القاهرتان (10): هل كانت قاهرة إسماعيل باريسًا على ضفاف النيل؟

«كل ما كان يشغل الخديو هو خلق مدينة جديدة أولًا لكنه لم يلتفت إلى توفير أية وسائل لازمة لتشييدها» –  جان لوك أرن

كان واضحًا أن نية الخديو إسماعيل من تشييد مدينته الجديدة هي تقديم صورة حداثية للقاهرة ينبهر لها ضيوف حفل افتتاح قناة السويس القادمون من كل فج عميق.  وتختلف صورة الحداثة عند إسماعيل عن الحداثة التي عرفتها أوروبا في زمانه: إذ تتكون هذه الصورة من شوارع مستقيمة واسعة تؤدي إلى ميادين دائرية أو شبه دائرية ومن مباني تذكارية المقياس كالقصور والمدارس ومن أماكن لـ «اللهو» كالأوبرا والسيرك ومضامير السبق. لكن هذه الصورة –الحداثة- كانت عبارة عن إدراك إسماعيل نفسه لفكرة الحداثة كما يستنتج جان لوك أرنو «الصورة التي اختزنها [إسماعيل] عن أوروبا هي فقط المظاهر: شوارع مستقيمة مزروعة ومصطفة بمباني تحاذي بعضها، وبعض الساحات المنسقة هندسيًا والمباني العامة التي لم يدرك إسماعيل حيثيات تصميمها ووضعها المميز داخل الفراغ العمراني.” كانت النتيجة خلق مدينة لها “واجهة أوروبية أشبه بالطلاء على الحدود الغربية للقاهرة القديمة” بحسب أندريه ريموند.

**

على أنه يؤسفنا القول بأن المآثر الاسماعيلية التي كان من المفترض أن تتيح الفرصة للعاصمة المصرية كي تصبح بحق “قطعة من أوروبا” لم تكن على وجاهتها سوى تقليد غير متقن للنموذج الباريسي: ففي الواقع لم يؤد شق الطرق و تخطيط الميادين الجديدة  إلى تحقيق المماثلة الكاملة بين الشارع القاهري ونظيره الباريسي الذي خضعت عملية البناء فيه لقوانين الحجوم ولقواعد محددة تمامًا بينما خضعت المباني في قاهرة إسماعيل لحد أدنى من ذلك فلم تحقق التسلسل العمراني المطلوب ومن ثم  فقد غاب عنها عنصر مهم من أسس العمران الهوسماني.

**

وبالنظر إلى المباني السكنية التي ظهرت في قاهرة إسماعيل، يتبين لنا أن معظمها مستوحى من تصميم الوكالة وهو مبنى نوعي بدأ ظهوره القاهرة ابتداءًا من القرن السادس عشر خلال العصر المملوكي. ويتكون من فناء مستطيل الشكل تطل عليه الأدوار المختلفة. هذا النمط البنائي في تصميمه وفي تنسيقه معماريًا وعمرانيًا يختلف تمامًا عن نمط باريس هوسمان حيث يلائم تصميم العمارات قطع الأراضي المبني عليها بينما يبدو نمط الوكالة في قاهرة إسماعيل كأنه تصميم غير ملائم تماما لشكل قطع الأراضي.

وفيما يتعلق بالبنية التحتية، تأسس مشروع هوسمان على مراجعة وتحويل وخلق شبكات المرافق تحت الأرض. وللقيام بذلك، كان من الضروري مد شبكات البنية التحتية لعدة مئات من الكيلومترات من قلب باريس إلى خارجها. وكذا شق القنوات والخزانات من أجل إقامة المرافق الأساسية التي تلزم المدينة من توفير مياه صالحة للشرب، إلى انشاء شبكات للصرف الصحي.  أما في قاهرة إسماعيل فقد أدى حرص الأخير على تحقيق “مجرد صورة” لباريس إلى إغفال البنية التحتية تمامًا فلم يدرك تعقيدات شبكات المرافق التي أدت إلى تضاعف طبقات القطاع بالنسبة إلى الشارع الباريسي والتي ضمنت توفير المرافق للمدينة.

بعض الطرز المعمارية لوسط القاهرة
بعض الطرز المعمارية لوسط القاهرة

وكما هو معلوم فقد استغرق العمل في باريس هوسمان سبعة عشر عامًا اختصرها إسماعيل في قاهرته الجديدة إلى عامين فقط فباتت نتيجة “الكروتة” محسومة لصالح الفشل الذريع. أما بالنسبة للتنظيم الإداري للمدينة الجديدة الذي أسسه الخديوي كي يضاهي الهيكل الإداري لباريس، فلم يكن غير تقليد أعمى لا معنى له إذ يقوم هيكل هاوسمان على «تحالف تدخل السلطة العامة مع الشركات العقارية والائتمانية»، وهذا ليس هو الحال في مدينة الإسماعيل الجديدة، حيث حدث فصل بين تدخلات الدولة العامة والمبادرات الخاصة.

**

لا تزال نوايا الخديوي فيما يتعلق بالمدينة الجديدة غامضة. ولا توجد لدينا أية وثيقة لتسجل هذه النوايا. يدعي جان لوك أرنو أن إسماعيل كان بالفعل يطمح إلى تغيير وجه عاصمته لتصبح باريسًا على ضفاف النيل، لكنه في الوقت نفسه «لم يكن لديه أية نوايا لتوفير الوسائل التي نشأت عليها باريس هوسمان». في رأينا الافتقار إلى هذه الوسائل وضيق الوقت مع فقر الادراك والخيال قد أفشلوا التجربة الهوسمانية في القاهرة. وبالتالي لم تكن المدينة الجديدة الذي شيدت في ظرف عامين باريسية هوسمانية لا من قريب ولا من بعيد، على الرغم من أن صورة هذه المدينة قد أظهرت انتمائها لنفس النمط الذي ميز النموذج الباريسي. لكن ليس الأصل كالصورة بالطبع.

علاوة على ذلك، فقد منع النظام الاوتوقراطي الذي ورثه وطبقه الإسماعيل خلق إدارة مؤسسية تماثل إدارة مشروع باريس. وهو ما يفسر مخاوف هوسمان التي أعرب عنها بشأن سير العمل في مشروع مدينة إسماعيل التي يريد الخديو من خلالها إن يثبت للعالم – ربما لنفسه- أن يكون هو المصلح الوحيد الذي يحتكر الاصلاح في مصر، شأن جده محمد علي باشا. هذه العقلية الاستبدادية في الحكم دفعته إلى استنزاف موارد البلاد الاقتصادية من خلال الاقتراض وإساءة استخدام اليد العاملة بالسخرة باعتبارهما «مصدرين لا ينضبان» بحسب أرنو الذي يقطع بتأثير نمط ادارة إسماعيل على فهم ومن ثم تطبيق نموذج باريس على القاهرة. فيقول “تعكس الوسائل التي لجأ إليها إسماعيل، سواء من حيث مؤهلات موظفيه أو من حيث التنسيق العام، عدم فهمه للنموذج الباريسي”.  في رأينا، لم تكن المسألة متعلقة فقط بسوء فهم النموذج الباريسي بل كان سوء الفهم والتدبير سيد الموقف لكل من السياقين : السياق الباريسي و القاهري على السواء.

**

نستطيع في النهاية أن نجزم بأن استبداد النظام الحاكم وشخصية إسماعيل المثيرة للجدل، وكذلك سوء اختياره لرجاله وسوء ادارتهم للمدينة الوليدة، كانت هي عوامل منظومة كاملة من الفشل. اثبتت لنا بعد قرن ونصف من الزمان أن باريس الشرق، أو مدينة إسماعيل أو المدينة الحديثة، التي تمثل اليوم وسط مدينة القاهرة، هي أكذوبة عمرانية أو على الأقل هي أسطورة.. كأسطورة الحداثة.

اقرأ أيضا:

القاهرتان (9): لغز علي باشا مبارك

 

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى