الفنان التشكيلي ياسين حراز: توثيق «البرلس» فنيا.. تجربتي الأهم

هو ابن الطبيعة، هي مصدر إلهامه، الذي يستمد منه الطاقة والأفكار والإبداع أيضا، وهو ما يظهر في لوحاته وبورتريهاته التي تزين جامعة ومكتبة الإسكندرية. إنه الفنان التشكيلي ياسين أحمد حراز، الأستاذ بكلية الفنون الجميلة جامعة الإسكندرية، اتخذ من منطقة البرلس مشروعه الفني الخاص، لتوثيق الحياة فيه.. «باب مصر» يتعرف أكثر على المشروع.

النشأة والدراسة

يتحدث حراز عن طفولته لـ«باب مصر» ويقول: أنا من مواليد مدينة مطوبس التابعة لمحافظة كفر الشيخ، وهي لها طابع خاص وفريد من حيث جغرافيتها، فشكلت الطبيعة الخلابة من حولي شخصيتي الفنية منذ طفولتي دون وعي مني، فكانت أمامي المسطحات الخضراء والمياه الزرقاء والطيور والكثبان الرملية في بعض المناطق، كل هذا يعتبر لوحة فنية كبيرة من صنع الله عزوجل.

وتابع: هذه العناصر الجميلة فتحت أمامي الرؤية، بعيدا عن المدن الحديثة وأبراجها السكنية التي تحجب الرؤية، لذا كانت الطبيعة محفزا أساسيا لي من البداية حتى الآن، وكنت ألقب بـ”فنان الفصل” في مدرستي الابتدائية وحتى المراحل الدراسية المتلاحقة وسط تشجيع وإشادة من الأساتذة والأهل، إلى أن قررت الالتحاق بكلية الفنون الجميلة، لإشباع ميولي الفنية وموهبتي وعشقي للفن.

انتقل حراز بعدها من كفر الشيخ إلى الإسكندرية، حتى يلتحق بكلية الفنون الجميلة، وتخرج فيها عام 1997، وعين مدرسا بالجامعة في عام 1999، وحصل بعدها على الماجستير والدكتوراه عام 2012.

رسم البورتريهات

تزين بورتريهات الدكتور ياسين حراز جدران كلية الفنون الجميلة ومكتبة الإسكندرية، إذ طلبت منه المكتبة تنفيذ عدد من البورتريهات لـ”علماء المسلمين”، وبلغوا نحو 62 بورتريه، ثم طلبت منه مرة أخرى مشروع آخر لرسم بورتريهات لـ”مفكري التنوير في مصر”، وضم أيضا 40 عالما.

يقول حراز عن هذه المشروعات: بعد حصولي على درجة الماجستير، كنت أقوم برسم الطبيعة واتخذت من منطقة كوم الدكة في الإسكندرية وتحديدًا المنطقة التي ولد بها سيد درويش، مكانا لرسم لوحاتي، ثم انتقلت لمنطقة بحري والأنفوشي، إلى أن طلبت مني كلية الفنون الجميلة بالجامعة، رسم بورتريهات لعمداء الكلية منذ تأسيسها، وقد وصل عدد البورتريهات الخاصة بي في مكتبة الإسكندرية إلى أكثر من مائة بورتريه.

 البرلس ورسم المراكب

شارك حراز في ملتقى “البرلس”، الذي انطلقت دوراته عام 2013، وأسسه الفنان التشكيلي الدكتور عبدالوهاب عبدالمحسن، وكانت فكرة ملتقى البرلس الأولى تتلخص في رسم وتجميل منازل قرية برج البرلس، لنشر الذوق الفني والجمالي، ثم تطور الأمر بعد ذلك في الدورات التالية، إذ تطورت فكرة الرسم على المراكب، حيث يعمل أغلب سكان المنطقة في مهنة الصيد، ولا تنفصل المراكب عن المنازل، وأصبح يشارك أيضا فنانين أجانب بجانب الفنانين المصريين.

يحكي الفنان عن هذه التجربة، ويقول: شاركت في 5 دورات من ملتقى البرلس من أصل سبعة لظروف دراستي، وأرى أنها تجربة هامة للغاية، حيث وفر الدكتور عبدالوهاب، مؤسس الملتقى، كافة الإمكانيات اللازمة للفنانين مثل، المراكب الخاصة للرسم من الخشب، التي كانت في البداية بالحجم الطبيعي، ثم جعلها بأحجام متوسطة تناسب الفنانين، ويمكن عرضها في المعارض الفنية، والمدهش أن الأطفال يشاركون أيضا في رسم الجداريات الخاصة بالمنازل.

ويضيف، زينت المركب هذا العام في الملتقى بقصيدة للشاعر عبدالرحمن الشرقاوي، من مسرحيته الشهيرة “الحسين ثائرا”، كتبتها على المركب بخط الثلث والزخارف الإسلامية، وسبحت مع المركب فوق ماء النيل، وحصلت على العديد من الإشادات من قبل الفنانين والنقاد والجمهور.

أما عن سبب استخدامه الخط العربي، يوضح حراز: استخدمت خط الثلث والزخارف في تزيين مركب هذا العام، واخترت تلك القصيدة لحبي الشديد لها، وقمت بكتابتها على المركب، وكانت الصعوبة في تزيين باطن المركب من الداخل والكتابة عليه، فكانت الزخارف والكتابة بها العديد من التفاصيل الصغيرة، وبالرغم من أنه مركب صغير إلا أنه احتاج إلى ساعات عمل طويلة لكن شعوري بالسعادة وأنا أشاهده يطفو فوق سطح الماء وإشادة الكثير به جعلني أنسى كل المعاناة والتعب.

 محطة هامة

تناول “حراز” الطبيعة في رسالتي الماجستير والدكتوراه الخاصة به، فيقول: تناولت في رسالة الماجستير موضوع أثر البيئات المختلفة على الفنان المعاصر، وفي رسالة الدكتوراه تناولت منطقتي البرلس وبلطيم في محافظة كفر الشيخ، فالبرلس كان لها طابع خاص إذ تضم بحيرة هي ثاني أكبر البحيرات الطبيعية وأقدمها في مصر، ويقال أن قصة أوزوريس وإيزيس دارت أحداثها في تلك المنطقة، كما تمتاز منطقة البرلس بطبيعتها المتفردة، بالإضافة لمراكبها مختلفة التصميم التي لن تراها العين في أي منطقة أخرى في مصر، فهي تشبه المراكب الفرعونية بشكلها المدبب وأشرعتها المختلفة، وتضم البحيرة العديد من الجزر التي تحوي الكثير من الطيور سواء المهاجرة أو المقيمة، وتشاهد على سبيل المثال الصيادين وهم يأتون من خلف الأحراش الممتلئة بالبوص، وكأنه مشهد فرعوني وأن الحياة لم تغير منه شئ، نفس الرجال على نفس المراكب وفي نفس البحيرة لآلاف الأعوام يتوارثونها، وهو ما قمت بتسجيله في إحدى لوحاتي.

لم يتأثر حراز بطبيعة البرلس وبحيرتها جماليًا فقط، بل كانت تمنحه إحساسًا بالعودة بالزمن إلى العصر الفرعوني، فهو يري أن تلك المنطقة لم تتغير وأن المشاهد التي يراها بعينه هي نفس التي كان يراها الفنان المصري القديم ونقلها على المعابد الفرعونية والمقابر، لذلك يرسم العديد من لوحاته بنفس أسلوب المصري القديم الذي كان يستخدم الشكل الأفقي في الرسم، كما سجل مثله مشاهد صيد الطيور وغيرها.

ويستلهم حراز لوحاته من منطقة البرلس، فيقول: بالفعل استخدم المنظور الأفقي في بعض لوحاتي مثل أسلوب المصري القديم، فاللوحة عبارة عن خطوط أفقية بعضها فوق بعض، القريب يكون في الأسفل، والبعيد يكون في الأعلى، وتلك الطريقة من وجهة نظري كان الفنان القديم يستخدمها لطبيعة الأراضي المصرية، فقد كانت عبارة عن خطوط متوازية، وأنا بالفعل ارسم بتلك الطريقة في بعض لوحاتي التي تعبر بالفعل عن هذه المنطقة، كما أرى وجوه الناس هناك يغلب عليها الملامح الفرعونية، هذا بالإضافة للطيور والأسماك والصيادين.

يختتم حراز حديثه، ويقول: اعتبر رسم البورتريهات شئ جانبي أنفذه عندما يطلب منى ذلك، وليس هو مشروعي وتجربتي الفنية الأهم، أما مشروعي الأهم منذ ما يقرب من الثمانية أعوام، هو توثيق منطقة البرلس من خلال لوحاتي، فأنا أعمل على توثيق الحياة ومفرداتها في تلك المنطقة، ولن أتوقف حتى انتهى من ذلك أو أشعر أنه ليس لدي جديد أقدمه.

وأخيرا من خلال تجربتي: “أتمنى أن أغطي كافة أسرار وخبايا وخفايا البرلس التي لا يعرفها أحد من خلال مجموعة متكاملة من اللوحات، وعرضها بمعرض يحكي تلك التجربة”.

اقرأ أيضا


الفنانة التشكيلية شيماء محمود: في اللوحة أبحث عن حرية المرأة

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى