الفنان «محمد طرفاية»: قضيت 55 عاما في التمثيل ولدي طاقة فنية كبيرة

أكثر من 55 عاما قضاها الفنان محمد طرفاية بين الغناء والتمثيل. إذ شارك بأكثر من 80 عملا مسرحيا مع فرقة الفيوم المسرحية التي كان أحد مؤسسيها عام 1965 ومازال أحد أعمدتها الآن. طرفاية أشاد به عمالقة المسرح في مصر، ومازال قادرا على إمتاع جمهوره وتقديم ما لديه من إبداع وطاقة فنية، حتى تم تكريمه مؤخرا بالمهرجان القومي الختامي لفرق الأقاليم.. «باب مصر» يلتقي به للحديث عن ذكرياته مع الفن والمسرح.

البدايات مع عبدالحليم

الفنان محمد طرفاية، من مواليد 1948 بقرية البرنس، مركز إطسا، محافظة الفيوم، بدأ حياته الفنية مغنيًا. ثم انتقل للتمثيل وكان أحد مؤسسي فرقة الفيوم المسرحية، منتصف الستينيات. كما لعب العديد من الأدوار المسرحية مع الفرقة. حتى الآن لا يزال طرفاية يقف على خشبة المسرح الذي يعشقه.

يقول طرفاية لـ”باب مصر”: “بدأت دخول المجال الفني مغنيًا، عندما كنت في العشرين من عمري، كنت مغرمًا بالمطرب عبدالحليم حافظ مثل أبناء جيلي في تلك الفترة. وكنت وقتها في الفرقة الأولى بكلية حقوق جامعة عين شمس. وأتذكر أول أغنية قمت بغنائها في أسبوع شباب الجامعات على مسرح الجامعة كانت أغنية “في يوم في شهر في سنة”.

وتابع: لم استمر في دراسة الحقوق بالقاهرة، وغيرت مجال دراستي والتحقت بمدرسة المعلمين الشعبة الخاصة، وبعدها درست تأهيل تربوي جامعي، وعملت مدرسًا بمدرسة ابتدائية بقريتي، وكان والدي يعمل ناظر المدرسة.

لم يشغل طرفاية عمله كمدرس عن حبه للفن، وظل يغني في حفلات الأصدقاء وغيرها. إلى أن انضم في منتصف الستينيات إلى فرقة الفيوم المسرحية التي كانت في بدايتها، وكان أحد مؤسسيها، وانتقل من العمل كمدرس إلى التوجيه المسرحي ليعمل موجها للمسرح بالتربية والتعليم.

ومن خلال عمله قام بتنفيذ العديد من العروض المسرحية التابعة للتربية والتعليم، فهو من يدرب الطلبة ويختار النصوص، حتى الإكسسوارات والملابس وغيرها لإنتاج أعمال مسرحية يشارك بها في مسابقات الوزارة. بجانب مشاركته وتمثيله في عروض فرقة الفيوم المسرحية التي كانت تقوم بعرض مسرحياتها على مسارح قصور الثقافة.

فرقة الفيوم المسرحية

“محمد طرفاية، أحمد جنيدي، محمد صوفي” ثلاثة فنانين يعتبرهم مؤرخي الحركة المسرحية في الفيوم المؤسسين الحقيقيين لفرقة الفيوم المسرحية. ويعد طرفاية الآن وبعد وفاة الأصدقاء آخر المؤسسين لفرقة الفيوم القومية للمسرح.

يقول: “كانت فرقة الفيوم المسرحية في بدايتها تابعة لما كان يسمي الثقافة الجماهيرية والتي كان يرأسها في ذلك الوقت الفنان القدير حمدي غيث. انضممت إليها في البداية كمغني. ثم كانت أول مشاركة لي ممثلاً في العرض المسرحي “في حزيران ولدنا من جديد”، والذي كان يتناول القضية الفلسطينية. وكنت أقوم بدور “سرحان بشارة” الشاب الفلسطيني الذي قتل الرئيس الأمريكي روبرت كيندي، وهو الدور الذي كان يؤديه في نفس الوقت الفنان الشاب وقتها محمود ياسين في مسلسل إذاعي. وأتذكر أنه عندما حضر وفد فلسطيني إلى القاهرة، تم اختيار أحد مشاهدي من قبل الثقافة الجماهيرية لنؤديه أمامهم”.

توالت الأعمال المسرحية التي قام بها طرفاية. حتى وصلت إلى أكثر من 80 عمل مسرحي مع الفرقة. كما حصل على جوائز عن تلك الأعمال، وتعاون مع العديد من المخرجين الكبار في السبعينات. مثل “سيد طليب، إيميل جرجس، عبد الرحمن الشافعي وغيرهم”.

ويكمل طرفاية: قدمت الفرقة العديد من العروض المختلفة، وانضم للفرقة العديد من الممثلين الذين أصبحوا نجومًا الآن. وبسبب الطبيعة الاجتماعية التي تميل إلى المحافظة في الفيوم كان ينقصنا عناصر نسائية، لذا كنا نستعين بممثلات من الخارج سواء القاهرة أو محافظات أخرى.

ومع توهج الفرقة ونجاحها انضمت إلينا ممثلات منهن بثينة عبدالحميد وكريمان ضيف وشادية عبداللطيف، وفكرية حسنين زوجة الممثل أحمد جنيدي وكانت بطلة للفرقة لفترة كبيرة، وكان أغلبهن مدرسات بالتربية والتعليم. ومؤخرًا الممثلة جيهان عبدالمعطي، التي أرى أنها من أفضل الممثلات التي انضمت للفرقة.

ويذكر أنه كان يطلق على فرقة الفيوم المسرحية قديمًا لقب “غول الثقافة الجماهيرية”. “كنا نجوب المحافظات بالعروض الخارجية، وكان يأتي النجوم الكبار لحضور عروضنا المسرحية التي كانت تنال استحسانهم ويشيدوا بها، مثل الفنانة أمينة رزق، وإبراهيم الشامي، محمد العناني، عايدة كامل، وغيرهم”.

مسرح مجلس المدينة

خلال الخمسينيات حتى السبعينيات لم يكن في الفيوم مسرحا سوى المسرح التابع لمجلس مدينة الفيوم، الذي اختفى الآن ولم يعد له وجود. وكانت خشبة مسرح مجلس المدينة المتواضعة، هي التي تحتضن كافة العروض المسرحية بالفيوم والحفلات أيضًا. وكانت عبارة عن مسرح صغير متواضع وصالة ومستوى علوي. وتستقبل 500 شخص من الجمهور الذي كان وقتها متلهفًا على العروض المسرحية ومحبًا لها. حيث كانت أغلب العروض كاملة العدد.

يصف طرفاية مسرح المدينة ويقول :”المسرح كان عبارة عن قاعة للعروض ليس مسرحًا بالمعنى المعروف. وكانت الخشبة عبارة عن علبة ليس لها عمق، ولا كواليس. وبالرغم من ذلك عرضنا عليه الكثير من العروض المسرحية الناجحة التي حصدت الجوائز، وكان رئيس مجلس المدينة وقتها العظيم صبري البكباشي- رحمة الله عليه كان داعمًا لنا”.

وتابع: لم نكن نتقاضى أي أجر على تلك العروض. أتذكر مثلا أنى حصلت على أجر 35 قرشًا، وكان الدافع هو حبنا للتمثيل والفن. فقد كنا نؤجر الملابس والإكسسوارات وغيرها، من محلات متخصصة بالقاهرة. وكنا نجوب القرى بالفيوم، ونعرض بإضاءة الفوانيس و”الكلوبات”، والأهالي يفترشون الأرض. وكان المسرح عبارة عن بعض المناضد المتراصة بجانب بعضها، وقد كان أجرنا في بعض الأوقات “مص أعواد القصب من الحقول حولنا”، وبالرغم من ذلك كنا نستمتع كثيرًا.

اختفاء الحياة المسرحية

حول الحياة المسرحية يقول طرفاية: “اختفت واختلفت الحياة المسرحية الآن عن ذي قبل، فالجمهور ليس كما كان، وبات كل من السينما والتلفزيون في المرتبة الأولى قبل المسرح. وأصبح التحضير للعروض المسرحية يتم بشكل سريع. فقد كان العرض المسرحي قديما يتم التحضير له في شهور، نقوم خلالها ببروفات ترابيزة ما يقرب من ثلاثة شهور. وبعدها بروفات مسرح وأداء، وغيرها إلى أن يتم العرض. أما الآن فلا يوجد ذلك حيث تقلص وقت التحضير للعرض”.

وتابع: من المثير للدهشة أن المسرح الآن يمر بمرحلة ضعف وعدم تطوير. بالرغم من توافر الإمكانيات التي لم تكن متاحة في السابق. وأعتقد أن السبب في ذلك هو عدم وجود ثقافة مسرحية. حيث لم يعد فناني المسرح مهتمون بالقراءة أو تطوير موهبتهم. وأحزن كثيرًا عندما أرى ممثلا شابًا لا يقرأ حتى النص الذي يعمل فيه ويقدم دور أحد شخوصه، ويصبح كل ما يهمه دوره فقط، يأخذه في ورقة ويقوم بقراءته في البروفات التي تسبق العرض.

ويضيف، لا استطيع أن أصعد على خشبة المسرح من دون حفظ للدور الذي أقوم به. فأنا انقله على ورقة، وابدأ في الحفظ حتى وأنا في منزلي، وأراجع أدائي للدور بأكثر من صيغة. وأظل هكذا متقمصًا الحالة في كل أوقاتي حتى ينتهي العرض، وندخل في عرض جديد.

يصف طرفاية جمهور المسرح في الستينيات والسبعينيات، بأنه كان مثقفًا محبًا للمسرح. إضافة إلى وجود نصوص مسرحية قوية سواء كانت عالمية أو مصرية لأهم الكتاب، مثل بيكيت وبريخت وميخائيل رومان ونعمان عاشور وسعد الدين وهبة والفريد فرج ومحمود دياب وغيرهم.

ويقول: الصراعات التي توجد في قصور الثقافة الآن عملت على ضعف مستوى الفرق. فضلا عن النصوص وعدم وجود العديد من الممثلين الموهوبين، وهو ما يجعل قومية الفيوم تفتقر الآن بعد الفنان محمود عبدالمعطي للممثل “الجان” بعد أن تقدم فنانيها في العمر.

لا يهمني حجم الدور

لا يكترث طرفاية بحجم الدور الذي يؤديه. إذ قام بأدوار البطولة في العديد من العروض المسرحية. ويقول: “على مدار تاريخي الفني قمت بالعديد من البطولات المسرحية. أذكر منها “مهر الصبية، الفرح، المسامير وغيرها الكثير، ولا يستوقفني كثيرًا حجم الدور، فأنا أرى أن دور صغير مؤثر أفضل بكثير من دور كبير غير مؤثر.

وهناك ثلاثة أدوار ليست أدوار بطولة لكنى لا أنساها. دوري في مسرحية ” اللي فيه الروح يغني” عن نص أيوب المصري. ودوري في مسرحية ” جبل تبوك”. ودوري في مسرحية ” أرض لا تنبت الزهور”. وبالرغم من أنها أدوار صغيرة إلا أنني حصدت عنها جوائز”.

وحول عدم استمراره في الغناء، أو لماذا لم يبحث عن الشهرة والفرصة في القاهرة. يقول: “ارتباطي بالفيوم جعلني لا أبحث عن الفرصة أو الشهرة في القاهرة. ووقفت على مسرح أضواء المدينة مطربًا، بجانب العديد من النجوم الكبار، وكان لي أغاني خاصة بي، قمت بغنائها على مسرح مجلس المدينة”.

جمعية يوسف وهبي

كان طرفاية عضوا بجمعية يوسف وهبي بالفيوم، والتي أسسها أحد محبي الفن وهواة المسرح بالفيوم في أوائل السبعينات، وهو سمير مجلي. إذ كان الهدف منها تنفيذ عروض مسرحية وعرضها على الجماهير. وقام بدعوة شباب الممثلين وقتها ومنهم طرفاية وجنيدي وصوفي، وبالفعل من خلال الجمعية تم تنفيذ العديد من العروض المسرحية.

يقول: “كانت بمثابة منزل لنا، فكنا نجتمع فيها ونختار النصوص، ونقوم بالبروفات، قائمة بجهودنا الذاتية. وعرضنا الكثير من العروض على مسرح مجلس المدينة، وقامت الشؤون الاجتماعية بعد ذلك بتوفير بعض الإعانات. والتفت إلينا محافظ الفيوم وقتها عبدالرحيم شحاته، الذي وفر لنا أحد المقرات. لكن توقف نشاط الجمعية بعد مرض الفنان أحمد جنيدي، الذي كان رئيسا لها، وآخر أيامه قام بتوصيتي بأن أعيد نشاطها من جديد وهو ما سأقوم به في الأيام المقبلة”.

يختتم طرفاية حديثة ويقول: ” لو عاد بي الزمن سأختار نفس الطريق، لكني كنت سأركز في الغناء بشكل أكبر، وأرى أنه بداخلي طاقة لازالت لم تخرج بعد، ولدي الكثير لم يكتشف. أتمنى أن يكتشفه مخرجين لا يتعاملون على أنني رجلًا كبيرًا في السن، وأن تعود فرقة الفيوم المسرحية كسابق عهدها. وأرى بها جيلُا جديدًا يحمل الراية التي حملناها”.

اقرأ أيضا

مجسمات فنية من مخلفات المصانع في مهرجان العلمين الأول للفنون

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى