الفنان التشكيلي «أحمد سليم»: عندما يوثق الفن تراث الشعوب

سحرته الطبيعة الخلابة والطقوس النوبية في أسوان. فرسم الوجوه السمراء والأزياء والبيئة والفنون والعمارة والعادات والتقاليد بحب وشغف. شارك الدكتور أحمد سليم، ابن أسوان ورئيس قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بجامعة المنيا، في العديد من المعارض خارج وداخل مصر حصد منها العديد من الجوائز الهامة.. «باب مصر» يستعرض رحلته.

في قرية الرمادي

يتحدث الدكتور أحمد سليم عن نشأته في قرية الرمادي بمركز إدفو في أسوان. ويقول: “كان المناخ العام من حولي سواء بالقرية أو أسوان بشكل عام يساعد على الإبداع والتشبع بالفن، كل ما يوجد حولي ينبض بالجمال، أشكال البيوت وألوانها، الآثار  والفن الفرعوني، النيل والخضرة”.

وتابع: بدأت وأنا صغير وأثناء اللعب مع أصدقائي بالقرية في تشكيل التماثيل الصغيرة للحيوانات، شكلت كل الأشياء من حولي بواسطة الطين، وكنت أساعد الأمهات في القرية وهم يزينون ويرسمون ويلونون المنازل”.

تشجيع موهبتي

ويكمل: بعد أن التحقت بالمدرسة الابتدائية، لاحظ مدرس الرسم موهبتي. وبدأ في تشجيعي، وأوصي والدي أن يهتم بموهبتي، وكان يحضر لي مجلات الأطفال الملونة المليئة بالرسومات. ومن خلال المدرسة شاركت في العديد من المسابقات، وحصلت على جائزة الطلائع في الرسم عام 1980. وحصلت على شهادة تقدير قام والدي بتعليقها على حائط بالمندرة في منزلنا واحتفظ بها حتى الآن.

يقول سليم: خلال دراستي قبل الجامعية، تعاملت مع خامات كثيرة، رسمت بورتريهات، نحت تماثيل من الحجر، والحجر الرملي. وفي كل مرحلة دراسية كنت أحصل على التشجيع. وقد كنت سعيد الحظ في المرحلة الثانوية، حيث كانت مُدرسة الرسم خريجة كلية الفنون الجميلة، واهتمت بي كثيرًا، وحصلت على العديد من الجوائز على مستوى الجمهورية، من خلال مشاركتي في المسابقات المختلفة. وشاركت ونظمت العديد من المعارض بقصر ثقافة أسوان، وقررت أن يكون التحاقي بكلية الفنون الجميلة هو هدفي.

فنون جميلة المنيا

بعد حصول سليم على الثانوية العامة، التحق بكلية فنون جميلة المنيا تبعًا للتوزيع الجغرافي. وهو ما أزعجه في البداية وقرر التحويل إلى كلية التجارة بالقاهرة، إلا أن الدكتور أحمد نوار – الذي كان عميدًا للكلية وقتها- أقنعه بالعدول عن فكرته بعد أن رأى موهبته في الأيام القليلة التي قضاها في الكلية. وقال له: “مستقبلك هنا”.

يقول سليم عن فترة دراسته: “التحقت بقسم الجداريات بالكلية تحت ضغط من بعض أساتذة الكلية. لكن لم أنفصل عن التصوير الزيتي واللوحات، وكنت أعمل بمشاريع التصوير واللوحات والجداريات، وكنت الأول على دفعتي عام 1991. وكان مشروع تخرجي مقسم بين عمل جداري ولوحة زيتية كانت عبارة عن تصوير ورسم لرقصة “الكف” النوبية.

ويضيف، بعد تخرجي التحقت بالخدمة العسكرية. ورغم أني كنت الأول على دفعتي وصدور أمر تكليف لتعييني، إلا أنه لم يتم ذلك، وتم سحب قرار ترشيحي. حتى قرأت في جريدة الأهرام خبر عن مسابقة لتعيين معيدين في كلية الفنون الجميلة بالمنيا وتقدمت، وعينت مدرسًا مساعدًا.

مناطق ج

يقول الفنان: “بعد تعييني بالجامعة معيدًا بقسم الجداريات عام 1993، وقتها عملت بمجلة فرنسية تابعة للهيئة العامة للاستعلامات. ثم تفرغت لرسالة الماجستير، والتي سجلتها بكلية فنون جميلة الزمالك، وكان عنوانها “التصوير على مناطق ج”. كانت الرسالة تكملة لمشروع وتجارب بدأتها منذ أن كنت صغيرًا، فقد كنت أرسم رسومات الحج على جدران منازل قريتنا بأسوان. وقد اخترعت طريقة للرسم على الطين على غرار طريقة الفريسكو الإيطالية، والتي يستخدم فيها الجير والرمل، والذي استبدلته بالطين الأسواني، وأطلقت على تلك الطريقة “مناطق ج” وسجلتها بهذا الاسم”.

وتابع: حصلت على حق الملكية الفكرية لهذا الابتكار الذي كان سببًا في حصولي على جائزة من أكاديمية البحث العلمي عام 2016. وجائزة المركز الثاني من الملتقى الدولي للاختراعات. وسجلت على تلك الجداريات الطينية تطور فن الرسم. واستخدمت في تلوينها الأكاسيد أو الصبغات. وأقوم بتصميم الجدارية على شاسيهات (سطح) من الخشب، بعد مرور خمسة عشر يومًا على عجنها، أقوم بفرد الطين على هذا السطح، وأطبع عليها الرسومات ثم أقوم بتلوينها، وأضيف “التبن” إلى الطين عند التعامل مع الأسطح الخشنة، واستخدم الطفلة الأسواني مع الطين على الأسطح الناعمة.

مصر وألمانيا

أما عن رسالة الدكتوراه، فقد جمع سليم مادتها العلمية من مصر وألمانيا. وحول السفر إلى ألمانيا الذي جاء بمحض الصدفة يقول: “كنت أنفذ لوحة من الموزاييك عن مولد سيدي عبدالرحيم القناوي بمحافظة قنا، وكانت لوحة كبيرة الحجم تضم حوالي 44 شخصا في ساحة المولد. وأمضيت 6 أشهر من العمل بها. وكنت أضع اللوحة خارج المنزل لتجف، فشاهدها سائح من زوار الأقصر، وأعجب بها جدًا، وكان يعمل أستاذًا في إحدى كليات الفنون الجميلة بألمانيا، وعندما علم برغبتي في السفر لتكملة مادتي العلمية، بعد عودته إلى ألمانيا أرسل لي دعوة للسفر.

يكمل سليم: كانت مرحلة مختلفة تمامًا في حياتي. حيث التحقت بكلية الفنون والتربية بجامعة زيغن الألمانية، التي وجدت بها أحدث التقنيات المستخدمة في مجال الفن، ودرست الطباعة، واستخدامها في الحفر على النحاس والحجر والجلد. وحصلت على دبلومه. وكان موضوع رسالة الدكتوراه يدور حول تنمية منطقة توشكى. حيث أعلنت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة عن مسابقة لتصميم المساكن والبيوت في توشكى.

الهوية المصرية

وقد لاحظت أن جميع التصميمات المقدمة كانت للعمارة الحديثة. حيث تصلح للمدن وكمبوندات، ومن استوحى عمارة حسن فتحي أخذ طابعها الجنوبي فقط، وكان ينقصها رسومات النوبة القديمة وألوانها. ومن هنا جاءت فكرة رسالة الدكتوراه. وكان عنوانها” تأكيد الهوية المصرية للمنشآت المعمارية الحديثة بمدينة توشكى”.

وقد جمعت مادتها في مصر ثم أكملتها بدراسة أماكن كثيرة في ألمانيا. حيث قمت بتوسيع الفكرة وناقشت من خلال الرسم الجداري مدى تأثيره على المجتمع ودوره في تأكيد الهوية وتنمية الحس القومي. وقد زرت أماكن كثيرة في ألمانيا حتى يمكنني أن أشاهد الجداريات، وقمت بربطها ومقارنتها بالرسوم المصرية، وتمت مناقشة الرسالة في عام 2005 وتعينت مدرسا بالكلية.

فن الموزاييك    

يعد أحمد سليم من أشهر فناني الموزاييك في مصر. وله العديد من الأعمال في ميادين ومحافظات مصر وهيئاتها الحكومية المختلفة، ومنها زخرفة مطابع الأهرام في السادس من أكتوبر ولوحة كبيرة لمولد عبدالرحيم القناوي بمحافظة قنا وغيرها من أعمال.

يقول سليم عن فن الموزاييك: “تعلمت الموزاييك في العراق عندما سافرت للعمل أثناء الدراسة. ويحتاج العمل فيه لمجهود وتركيز كبيرين. كما أن المعارض الخاصة بهذا الفن قليلة للغاية فهي مجهدة ومكلفة أيضًا بسبب ارتفاع أسعار الخامات، ويحتاج المعرض من الفنان لوقت كبير قد يتجاوز عامين. وقد قمت بعمل حوالي ستة معارض موازييك جميعها خاص بالترقيات للجامعة ومنهم معرضين في إسبانيا.

مخزون لا ينضب

واستطرد: لا أتذكر كم عدد اللوحات التي رسمتها. لكن ما أتذكره أن كل لوحة كانت مميزة وتختلف عن الأخرى. فما لدي من صور بصرية ومخزون للبيئة الأسوانية لا ينضب. وكان أول معرض خاص لي في عام 1993.

وتابع: ترتبط اللوحة عندي بأربعة مسارات تختلف وترتبط باختلاف الخامة. حيث اختار لكل خامة ما يناسبها من تصميم. اعتمد في رسم الاسكيتشات على الألوان المائية، أما الألوان الزيتية التي تشبه إلى حد قريب الألوان المائية استخدمها في رسم اللوحات المتحفية، أما المسار الثالث فهو رسم الفريسك والذي يتم على الجدران، أما المسار الرابع فهو الجرافيك وما أقوم به من حفر على الجلد أو الخشب.

توثيق التراث الأسواني

أخذ سليم على عاتقه تصوير وتوثيق العادات والتقاليد والطقوس المميزة في أسوان. فيقول: “الموضوعات التي استقي منها عناصري الفنية كثيرة من حولي، وقد سجلت من خلال لوحاتي العديد من المظاهر والطقوس الخاصة بأسوان والتي قد أوشك الكثير منها على الاندثار. إذ أن بعضها مثل طقوس الاحتفال بالولادة والسبوع يعود إلى العصر الفرعوني.

كما سجلت الاحتفالات الخاصة بختان الذكور التي قد تصل إلى خمسة عشر يومًا، وهناك احتفالات الحج والفرح الأسواني والحنة عند العروسين وطقوس الزفاف والرقص الخاص به، والموالد الشعبية وحلقات الذكر والمديح النبوي والإنشاد، ومرماح الخيل. ووثقت أيضًا الأزياء سواء الرجالي أو النسائي بتنوعها وتصميماتها المميزة من ألوان. وهناك المفروشات والسلال والأطباق من الخوص. كما عملت مجموعة لوحات من تراثنا الأسواني المسموع من الأغاني مثل نعناع الجنينة والحنة السوداني وغيره من فلكلور، بالإضافة لتصميم المنازل التي تختلف من منطقة إلى أخرى بزخارفها وتصميماتها ورموزها الغنية ونظام العمارة.

يختتم سليم حديثه: لم أغير أسلوبي كثيرًا منذ بدأت الرسم وإلى الآن، لكنه بالطبع تطور مع الدراسة واستخدام النظريات العلمية والتكنولوجيا والتقنيات الحديثة واختيار الخامات الأفضل، وأرى أن ثقافتي ونشأتي جزء لا يتجزأ منى ومن الصعب التخلي عنه.

اقرأ أيضا

رندة إبراهيم .. سحر مصر القديمة بلمسات عصرية

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى