في روايتي نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس

استضاف “بيت المعمار المصري” التابع لصندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة المصرية، ندوة «القاهرتان في الأدب المعاصر». إذ تحدث فيها د. مجيب الرحمن عامر عن سلسلة مقالاته التي يواصل نشرها على موقع «باب مصر».

قدم د. مجيب الرحمن عامر محاولة فهم نشأة المدينتان ومنها تطور وسط مدينة القاهرة وتعدد تسمياتها وأسباب نشأة المدينة الأوروبية، مع شرح العلاقة بين المدينة الحديثة والعمران على حدودها. ثم تطرق إلى تحليل مواجهة بين القاهرتين، والمقصود بالمدينة الحديثة ونظيرتها القديمة عبر تحليل اثنين من الأعمال الأدبية وهما رواية “زقاق المدق” للأديب الراحل نجيب محفوظ إصدار عام 1947. و”أنا حرة” للأديب الراحل إحسان عبدالقدوس إصدار عام 1954. بالإضافة إلى نقاش عن سلسلة المقالات، أداره الكاتب الصحفي محمد شعير، رئيس تحرير موقع “باب مصر”. وبمشاركة د. سلمى مبارك، ود. هبة صفي الدين، وفنان الكوميكس أحمد علي توفيق.

أساطير نشأة القاهرة

افتتح شعير الندوة بالإشارة إلى أساطير نشأة القاهرة، ففي الأدب الشعبي الكثير من الحكايات عن القاهرة، لكن أبرزها أن أمير أحب فتاة وأراد أن يخلدها فأسس لها مدينة وأسماها القاهرة، مضيفا أنه ليس الأدب المعاصر فقط الذي تناول الحديث عن نشأة القاهرة، ولكن يوجد العديد من التجليات في التراث الشعبي عن تأسيسها.

وأضاف: القاهرة ليست مدينة واحدة، بل هي مدينة ذات وجوه متعددة، مثل القاهرة الإسلامية، الخديوية، القبطية وحالية قاهرة العشوائيات. مشيرًا إلى أن هذا التعدد هو السمة الرئيسية لمدينة ذات تراث عريق مثل القاهرة.

ثم تطرق شعير للحديث عن رسالة د. مجيب الرحمن عامر، والتي أبرز ما يميزها أنها سردية كأنها رواية أكثر من تقديم معلومات أكاديمية جافة، موضحا أن الاعتماد على السرد هو الاتجاه الجديد. بالإضافة إلى تغيير فكرة المنهج الدنيوي لفكرة المناهج المتعددة، وكيفية الاستفادة من أي منهج بالتخلي عن الأكاديمية والتعامل معه باعتباره قابل للنقد.

قال شعير: “تأخذنا المناقشة للإجابة عن العديد من الأسئلة، منها هل القاهرة الخديوية باريس على النيل؟، وهل يوجد حداثة في مصر فعليا مع محاولات التحديث، وما قام به الخديوي إسماعيل حداثة أم تحديث!”.

قصة إنشاء القاهرة الخديوية

أوضح د. مجيب الرحمن عامر، مدرس بقسم العمارة كلية الهندسة جامعة مصر الدولية ومُعلم بمدرسة العمارة العليا بغرونربل فرنسا، أن رؤية القاهرتان الحديثة والقديمة. تناولها في رسالة الدكتوراه التي نفذها في فرنسا عن التطور السياسي والمجتمعي لمنطقة وسط البلد، خلال الفترة منذ افتتاح قناة السويس حتى حرب عام 1973.

اعتمد في هذه الدراسة عن منهج علم الدلالات أو “السميولوجي” ونظريات أحد أشهر علم “السميولوجي” وهو الفيلسوف الفرنسي الشهير “رولان بارت”، باعتبار أن القراءة السميولوجية للمدينة هي فك شفرة المدينة. وعلى حد وصفه هي مجموعة من المكونات التي نستمد منها علامات لها دلالات مع تحليلها في موضوع الدراسة، عن طريق القراءة متعددة الأوجه بين العمارة والعمران والتاريخ السياسي والمجتمعي وتمثيلات المدينة في الأدب والسينما.

كوّن مؤلف كتاب “تجليات مدرج 3002″، بانوراما تاريخية عبارة عن عدد من المصفوفات تتناول حالة معينة إحداها أشهر الأحداث السياسية حتى عام 1867. حين زار الخديوي إسماعيل باريس وكانت هذه الزيارة سبب تدشينه القاهرة التاريخية على الطراز الأوروبي على عكس النظريات الشائعة.

مجيب الرحمن عامر أثناء القاء المحاضرة
مجيب الرحمن عامر أثناء القاء المحاضرة
المدينة الحديثة

لم تكن قصة إنشاء المدينة الحديثة معروفة، حتى نشرها الباحث المصري في دراسته، ويقول: “خلال زيارة الخديوي إسماعيل الأولي لباريس بعد تنصيبه خديوي على مصر عام 1867. زار معرض عالمي تشارك فيه كل الدول ويتم تمثيل الدول عبر منشآت تعبر عن الدول المشاركة، وشاركت مصر بأكثر من منشأة تعبر عن كل عصر”.

واستكمل: “زار المعرض أسياد العالم القديم، ووجد الخديوي إسماعيل أن مكان إقامته كان عبارة عن منشأة منهم، وبالتالي تحول إلى جزء من العرض مما أثار غضبه واستياءه، وقرر نتيجة لهذا الموقف تغيير النظرة السائدة عن مصر، التي وصفها البعض أنها مدينة بشعة ومدينة الأنقاض والتراب”.

ومن هنا انطلقت فكرة إنشاء المدينة الجديدة على حدود المدينة القديمة من الناحية الغربية. وكان من الصعب تعديل المدينة القديمة وتخطيطها بنفس شكل باريس. والحل كان إنشاء مدينة جديدة تنافس عواصم العالم مثل لندن، باريس، فيينا التي شهدت حالة تطوير أيضا حينها.

وتابع: تولى المهندس الفرنسي”جورج هوسمان” مصمم مدينة باريس، هذه المهمة. ووجد الخديوي إسماعيل أن مناسبة إطلاع العالم على القاهرة الجديدة خلال حفل افتتاح قناة السويس أي بعد عامين من طرح الفكرة على هوسمان. ليختزل المهندس الفرنسي مشروع نفذه في باريس على مدار 14 عاما، في عامين فقط بالقاهرة، وبالتالي ظهر كيانين متضادين في القاهرة لعدم معالجة المدينة القديمة المجاورة لنظيرتها الجديدة.

الباحثة عن الحرية

بمرور أربعة عقود ظلت مصر خلالها تحت سيطرة المستعمر البريطاني، وظهور فكرة “مصر للمصريين”. كان لابد للأديب أن يكتب ويتخيل وينسج العمل الأدبي متناولا الوضع. ومنه أعمال تناولت فكرة المدينتين وساعدت حينها الحركة القومية على ظهور هذه الأعمال الأدبية.

ومن بين الأعمال التي حللها د. مجيب الرحمن عامر روايتين تناولتا مبدأ الافتنان والازدراء، وأولهما رواية “أنا حرة” للأديب إحسان عبدالقدوس، والتي أصدرها عام 1954 وتتناول أحداثا تدور في عام 1936.

فنتيجة صعود المدينة الجديدة وسطوع نجمها تدهورت المدينة القديمة. وكان التناقض بين الكيانين تناقض تام، يظهر بين النظافة والقذارة، والفوضى والنظام، والاهتمام والإهمال، والتعليم والجهل. ومن هنا بدأ الأديب يبرز هذا التضاد ويضعه تحت العدسة الخاصة به.

عبر تحليل رواية “أنا حرة” يظهر أن الأدب لا ينفصل عن الحياة الاجتماعية ولا يمكن التغاضي عن الظروف التي أدت لظهور هذا العمل، فقراءة الرواية تعطي بُعدا جديدا في فهم المدينة.

في البداية يعبر الغلاف عن الحرية، وتدور الأحداث عن البطلة “أمينة” الباحثة عن الحرية. تعيش أمينة مع أهلها وتعاني باستمرار من السلطة المجتمعية في المدينة القديمة. ثم تنتقل للحياة مع والدها بمنطقة وسط البلد – المدينة الحديثة – كانت تدرس في المدرسة السنية والزيارات كانت من خلال الترام الذي يعبر شارع الخليج – بورسعيد حاليا.

تحكي أمينة رفضها للمدينة القديمة، وأنها تتطلع للحياة الأوروبية في المدينة الجديدة. وبعد حياتها بها والتحاقها بالجامعة الأمريكية تجد نفسها في النهاية ليست حرة بالشكل الكافي. وخلال هذه الرحلة للبحث عن حريتها تظهر مقارنات عديدة بين المدينتين القديمة والحديثة، ورفض الحداثة في النهاية.

رحلة أمينة في القاهرة الخديوية

أوضح د. مجيب الرحمن، أنه خلال رحلتها عبر الترام وصفت شارع الخليج كثعبان وأن البيوت القديمة تكاد تميل على بعضها. وفي عام 1959 وصف المؤرخ شحاتة عيسى إبراهيم الشارع نفسه بأنه ملتويا كأنه ثعبان الكوبرا. مشيرا إلى أن التشبيه الواحد ليس مصادفة بل كان التصور العام عن الشارع.

واستكمل وصف الشارع بأنه كان مستنقعا مثلما عبر الأديب عنه. بالإضافة إلى وصفها الترام ورحلته في القاهرة ومقاعده الخشبية التي وصفتها كأنها ألواح دفن الموتى، والترام وسيلة مواصلات تظهر المدينة كأنها فيلم. ونرى المدينة من خلال انتقالها به إلى شارع البورصة القديمة حيث تعيش مع والدها.

أشارت الرواية أيضا إلى ناطحات السحاب التي تم إنشاءها في مصر، ونجد أن العمارات القديمة الشاهقة تعطينا ملمح عن المدينة وطرق تطورها. ثم تحدث عن أسباب سعادة أمينة مثل حوانيت شارع سليمان باشا واستخدام المصعد الكهربائي في رحلة مبهجة لا تتعدى الثواني. وخُيل إليها أنها انتقلت من مصر إلى باريس وهنا مقارنة بلد بمدينة.

بالإضافة إلى تناول الخبز الإفرنجي “الفينو” مقارنة بالخبز التقليدي. وتابع: “أصبحت حرة باستخدام هذا التطور التكنولوجي التي استخدمته في المدينة الجديدة”. وتم ذكر عدد من الشخصيات الأجنبية متعددة الشخصيات وهي من أسباب الانبهار بالمدينة الجديدة في إشارة للحياة الكوزمبولوتانية والتسكع في الشوارع وبيوت الأزياء والسينما.

وبعد دخول الجامعة الأمريكية تجد أن هذه النقلة لم تصبها إلا باليأس. فلا هي حرة أو جريئة أو عنيدة وكأن روح المدينة لا قديمة مطبوعة على جسدها. وهذا يوضح الشعور بالصدمة من المدينة الجديدة.

هروب حميدة حتى الموت

بالانتقال من أمينة في رواية “أنا حرة”، إلى حميدة في رواية “زقاق المدق” للأديب نجيب محفوظ إصدار عام 1947، أي قبل “أنا حرة” بنحو سبع سنوات. نجد أن بطلة الرواية مختلفة تماما عن أمينة.

وفي بحثه، حاول عامر رؤية القاهرتين بعين وزاوية مختلفة، هذه العين لنجيب محفوظ سيد الرواية العربية بلا منازع. ووصف الباحث المصري حميدة بأنها كانت فتاة قنوعة مقبلة على الحياة. ونرى من خلال حياتها في “زقاق المدق” المدينة القديمة المتدهورة التي وصفها نجيب محفوظ بواقعية.

يعد المكان بطل في الرواية، وهو عبارة عن ممر ضيق على بعد خطوات من الجامع الأزهر، والمدق هو الأداة التي استخدمها العطارين قديما في طحن الأعشاب للتداوي بها، والتي حل محلها الأطباء. وفي مشهد يمثل الحداثة يتم استبدال الراديو أيضا بالراوي الذي يتم طرده من المقهى.

وفي أول فقرة يتم وصف الزقاق كالمصيدة، له أكثر من مدخل ويتضمن مقهى وفرن. ويصف محفوظ العديد من الشواهد منها أن الزقاق كان جزء من مركز الحياة في زمنه لكنه لا يكاد يعيش في شبه عزلة يضج بحياته الخاصة كشأن المدينة التي تم إهمالها مقارنة بالمدينة الجديدة رغم أنها تشكل بؤرة مجتمعية مهمة أصبحت مهملة.

تضمن وصف الزقاق أنها مهملة لدرجة لا يتم تنظيف مصابيحها. أما الأرابيسك الموجود بها عنصر نادر. وأضاف “في الحلقة الثالثة من القاهرتان يتضح أمر محمد علي بهدم الأرابيسك في المدينة القديمة”.

تسعى حميدة للخروج من الزقاق، والبحث عن المال، الذي كان في رأيها سر السعادة. وأوضح عامر أن المفارقة أيضا في اسمها حميدة، وبعد تمردها على الحياة بالزقاق تقابل قواد يدعى “فرج” وهو اسم له دلالة أيضا. يأخذها إلى المدينة الجديدة وتصبح حميدة “تيتي”، وتمتهن فتاة المدينة الجديدة الدعارة، حتى قتلها على يد خطيبها السابق “عباس” ويموت هو أيضا على يد الإنجليز.

شارع كأنه هجرة بين بلدين

كان المال هو أبرز ما يلفت نظرها، وكان طموحها ينتهي عند حدود ميدان الملكة “فريدة” (العتبة) لاحقا، وهو من أوائل الميادين في المدينة الحديثة. تقابل حميدة، فرج، ويصطحبها في “تاكسي” على عكس “الكارو” التي كانت تستخدمها للتنقل. ووصفت أيضا الكلمة الأعجمية ووصف العربة أنها وسيلة مريحة. بالإضافة إلى وصف الحياة في المدينة القديمة تمثل النوم أو الموت بمعنى أدق. أما الحياة في المدينة الجديدة تمثل صخب وزخم الحياة.

يقف التاكسي عند عمارة تم وصفها بناطحة سحاب، والمدخل وحده أكثر اتساعا من مدخل “زقاق المدق” وتظهر هناك طموحاتها مجددا. وأوضح: “نرجح أن هذا المبنى هي عمارة الإيموبيليا لأنها معاصرة لزمن الرواية. وتم وصفها أنها ناطحة سحاب سامقة والتي ينطبق عليه الوصف بأكمله”.

وتعد وسيلة أيضا من وسائل الإغواء بالمدينة الجيدة هي الإشارة إلى ملابس السيدات، والشوارع الواسعة، وحالة الصخب والزخم المستمر في المدينة الجديدة.

ويلخص د.مجيب في المقارنة التي عقدها عن القاهرة القديمة والجديدة من خلال الروايتين، تحديد مسارات الأبطال على خريطة القاهرة في نفس زمن أحداث الروايتين. مثل حركة الترام وشارع بورسعيد والأماكن التي تحركت فيها أمينة وحميدة. عبر شكل بياني يوضح العلاقة بين المدينتين. ويتضح من هذا الملخص سلوك ونظرة الناس وطموح بعض سكان المدينة القديمة. إذ وضع المدينتين في مواجهة صريحة أنها هجرة بين بلدين رغم أن الحد الفاصل بينهما شارع واحد فقط.

تضاد المدينتين

عقبت د سلمى مبارك، أستاذ الأدب والفنون والأدب المقارن بقسم اللغة الفرنسية بكلية الآداب جامعة القاهرة، على مقارنة المدينتين في عدة نقاط. كان أولها انتقاله من حقل الدراسات المعمارية والعمرانية إلى حقل دراسة الأدب. وقالت:
باعتباري متخصصة في الأدب المقارن، هناك فكرة وهي كسر الجمود سواء بين الثقافات أو الآداب أو العلوم والتخصصات وهو ما تحقق في الدراسة”.

وأشارت مؤسسة شبكة آمون للباحثين في الأدب والسينما، إلى أن منظور د. مجيب في التعامل مع الأدب أو السينما يختلف جذريا مع النقاد الأدبي أو السينمائي مع الرواية، والعمل الأدبي يتم استخدامه لنظريات عمرانية مثل نظرية “المدينتان”. وهي التي نفذ لها بحث تاريخي وانطلق من ملمح مديني مرتبط بعمران المدينة وفكرة التجاور بين أشكال مختلفة مثل “المصطبة” في المدينة القديمة وناطحة السحاب في المدينة الحديثة.

وصنفت مبارك دراسة “القاهرتان” إلى ثلاثة أجزاء. الجزء الأول تناول طرح النظرية. والجزء الثاني الصراع أو التضاد بين المدينتين. والجزء الثالث عن الأعمال الأدبية التي تناولت هذا التضاد بين المدينتين. وقالت: “فكرة المدينتين ليست خاصة بالقاهرة فقط، ففي أي مدينة أوروبية توجد المدينة القديمة ولها مزارات مخصصة تمثل القرون الوسطى، وحين تم تحديث باريس في منتصف القرن التاسع عشر كانت في حالة معاناة”.

رسم أحمد علي توفيق لسلسة مقالات القاهرتان
رسم أحمد علي توفيق لسلسة مقالات القاهرتان
الرؤية البصرية للقاهرتين

تحدث الفنان أحمد علي عن مشاركته في تقديم سلسلة مقالات “القاهرتان” بشكل مصور. وقال عن الرؤية البصرية للقاهرتين. ومنها تصميم صور مبتكرة. وعبر عن ضيق فلوبير بالمدينة القديمة أو المدينة الإسلامية كأنه يهرب من ضجيج المدينة ومرجع العمل كان صورة قديمة له.

وأضاف: “يعد الاسكتش الذي قدم من خلاله الروايتين”القاهرتان”، هو تمثيل لمشاهد من روايتين تم تقديمهما سينمائيا. والعناصر التي تعاملت معها في القصة المصورة هي شارع ومبنى وكادرات سوء عمارة أو خلفيات، فلسفة عمل الرسام مع العمارة أو المكان كوطن أصيل فهو عامل هام خلال العمل”.

اقرأ أيضا

الأحد القادم.. «باب مصر» يناقش سلسلة مقالات القاهرتان في بيت المعمار

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى