حكاوي

القطاع الذي فقد عقله: ماسبيرو ضد ماسبيرو!

يظهر أن القائمين على “ماسبيرو” قرروا أن يجهزوا تماما على ما تبقى من أقدم، وأكبر، محطة تليفزيون وطنية في العالم العربي. بعد عقود من سوء الإدارة والنهب وتهريب الأصول أصبح المبنى كعجوز مريض بلا مأوى يمد يده للرائح والجاي، لا يرغب في مشاهدة بؤسه ومعاناته أحد.

لا برنامج قوي يسند ظهره ولا مذيعة أو مذيع لامع يقيم أوده. ولا إعلان يسد رمقه، ولا فيلم جديد أو مسلسل جيد يلفت إليه البصر. ولمن يوقعه حظه في زيارة للمبنى العريق، فربما تسيل دموعه حزنا على ما آل إليه من تهالك وإهمال وقذارة.

امسك إعلان

وكأن ما فيه ليس بكاف. فها هو القطاع الاقتصادي، المخول بجلب الإعلانات ومصادر للتمويل، يبحث دون جدوى عن أي دخل للقنوات التي كان يحلم بالإعلان فيها أكبر شركات ورجال أعمال البلد، ها هو ينتابه اليأس، وينتاب القائمون عليه هوس اسمه “امسك إعلان”. حيث باتوا يتربصون بكل برنامج أو تقرير خبري، ربما يذكر فيه اسم رجل أعمال أو شركة، فيطالبون بسداد ثمن إعلان أو التحقيق مع صناع البرنامج أو حجب صوت الضيف والمذيع.

وكأن ذلك لم يعد يكفي، ولم يعد يحقق جدوى. فها هو القطاع الاقتصادي يطلب بمقابل مادي لإذاعة أي حفل تقيمه الدولة أو المؤسسات الثقافية والفنية. فعروض الأوبرا ممنوعة وحفلات افتتاح وختام المهرجانات الفنية ممنوعة. وأسماء الأفلام والمسرحيات والأغاني وحتى الكتب ممنوعة. وبالمجمل، ممنوع بث أي شيء يتعلق بالأحياء، ويكفي المشاهد تلك النسخ المتآكلة لأعمال الفنانين الموتى التي تعرضها قناة “ماسبيرو زمان”.

أفضل دعاية

هل تصدق أن القطاع الاقتصادي يطلب حوالي عشرة آلاف دولار (بالعملة الصعبة كمان) مقابل بث افتتاح أو ختام مهرجان فني ثقافي تدعمه وترعاه وزارة الثقافة ويقوم بحضوره وزراء ومحافظون وسفراء دول وحشد من ألمع نجوم الفن المصري، ويعتبر أفضل دعاية سياحية وسياسية وثقافية للدولة؟

إذا كان موظفو القطاع الاقتصادي يرغبون في جلب دخل وإعلانات، فعليهم أن يستغلوا هذه الفعاليات والأحداث الفنية السياسية لجلب إعلانات أو رعاية. كما تفعل كل محطات تليفزيون العالم. والطبيعي أن يحصل المهرجان على مقابل لبث فعالياته وليس العكس. وأكاديمية علوم وفنون السينما المنظمة للأوسكار تحصل على مئات الملايين من المحطات التي تبث حفلها. لأن هذه القنوات تحقق نسب مشاهدات وإعلانات هائلة خلال هذا البث.

أما في مصر، فيطالب تليفزيون الدولة بدفع مقابل نظير بث الفعاليات التي تنظمها وترعاها الدولة أو تنظمها جمعيات ثقافية غير ربحية تحصل على دعم من وزارات ومؤسسات الدولة. وهذا من أعجب وأغرب وأطرف ما يمكن أن تسمع به أذن وأتحدى أن يكون له مثيل في أي بلد آخر في العالم!

ماسبيرو العجوز

إن ماسبيرو العجوز الذي لم يعد لديه قدرة على إنتاج مسلسل أو فيلم أو برنامج يجذب المشاهدين، ولم يعد حتى بقادر على سداد مستحقات العاملين فيه، يحتاج إلى بعض المواد الحصرية. ومن هذه المواد الانفراد ببث الفعاليات التي تنظمها أو ترعاها الدولة. ولوقت طويل جدا كانت المهرجانات السينمائية تمنع من بيع فعالياتها للقنوات الخاصة. لأن ماسبيرو هو المخول فقط ببث هذه الفعاليات.

الآن لم يعد ماسبيرو يقاتل على بث هذه الفعاليات. بل لم يعد يرغب في بثها أصلا إلا إذا دفعت الجهة المنظمة لها بضعة آلاف من الدولارات. مع إن هذه الجهات تقدم خدماتها ونشاطاتها مجانا. وربما يكون مهرجان القاهرة هو الوحيد الذي تنظمه الدولة ويعرض أفلامه بتذاكر (طبعا لا تصل حصيلتها إلى شيء يذكر من تكلفة صنع المهرجان). الطريف أن ماسبيرو لا يطالب مهرجان القاهرة بدفع مقابل، ولكنه يطالب المهرجانات الأفقر التي تقدم خدماتها مجانا بهذا المقابل، مع أنها معظمها تحت رعاية الدولة مثل مهرجان القاهرة، وربما أكثر!

اقرأ أيضا:

جائزة نوبل.. وكتاب السيناريو

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى