الفيلم السينمائي كأرشيف للتراث المديني
بمناسبة افتتاح معرض الكتاب غدا، ينشر موقع «باب مصر» على مدى أيام المعرض فصولا مختارة من بعض إصدارات دور النشر المصرية.
لماذا نلجأ إلى السينما؟
يأتي كتاب «السينما ليه؟» ليُجيب عن هذا التساؤل عبر قراءةٍ تتجاوز حدود التخصصات، كاشفًا كيف يتحول الفضاء العمراني في مصر إلى مسرحٍ حيٍّ للهوية، وكيف تغدو المدينة «سردية بصرية» تتنفس معنا. وعلى ضوء هذه الرؤية، ينسج محررا الكتاب، «عمر زهران» و«طاهر عبد الغني»، خارطة طريقٍ لمجالٍ بحثي ناشئ، تتجاوز فيه السينما دورها الترفيهي، لتصبح أداةً فاعلةً لصناعة الوعي العمراني، وذاكرةً تحفظ التراث من التلاشي والنسيان. اخترنا أن ننشر فصول من الكتاب الذي يصدر خلال أيام عن دار المرايا، ولن يكون متوافرا في معرض الكتاب، بسبب منع الدار من المشاركة في المعرض للعام الثاني على التوالي. هنا. دراسة: مجيب الرحمن عامر.
يتشابه الفراغ المديني مع الفراغ السينمائي، ويمنحنا الفيلم السينمائي إمكانية استكشاف صورة المدينة كأرشيف حي لتراثها. غير أننا في هذا الفصل نبحث عن مستوى أعمق يتعلق بتحليل صورة المدينة السينمائية من منظور سيميولوجي، سعيًا لتقديم رؤية جديدة للمدينة ومجتمعها. يسعى الفصل، من خلال تحليل مجموعة مختارة من الأفلام السينمائية، إلى رصد تحولات سياسية واجتماعية وعمرانية لميادين وسط مدينة القاهرة عبر فترة تتجاوز النصف قرن، معتبرًا السينما أرشيفًا يحفظ التراث المديني ويسمح بفك رموزه.
مقدمة: المدينة والفيلم، علاقة مترابطة
الصلة بين المدينة والفيلم السينمائي عميقة ومترابطة، نابعة من الطابع المعرفي لكل منهما. فالمدينة، كما يرى القديس أوغسطين ومن قبله أرسطو، «جماعة من الناس قبل أن تكون تجمعًا من الأحجار»، مما يجعلها سلسلة من الوقائع وتسلسلًا متواصلًا من التجارب اليومية.
تنشئ هذه التجارب مجموعة من الصور الذهنية تحول المدينة إلى كيان رمزي مشحون بالذكريات. وبالتوازي، يُفهم الفيلم السينمائي كتسلسل من الصور المتحركة على الشاشة، تخلق لدى المتفرج إحساسًا بالاستمرارية والديناميكية، وتثير مشاعر متنوعة بناءً على ما تحمله هذه الصور – فردية أو جماعية – من دلالات أو معانٍ. هذا التشابه ليس مصادفة، بل يعكس كيفية بناء الذاكرة الجماعية في كلا السياقين، حيث تتحول المدينة إلى سرد بصري يشبه الفيلم، مليء بالرموز التي تحمل تاريخًا وثقافة.
***
ويتطابق الفراغ المديني مع الفراغ السينمائي: تلعب الحركة دورًا حاسمًا في كليهما، ويعبران عن صورة المدينة سواء كانت خيالية أو واقعية أو مزيجًا بينهما. ومن خلال كل منهما، يمكن استيعاب أو تفكيك المدينة ومجتمعها، مع الإلمام بالسياق السياسي والاجتماعي الذي نشأت فيه وتطورت بين الازدهار والانحسار.
على سبيل المثال، في العديد من الأفلام التاريخية، تُستخدم المدينة كخلفية ليس فقط للأحداث، بل كشخصية رئيسية تتطور مع الزمن، تنعكس التحولات الاجتماعية مثل الانتقال من الريف إلى الحضر أو التأثيرات السياسية كالثورات.
هذا التشابه الواضح يدفعنا لتبني رأي الناقد السينمائي محمود قاسم في أن الفيلم يمكن اعتباره مدينة واسعة الأبعاد لا حدود لها، كما يمكن اعتبار المدينة فيلمًا مستمر الأحداث. إن تسليط الضوء على العلاقة بين المدينة والفيلم السينمائي في طبيعتها وأبعادها يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتمثيل المدينة واستيعابها، إذ أن «تمثيل المكان يعني (بالضرورة) استيعابه»، مما يؤكد أهمية الخيال بالنسبة للمدينة، رغم عدم تطابق الخيال المديني غالبًا مع واقعها، إلا أنه ضروري لأنه لا يوجد خيال للفراغ دون تخيله كما يقول أندريه كوربوز.
***
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار الصور السينمائية – كغيرها من الوسائط مثل النحت والرسم والتصوير الفوتوغرافي – مجرد انعكاس للواقع المديني فحسب، بل عنصرًا مشاركًا في تشييده وإدراكه عبر الصورة المتحركة، التي تكون في الوقت نفسه وسيطًا فاعلًا في «تشكيل الأنماط الاجتماعية من خلال حركاتها الرمزية التي تساهم في إنتاج النسيج الحضري». في هذا السياق، يمكننا النظر إلى كيف ساهمت السينما في تشكيل صورة القاهرة كمدينة كوزموبوليتانية في الثلاثينيات، حيث كانت الشوارع مليئة بالتنوع الثقافي، أو كمدينة مزدحمة في الثمانينيات تعاني من الضغوط الاجتماعية.
يرتبط الإدراك البصري للمدينة عبر الفيلم السينمائي بنظرة المجتمع الذي يولي أهمية كبرى لكل ما هو مرئي، إذ «يعتمد مجتمعنا بشكل كبير على حاسة النظر، ويقيس أي واقع بناءً على قدرته على إظهار نفسه أو عرض الأشياء والروابط في صورة تجارب بصرية». لذا، يمكن اعتبار الفيلم قوة محركة في الصلة بين المدينة والمجتمع، حيث يعيد تشكيل الذاكرة الجماعية من خلال تكرار الرموز المدينية.
في ذلك السياق، يؤثر الفيلم المحمل بتصورات محددة عن المدينة على المتفرج الذي يتفاعل معها، مما يطور إدراكه لها واستخداماته. علاوة على ذلك، يكشف التصور المديني الذي يقدمه الفيلم عن أهمية الفراغ الحضري، مثل الميادين التي تكون مراكز للتلاقي الاجتماعي أو الاحتجاجات. وبالتالي، يلعب الفيلم السينمائي دورًا حاسمًا ودلاليًا يمكن الاستفادة منه في استيعاب مكونات المدينة وفك رموز تراثها كأرشيف حي.
من خلال الصور المتحركة التي تخضع لعمليات تأطير وتجميع وتفكيك مرتبطة بالمونتاج، يعرض الفيلم السينمائي الأنماط السلوكية داخل الأماكن المتنوعة في المدينة. وبناءً عليه، تتشكل صور جديدة عن المدينة ومجتمعها، تتميز بكونها «تخص مجالًا محددًا للمدينة يُرى من زاوية معينة، وبحدود دقيقة». تعمل هذه الصور الجديدة، كما ذكرنا، على استيعاب المدينة وتطورها وفق التفسيرات المتنوعة التي يتيحها المتفرج بناءً على ثقافته الإدراكية لهذه الصور.
***
إن الطبيعة الأرشيفية للسينما تكمن في قدرتها على توثيق التحولات المدينية بطريقة لا تستطيعها الوثائق التقليدية. فبينما تحفظ الخرائط والتقارير الرسمية الأبعاد المكانية والإحصائية للمدينة، يحفظ الفيلم روحها وإيقاعها ونبضها الاجتماعي. من خلال الصور المتحركة، نشهد كيف كانت الشوارع تتنفس، وكيف كان الناس يتحركون، وما هي الأصوات التي كانت تملأ الميادين. تصبح الصور السينمائية بهذا المعنى وثائق تراثية لا تقدر بثمن، خاصة عندما تختفي العناصر المعمارية أو العمرانية التي صورتها. فالترام الذي نراه يتحرك عبر ميدان رمسيس في الأفلام، أو كابينة دليل القاهرة العملاقة في ميدان التحرير، أو جسور المشاة التي كانت تربط أجزاء ميداني التحرير ورمسيس – كلها أصبحت الآن مجرد ذكريات محفوظة في الأرشيف السينمائي.
هكذا يتحول الفيلم من مجرد عمل فني إلى أرشيف تفاعلي للتراث الحضري. وهذا ما يجعل دراسة المدينة من خلال السينما ليست مجرد تحليل نقدي، بل عملية استكشاف أثري لطبقات الذاكرة المدينية التي تراكمت عبر عقود من الزمن. من هنا نحاول في هذا الفصل استكشاف العلاقة بين المدينة والفيلم السينمائي، خاصة فيما يتعلق بقدرة التمثيلات السينمائية على استيعاب المدينة كأرشيف لتراثها، مما يعني فك رموز الواقع المديني في سياقه السياسي والاجتماعي.
يمكننا الإجمال بأن إدراك المدينة وتفسيرها عبر التمثيل السينمائي يؤثر على واقعها كما يعبر عن ماضيها وحاضرها، وربما يساعد في التنبؤ بمستقبلها. يحفزنا ثنائي المدينة والسينما على استكشاف الصلة بين إدراك المدينة وتفسيرها من خلال تحليل الصورة السينمائية، مما يثير الأسئلة التالية:
- كيف يمكن تحليل التمثيل السينمائي للمدينة باستخدام علم السيميولوجيا؟
- ما هي الأبعاد التي يضيفها هذا التحليل في استيعاب المدينة ومجتمعها كأرشيف تراثي؟
المنهج السميولوجي في فهم المدينة: من هنا نبدأ
بشكل عام، نرى أن استيعاب نشأة المدينة وتطورها يعتمد على فهمنا لعلاقتها بالسياق السياسي والاجتماعي الذي نشأت فيه. وبما أن العمل الفني هو في الأساس منتج مجتمعي وثقافي بامتياز، فإن ذلك يدفعنا لاستخدام الصورة السينمائية كوسيط يساعد في تشكيل رؤية جديدة للمدينة كأرشيف لتراثها.
هذا المنهج في الاستيعاب والتفسير عبر وسائط غير تقليدية للباحث في العمران مبني على فكر رولان بارت في كتابه “المغامرة السيميولوجية” (1967)، حيث يقدم بارت أمثلة عن تمثيلات المدينة في الأدب ليصل إلى نتيجة جوهرية: أن تعدد القراءات غير التقليدية للمدينة يساعد في استيعابها وفك رموز ما أسماه كود المدينة أو شفرتها.
إن علم السيميولوجيا، دراسة للعلامات والرموز، يسمح بتفكيك الصور السينمائية لكشف الدلالات المخفية، مثل كيف يرمز تمثال في ميدان إلى الهوية الوطنية أو كيف يعكس الزحام وضوضاء الشارع الضغوط الاقتصادية. في سياق القاهرة، يمكن تطبيق هذا المنهج لفهم كيف تحولت الميادين من رموز للازدهار والكوزموبولتانية إلى رموز للفوضى عبر العقود.
ورغم غنى المكتبة العربية بالدراسات السينمائية النقدية والتحليلية، إلا أن الدراسات التي تناولت فك رموز المدينة سيميولوجيًا عبر الصورة السينمائية تتسم بالندرة، خاصة مقارنة بالدراسات التي تفسر المدينة عبر الأعمال الأدبية. ويرجع ذلك، في رأينا، إلى عامل حاسم: أن الصورة السينمائية مرئية ومتحركة، مما يصعب نقلها وتحليلها كتابيًا، خاصة إذا تعذر على الباحث الإشارة إلى عنصر الحركة وإيقاعها، ما يهدد الموضوعية البحثية ويقلل من جهد الباحث، وهو ما يفسر تردد معظم الباحثين عن دراسة المدينة عبر الصورة السينمائية. على سبيل المثال، في دراسات مثل تلك التي تعتمد على فلسفة بارت، يتم التركيز على النصوص الأدبية، بينما السينما تتطلب أدوات تحليلية للحركة، مثل تحليل المونتاج كعملية بناء دلالات.
***
في سياق دراستنا، نتجاوز فكرة “فك الشفرة” لبارت إلى مفهوم “قراءة الأرشيف”، حيث نتعامل مع الصور السينمائية باعتبارها وثائق تراثية تحمل في طياتها طبقات متعددة من المعلومات عن الحالة الحضرية. وكما أسلفنا إن التحدي الأساسي في تحليل الأرشيف السينمائي يكمن في طبيعة الصورة المتحركة نفسها. فعلى عكس الوثائق الثابتة، تحمل الصورة السينمائية في حركتها معلومات إضافية عن الإيقاع الحضري وديناميكية المدينة. هذا ما يفسر ندرة الدراسات التي تتناول المدينة سيمولوجيًا من خلال السينما مقارنة بتلك التي تعتمد على النصوص الأدبية.
ولضمان الدقة العلمية في قراءة الأرشيف السينمائي، يجب على دارس المدينة من طريق السينما الالتزام بمجموعة من المعايير المنهجية. منها السياق التاريخي والسياسي بمعنى فهم الظرف الذي أنتج فيه الفيلم ودوره في تشكيل الرؤية السينمائية للمدينة. هذا المعيار أساسي لأن العمل الفني منتج اجتماعي بامتياز يعكس روح عصر. كما أن إدراك الزمن الأرشيفي مهم لأنه عن طريقه يمكن التمييز الدقيق بين زمن الأحداث التي يصورها الفيلم وزمن إنتاجه، وفهم العلاقة بين هذين الزمنين في تشكيل الذاكرة المدينية.
ولا يمكن بالطبع إغفال العناصر المعمارية والعمرانية حيث يتم رصد المباني والساحات والشوارع والعناصر الحضرية الأخرى، وتوثيق حالتها أو اختفائها اللاحق، مما يجعل الفيلم وثيقة تراثية فريدة. كذلك مهم للباحث الانتباه للتقنيات السينمائية ومنها زوايا الكاميرا وحركتها وتقنيات المونتاج التي تؤثر على طريقة عرض المدينة وبالتالي على طبيعة الأرشفة السينمائية. أخيرًا نعتقد أن من اللازم دراسة الأجواء والسلوكيات الاجتماعية وفيها يتم رصد أنماط استخدام الفراغات العامة وطرق التفاعل الاجتماعي التي تشكل جزءًا من التراث اللامادي للمدينة.
القاهرة في السينما: سياق تاريخي
إن إدراك النقص الواضح في هذا النوع من الدراسات يدفعنا إلى محاولة سبر أغوار العلاقة بين المدينة والسينما كوسيط مرئي متحرك، مع الاعتراف دومًا أن البحث الذي تقدمه هذه السطور لن يقوم بسد هذه الفجوة ولا ينبغي له، ذلك أننا نرى أن فهم الحالة الحضرية عن طريق العلاقة بين المدينة والسينما يستحق أن يتم دراسته في عمل بحثي كبير أو مؤلف مستقل لكن هذا العمل محاولة لنقل صورة المدينة في السينما منذ ظهورها بنهاية القرن التاسع عشر أو بالنسبة لحالة مدينة القاهرة فيجدر فيحاول هذا الفصل هذا الإلمام ببعض أفلام السينما المصرية منذ ابتدائها في مطلع الثلاثينيات حتى الثمانينات.
وقد شهدت السينما المصرية نموًا كبيرًا في الثلاثينيات مع إنشاء استوديو مصر عام 1935، الذي أصبح محورًا للحركة السينمائية في القاهرة حيث كانت المدينة مركزًا رئيسيًا للإنتاج، مع وجود كازينوهات ومسارح شارع عماد الدين، المعروف بحركة الاقبال الشديد.
بدأت الأفلام تتناول قضايا المجتمع، مع ظهور الأفلام الناطقة مثل “أولاد الذوات” (1932) و”أنشودة الفؤاد” (1932). وسياسيًا عكست الفترة تأثير الاحتلال البريطاني والبحث عن الهوية الوطنية، واستُخدمت شوارع القاهرة كمواقع تصوير لتعكس الحياة اليومية. في الأربعينيات، ازداد الإنتاج بعد الحرب العالمية الثانية، من 16 فيلمًا في 1944 إلى 67 في 1946، مع التركيز على القضايا الاجتماعية الملحة.
***
بلغ إنتاج الأفلام المصرية في العالم العربي ذروته خلال الخمسينيات والستينيات خلال الحقبة الناصرية وفيها تأكد دور ريادة مصر للعالم العربي وانتهجت فيها الدولة المصرية نهجًا مبني على الفكرة القومية والتوجه الاشتراكي في نفس الوقت. ويبدو أن قادة “جمهورية يوليه” قد أدركوا الأهمية السياسية للسينما فصدر بمقتضى ذلك القانون 128 لعام 1954، الذي يسلط الضوء على «الدور الاجتماعي الهام للسينما كأداة للتعليم والثقافة». اتخذت الدولة الناصرية تدابير لدعم إنتاج الأفلام التي تخدم أغراض الدعاية والهيمنة الإقليمية، مثل إنشاء المؤسسة العامة للسينما المصرية (1956).
عبرت أفلام الخمسينيات والستينيات عن تأثير ثورة 1952، مع التركيز على الإصلاح الاجتماعي و الفكرة القومية، بينما شهدت أفلام السبعينيات والثمانينيات تنوعًا في الثيمات، مع التركيز على الضغوط الاجتماعية والانفجار السكاني، واستمر استخدام القاهرة كخلفية للأفلام الدرامية والكوميدية.
في التسعينيات، استمرت السينما في عكس التحديات الاجتماعية مع تركيزها على الواقعية الحضرية واستُخدمت أحياء القاهرة لتصوير التحولات الاجتماعية حتى تبارى المخرجون المصريون في الأجيال المختلفة مثل صلاح أبو سيف وهنري بركات وكمال الشيخ ويوسف شاهين في تصوير المشاهد القاهرية التي يمكن رصد الحياة الاجتماعية والعمرانية من خلالها فظهرت مجموعة من الشوارع والساحات والأماكن المميزة في وسط المدينة وكذا ظهرت أطياف المجتمع الذي يعيش ويستخدم الفراغات العامة وشبه العامة والخاصة.
حالات الدراسة: تحولات مدينية عبر الأفلام
يبدأ المدى الزمني لهذه الدراسات من أواخر العهد الملكي، حيث كانت المدينة كوزموبوليتانية تحت نظام الملكية الدستورية، مرورًا بفترة الجمهورية والتحولات الاجتماعية والعمرانية ووصولاً إلى التسعينيات. هذا الإطار الزمني الممتد يتيح لنا رصد التحولات الجذرية في طبيعة المدينة ووظائفها الاجتماعية والسياسية عبر أكثر من نصف قرن.نركز هنا على حالتين مكانيتين رئيسيتين في وسط القاهرة: ميدان المحطة (رمسيس) وميدان التحرير، مستخدمين الأفلام كأرشيف يحفظ التراث المديني ويكشف عن تحولاته.
ميدان رمسيس: من الكوزموبوليتانية إلى الفوضى
يمثل ميدان المحطة – المعروف حاليًا باسم ميدان رمسيس – نموذجًا مثاليًا للفضاء الحضري الذي يحمل في طياته طبقات متعددة من التاريخ. كونه يضم أقدم محطة قطارات في العاصمة، والتي شُيدت مع افتتاح أول خط سكة حديد في مصر منذ منتصف القرن التاسع عشر، فإنه يشكل بوابة رمزية للمدينة ونقطة التقاء بين الريف والحضر. هذا الطابع الانتقالي للميدان جعله مسرحًا لتفاعلات اجتماعية معقدة، حيث تتلاقى طبقات مختلفة من المجتمع: النازحون من الريف، وسكان المدينة الأصليون، والعمال والباعة الجائلون. كل هذا التنوع الاجتماعي انعكس في الأعمال السينمائية التي صُورت في الميدان عبر عقود متتالية.
يُعد ميدان المحطة (رمسيس) مركزًا حيويًا في القاهرة، شهد تحولات عمرانية واجتماعية عبر العقود. في عهد الملك فاروق، كان يُعرف بميدان نهضة مصر، مع تمثال “نهضة مصر” لمحمود مختار الذي أُزيل بعد ثورة 1952 ونُقل إلى الجيزة، واستُبدل بتمثال رمسيس الثاني. اجتماعيًا، كان الميدان مركزًا للنقل، يربط بين الوسط والضواحي. نرصد هنا أربعة أفلام مرتبة زمنيًا، تكشف عن تراث هذا المكان كأرشيف سينمائي.

***
فيلم سي عمر (1941) هو عمل كوميدي اجتماعي يروي قصة جابر أفندي، موظف بسيط في عزبة عمر الألفي، يُطرد من عمله ثم ينزح إلى القاهرة، ثم يلتقي ببرلنتي زوجة عمر بك الحقيقي الغائب في الهند. يستغل الشبه بينهما للانخراط في حياة الأسرة. الفيلم للمخرج نيازي مصطفى، وتأليف بديع خيري ونجيب الريحاني، وبطولة الريحاني وميمي شكيب.
في هذا الفيلم، يظهر تمثال نهضة مصر الذي أُزيل لاحقًا، كرمز سيميولوجي للهوية الوطنية في أواخر العهد الملكي، حيث يمثل النهضة كعلامة للتقدم، بينما تُصور محطة القطار كمكان غير آمن مليء بالنشالين واللصوص، مما يعكس الجانب الاجتماعي للمدينة الكوزموبوليتانية، مع دلالات على الفساد والنزاعات الطبقية. ما يجعل هذا الفيلم وثيقة تراثية فريدة هو ظهور تمثال “نهضة مصر” لمحمود مختار، قبل نقله إلى موقعه الحالي أمام جامعة القاهرة. كما يوثق الفيلم الطبيعة الأمنية للمنطقة، حيث تظهر مشاهد تشير إلى انتشار النشل والسرقات الصغيرة، مما يعكس التحديات الاجتماعية التي واجهتها المدينة مع تزايد الهجرة الداخلي.
أما فيلم باب الحديد (1958)، فهو دراما نفسية تدور حول قناوي، شاب صعيدي أعرج يعاني اضطرابا عقليًا، ينزح إلى القاهرة و يعمل بائع صحف، يقع في حب هنومة بائعة المياه الغازية التي تفضل أبو سريع الحمال. يزداد يأسه فيرتكب جريمة، ليتم القبض عليه. الفيلم اخراج وبطولة يوسف شاهين، سيناريو عبدالحي أديب، يحفظ الفيلم تراث المحطة كفضاء اجتماعي مليء بالحركة والتناقضات، مع صور للزحام والفوضى التي تعبر عن تحولات الجمهورية المبكرة، حيث يرمز قناوي سيميولوجيًا إلى الهامش الاجتماعي، أما المحطة فعلامة للانتقال والصراع المجتمعي. يعكس الفيلم الضغوط النفسية في مجتمع ما بعد الثورة، مع المونتاج الذي يبني إيقاعًا يشبه نبض المدينة المزدحمة.
***
يحمل فيلم باب الحديد، الاسم القديم لميدان المحطة، من الناحية الأرشيفية فهو يوثق بدقة لديناميكية المكان في الخمسينيات حيث تبدأ اللقطات الأولى بحركة كاميرا سريعة تلتقط وجوه متحركة بسرعة، مصحوبة بأصوات القطارات وصياح الباعة، مما يعطي إحساسًا بالإيقاع السريع للحياة المدينية ويوثق الكثافة السكانية المتزايدة. أما اللحظة الأكثر دلالة أرشيفيًا تأتي في مشهد الحوار بين قناوي وهنومة عند نافورة تمثال رمسيس.
هنا نشهد توثيقًا سينمائيًا للحظة التحول الرمزي في الميدان، حين تم استبدال تمثال “نهضة مصر” بتمثال رمسيس الثاني عام 1955. الكادر الذي يجمع قناوي ورأس تمثال رمسيس يحمل رمزية عميقة: كلاهما “غريب” عن سياقه الأصلي، قناوي النازح من الصعيد وتمثال رمسيس المنقول من ميت رهينة، وكلاهما وجد نفسه بغرابة في هذا المكان الانتقالي.
***
فيلم النداهة (1975)، وهو عمل درامي يحكي قصة حامد البواب الذي ينتقل إلى القاهرة ويتزوج فتحية من قريته، التي تبهرها الحياة في المدينة فتقرر الهرب من زوجها. الفيلم من اخراج حسين كمال، وبطولة ماجدة وشكري سرحان وإيهاب نافع، عن قصة قصيرة ليوسف إدريس. يظهر في مشاهد الفيلم الأولى الترام الذي أُزيل لاحقًا من ميدان رمسيس، تحت نظرات مندهشة من ماجدة وشكري سرحان القادمين من الريف، يظهر تراث المدينة كأرشيف للصدمة الثقافية والتحولات العمرانية في السبعينيات.
سيميولوجيًا، يرمز الترام إلى التقدم الحضري الذي يبتلع الريفيين، والوقفة المندهشة كعلامة للاغتراب، معكسًا الثيمات الاجتماعية مثل التطور العلمي والفجوة الطبقية التي أحدثها عصر الانفتاح وتوثق في الوقت نفسه المشهد البصري والصوتي للمدينة في تلك الحقبة.
أخيرًا، فيلم هنا القاهرة (1985) ويحكي قصة سنوسي (محمد صبحي)، الموظف البسيط القادم وزوجته (سعاد نصر) من الأقصر ليقدم تقريرًا هامًا للوزير في كوميديا اجتماعية تنتقد النظام الإداري وفوضى مدينة القاهرة التي يواجهها البطلان. وينتهي الفيلم بدعوة صريحة مكتوبة للخروج من القاهرة، الفيلم مقتبس من فيلم أمريكي وهو للمخرج محمد مرزوق. في نهاية الفيلم، يقفز سنوسي من كوبري المشاة برمسيس إلى كوبري السيارات ـ كوبري 6 أكتوبر- للحاق بموعده، وسط زحام وفوضى تعكس الانفجار السكاني في الثمانينيات، وفيه نرى ميدان رمسيس كفضاء ديناميكي مليء بالتحديات.
المشهد يوثق عدة عناصر: أولاً، وجود كوبري المشاة كعنصر عمراني جديد لم يكن موجودًا في الأفلام السابقة وتمت إزالته لاحقًا. ثانيًا، الزحام والفوضى المتزايدة التي تعكس النمو السكاني المتسارع. ثالثًا، حالة الاستعجال والضغط النفسي التي أصبحت تميز الحياة في المدينة.

ميدان التحرير: من الديناميكية إلى التكدس
ميدان التحرير، هو رمز مديني للتحولات السياسية المصرية، ويحتل موقعًا خاصًا في الذاكرة الجمعية المصرية، ليس فقط كونه القلب الجغرافي للعاصمة، بل أيضًا كونه المسرح الرئيسي للأحداث السياسية الكبرى. هذا الطابع المزدوج – الجغرافي والسياسي – جعله محورًا أساسيًا في الأعمال السينمائية عبر عقود مختلفة، مما وفر لنا أرشيفًا بصريًا ثريًا لتتبع تحولاته.
الميدان الذي نعرفه اليوم هو نتاج تراكمات تاريخية متعددة، بدءًا من التخطيط الخديوي الأصلي، مرورًا بالتعديلات الجمهورية، وانتهاءً بالتطويرات الحديثة. كل مرحلة من هذه المراحل تركت آثارها المعمارية والعمرانية، والأهم من ذلك أنها وثقت سينمائيًا في الأفلام المنتجة خلال تلك الحقب. شهد الميدان عدة أحداث فارقة في تاريخ مصر الحديث، وتغير اسمه مؤقتًا إلى ميدان السادات عام 1981.
***
أولاً، فيلم ضربة شمس (1980) وهو عمل إثارة يحكي قصة شمس المصور الصحفي الذي يرتبط بسلوى، ويتورط في جريمة بعد تصوير حفل زفاف يكشف عن عصابة تهريب. الفيلم اخراج محمد خان وبطولة نور الشريف ونورا وليلى فوزي. في أحد مشاهد الفيلم المهمة يظهر كوبري المشاة بميدان في مشهد مطاردة يعبر عن الاستعجال والديناميكية، يوثق المشهد استخدام عنصر عمراني مهم ظهر في قاهرة الستينيات كجزء من مشروع التطوير الناصري للميدان، يظهر الميدان في الفيلم كفضاء للديناميكية.
وجاءت حركة الكاميرا السريعة والمونتاج المحكم ليخلقا إحساسًا بالضغط الزمني والمكاني الذي يميز الحياة في المدينة المزدحمة. لكن الجسر يظهر مرة أخيرة في مشهد نهاية الفيلم، عندما نرى البطلين يعبران الجسر خاليًا من المارة وقت طلوع الفجر، في مشهد جنائزي حزين يعكس حالة الإرهاق النفسي والجسدي بعد ليلة من الأحداث المثيرة. هذا التباين بين الزحام النهاري والفراغ الفجري يوثق الإيقاعات المختلفة للمدينة عبر اليوم الواحد.
ثم يأتي هنا القاهرة (1985)، مرة أخرى وفيه تظهر كابينة “دليل القاهرة” العملاقة التي ظهرت ضمن مشروع تطوير القاهرة: يحاول سنوسي استخدامها للاسترشاد بها للحاق بموعده فيجدها معطلة ثم ينصرف وعليه علامات اليأس والإرهاق. أُزيلت كابينة دليل القاهرة لاحقًا لكثرة أعطالها، ولكن وجودها في الفيلم يعكس حالة الإهمال وسط فوضى التحولات العمرانية، مع التلميح الواضح بالعجز في مواجهة الإهمال في صيانة مرفقات مهمة وكذلك حالة التيه المديني التي عاشها بطل الفيلم مع زوجته بين شوارع القاهرة.
كانت كابينة دليل القاهرة تمثل رمزًا للحداثة التكنولوجية في الستينيات والسبعينيات غير أنها اختفت تمامًا من المشهد الحضري. المشهد لا يوثق فقط وجود تقنية GPS في القاهرة مبكرًا، بل يؤكد حالة الإهمال والتدهور التي أصابت البنية التحتية للمدينة. الكابينة المعطلة هي استعارة بصرية لحالة الخدمات العامة في تلك الفترة، وتعكس العلاقة المتوترة بين المواطن والدولة.
***
أخيرًا، فيلم الإرهاب والكباب من إخراج شريف عرفة (1992) وهو كوميديا سياسية تحكي قصة أحمد الذي يذهب إلى مجمع التحرير لنقل أبنائه مدرسيًا، لكنه يفقد أعصابه ويحتجز رهائن عن غير قصد، الفيلم تأليف وحيد حامد وبطولة عادل إمام ويسرا. في أحد مشاهد الفيلم، يظهر موقف الأوتوبيسات بعد إزالة جسر المشاة، مع تكدس يعبر عن الانفجار السكاني، متفقًا مع فكرة الفيلم بأن الضغوط والبيروقراطية قد تدفع مواطنًا عاديًا للعنف ولاحتلال مبنى حيوي، وكأن الميدان أرشيف للضغوط الاجتماعية.
الفيلم يوثق موقف الأتوبيسات الجديد في الميدان، بعد اختفاء قاعدة تمثال الخديو إسماعيل. وفي المشاهد المتعددة للفيلم والتي تم التقاطها من سطح مجمع التحرير يظهر التكدس والانفجار السكاني الذي وصل إلى ذروته في التسعينيات. في الإرهاب والكباب المكان والحدث يتفاعلان ليخلقا استعارة بصرية قوية عن حالة المدينة والدولة معًا.
خاتمة: نحو منهجية جديدة في دراسة التراث الحضري
تكشف هذه الحالات كيف تُشكل السينما أرشيفًا للتراث المديني، مفككة رموزه سيميولوجيًا لفهم التحولات السياسية والاجتماعية والعمرانية في القاهرة. من أواخر العهد الملكي إلى الجمهورية، تعكس الأفلام تطور المدينة من الكوزموبوليتانية إلى التكدس، هذا النهج يفتح أبوابًا لدراسات مستقبلية، مؤكدًا دور السينما في حفظ التراث.
من خلال هذه الرحلة عبر الأرشيف السينمائي لوسط القاهرة، يتضح لنا أن السينما تتجاوز دورها الترفيهي والفني لتصبح أرشيفًا حيًا للتراث الحضري. هذا الأرشيف لا يحفظ فقط الشكل المعماري للمدينة، بل أيضًا إيقاعها الاجتماعي وأجواءها النفسية وتفاعلاتها الإنسانية.
كما رأينا، فإن العناصر التي اختفت من المدينة – مثل الترام وكابينة دليل القاهرة العملاقة وجسور المشاة– محفوظة في الذاكرة السينمائية بكل تفاصيلها. هذا الحفظ لا يقتصر على الشكل البصري، بل يشمل أيضًا السياق الاجتماعي والثقافي لاستخدام هذه العناصر.
***
الأرشيف السينمائي يكشف لنا كيف أن المدينة كائن حي في حالة تحول مستمر. من الكوزموبوليتانية الملكية إلى القومية الناصرية، إلى ضغوط التسعينيات الاقتصادية، كل مرحلة تركت آثارها على النسيج الحضري. لكن في الوقت نفسه، هناك عناصر لا يمكن إغفالها: الزحام، والحيوية، والتنوع الاجتماعي، والطابع الانتقالي لبعض الأماكن. هذا التفاعل بين التحول والاستمرارية هو ما يجعل دراسة المدينة من خلال السينما مثرية. نحن لا نرى فقط كيف تغيرت المدينة، بل أيضًا ما الذي ظل ثابتًا رغم كل التغييرات.
ما نقترحه من خلال هذه الدراسة هو تطوير منهجية جديدة في دراسة التراث الحضري تعتمد على الأرشيف السينمائي كمصدر أساسي للمعلومات. هذه المنهجية لا تحل محل الطرق التقليدية في دراسة المدينة، بل تكملها وتثريها بأبعاد جديدة. إن الأرشيف السينمائي يوفر لنا نافذة فريدة على الماضي، نافذة تسمح لنا برؤية المدينة كما كانت تُعاش وليس فقط كما كانت تُبنى.
هذا البعد التجريبي للمدينة – كيف كان الناس يتحركون فيها، وكيف كانوا يشعرون تجاهها، وكيف كانوا يستخدمون فراغاتها – هو ما يجعل الأرشيف السينمائي لا يقدر بثمن في فهم التراث الحضري. وبينما نتطلع إلى المستقبل، يصبح من الضروري توثيق مدننا المعاصرة بنفس الدقة والوعي. فالأفلام التي تُنتج اليوم ستصبح أرشيفًا للأجيال القادمة، تحكي لهم كيف كانت مدننا في بداية القرن الحادي والعشرين، وكيف كنا نعيش فيها ونتفاعل معها.
اقرأ أيضا:
قاهرة يوليو (16): «عمارة يعقوبيان» وتحولات الزمان والمكان (1-2)



