«العشاء الأخير» في لص نجيب محفوظ وكلابه

لم تحظ المؤثرات المسيحية في أدب نجيب محفوظ باهتمام النقاد والمتابعين، وهو أمر غريب في ظل الاهتمام الكبير بتجربته، و هذا الجانب يحتاج ـ بلا شك ـ  إلى رسالة علمية جادة، أو قراءات نقدية موسعة، وسوف أتوقف هنا عند حضور تلك المؤثرات في رواية «اللص والكلاب».

قصة العشاء الأخير

لقد اعتمد نجيب محفوظ في روايته على قصة المسيح عليه السلام، كما وردت في الأناجيل المعتمدة من الكنيسة، فقام باستحضار وتوظيف شخصية السيد المسيح، وشخصية يهوذا الإسخريوطي، ومريم المجدلية، وبطرس الرسول، وتحديدا في أحداث العشاء الأخير.

المؤثرات المسيحية لم تعتمد على الإشارات الصريحة، بل جاءت ذائبة في كيان الرواية، حيث قام الكاتب بتوظيفها بمهارة فنية عالية، ولا يمكننا فهمها بمعزل عن الجو العام للرواية، وطبيعة التناول الفني، والرؤية التي يجذبنا النص نحوها.

الرواية كما هو معروف تتناول حياة مجرم حقيقي، هو محمود أمين  سليمان المشهور بالسفاح، والذي لقي مصرعه في مواجهة مع الشرطة سنة 1960، بعد أن شغل الناس بهروبه من السجن، وتصميمه على الانتقام من زوجته ومحاميه وصديق ثالث، وقد تحولت إلى فيلم سينمائي بنفس الاسم.

حبكة جديدة وتفاصيل  متخيلة

لا تلتزم الرواية بالتفاصيل الحقيقية على طول الخط، بل تقدم حبكة جديدة وتفاصيل متخيلة، لتعبر عن رؤية خاصة للسفاح تخالف صورته التي تم التكريس لها عبر الصحف، وذلك من خلال عدة أمور مثل.

1ـ حجب الأصوات المناوئة، حيث اكتفى الكاتب بتقديم أحداث الحكاية من منظور البطل وحده، مع التركيز على مشاعره الإنسانية.

2ـ نقل الدنس من المجرم إلى آخرين، لا يطاردهم أحد، مثل  رءوف، ونبوية، وعليش.

3ـ الاهتمام بتعليقات الجماعة الشعبية التي تسير في اتجاه تحويل المجرم إلى بطل شعبي.

4ـ تأكيد الفصل بين القصد والسلوك، وتعارض الجوهر الطيب مع المظهر الشرير.

في قصة حياة السفاح الحقيقية، على سبيل المثال، قام المجرم بعد هروبه من السجن، بدخول شقة أحد الضباط، سرق ملابسه الرسمية، وسلاحه الميري، وبدأ يمارس نشاطه الإجرامي وهو يرتدي ملابس الشرطة ويستخدم سلاحها، وقد أخذ نجيب محفوظ  تلك اللقطة، وأعاد صياغتها بشكل مختلف.

لقد سكت عن جريمة الهروب من السجن، وجعل البطل يخرج بشكل مشروع في إطار عفو رسمي بمناسبة عيد الثورة. كما أسقط جريمة سرقة شقة الضابط، وجعل البطل يتعلم حرفة الخياطة داخل السجن، وعندما خرج  قام بتفصيل بدلة الضابط بنفسه، لقد تعلم في السجن كيف يكون ضابطا!

رمزية الملابس في الرواية، تطرح التناقض الصارخ بين المظهر والجوهر، وقد استخدمها الكاتب في إدانة المظهر  الخارجي الكاذب، فكانت ملابس الشرطة  طوق نجاة للبطل، لكنها كانت سببا في مصرعه، حيث تمت تصفيته عندما عثروا عليها، وعثروا بالتالي على رائحته، حيث بدأت الكلاب مسيرتها الناجحة في الوصول إليه.

عندما نقول أن المؤلف أسقط عددا من التهم الموجهة إلى الشخصية الحقيقية ينبغي أن نذهب إلى الضرورة الفنية، لأن نجيب محفوظ كان أشد قسوة في التهم التي نسبها للبطل.

جريمة حقيقية..جريمة متخيلة

على سبيل المثال، “لم يكن السفاح الحقيقي شخصية دموية يسعى للقتل من أجل القتل، فهو لم يوجه الرصاص إلى رؤوس ضحاياه أو صدورهم، وإنما كان يطلقه على الأرجل والسيقان للهرب عند مواجهة المآزق، والقتيل الوحيد الذي سقط برصاص السفاح كان بواب عمارة أمسك بالسفاح، وتشبث به، وحاول السفاح تخليص نفسه من البواب، فأطلق الرصاص على رجليه، لكن رصاصة استقرت في بطنه ومات، وقال السفاح بعد ذلك أنه حزين لأنه قتل البواب الغلبان دون أن يكون بينهما ثأر أو عداوة” (1)

الجريمة الحقيقية للسفاح أقل شأنا من جريمته المتخيلة في الرواية. ففي الأولى كان القتل خطأ، بدون سبق إصرار وترصد، وفي الرواية كان القتل عمدا، صحيح أنه كان يقصد عليش سدرة، عندما قتل شعبان حسين الساكن الجديد، لكنه أطلق الرصاص صوبه بنيِّة إزهاق الروح، والفرق شاسع على المستوى القانوني بين الجريمتين.

محمود امين سليمان
محمود امين سليمان

لقد تعامل نجيب محفوظ مع الحكاية الحقيقية تعاملا خاصا، حافظ على طابعها الملهم، وملامحها العامة المثيرة، لكنه لجأ إلى الحذف والإضافة ليقدم عملا فنيا، لا يتوقف عند الواقع بل يستثمره  ويطوره، ويذهب به إلى أعماق بعيدة.

لقد ندم السفاح الحقيقي وشعر بالحزن عندما علم بقتل البواب، بينما ذهب البطل المتخيل إلى ما هو أبعد من مجرد الحزن:

“تعب بلا فائدة، ذلك أنك قتلت شعبان حسين، من أنت يا شعبان، أنا لا أعرفك وأنت لا تعرفني. هل لك أطفال، هل تصورت يوما أن يقتلك إنسان لا تعرفه ولا يعرفك؟ هل تصورت أن تُقْتل بلا سبب؟ أن تقتل لأن نبوية سليمان تزوجت من عليش سدرة؟ وأن تقتل خطأ ولا يقتل عليش، أو نبوية، أو رءوف صوابا؟ وأنا القاتل لا أفهم شيئا ولا الشيخ علي الجنيدي نفسه يستطيع أن يفهم. أردت أن أحل جانبا من اللغز فكشفت عن لغز أعمق (2)

الهوية الملتبسة

فكرة الهوية الملتبسة، تهيمن على الرواية، ولا تقتصر  على صورة المجرم الذي يرتدي ملابس الضابط، بل تشمل صورة النجس الذي يرتدي قناع الطاهر، أو الخائن الذي يرتدي ملابس الحبيبة، أو ملابس المرشد الجليل، أو التلميذ المطيع، يقول الراوي عن الصحفي الذي هداه إلى سرقة الأغنياء، وكشف له مشروعيتها  ص47:

“تخلقني ثم ترتد، تغير بكل بساطة فكرك بعد أن تَجسدَ في شخصي، كي أجد نفسي ضائعا بلا أصل وبلا قيمة وبلا أمل، خيانة لئيمة لو اندك المقطم عليها دكا ما شفيت نفسي، سأجد نبوية في ثياب رءوف، أو رءوف في ثياب نبوية، أو عليش سدرة مكانهما، وستعترف لي الخيانة بأنها أسمج رذيلة فوق الأرض”.

الخيانة باعتبارها أسوأ الجرائم فكرة مسيحية، كما أن العلاقة الملتبسة بين الأنا والآخر تظهر في سيرة السيد المسيح مع تلاميذه، وهي العلاقة التي تتردد  بشكل صريح في أكثر من موضع كما هو الحال في هذا الحوار ص 61:

ـ المأساة الحقيقية هي أن عدونا هو صديقنا في الوقت نفسه.

ـ أبدا المأساة الحقيقية هي أن صديقنا هو عدونا.

في ظل التركيز الأساسي على الهوية الملتبسة التي تقوم على التناقض بين الجوهر والمظهر، يأتي توظيف الشخصيات المسيحية مثل يهوذا الإسخريوطي التلميذ الخائن، وبطرس الرسول الذي أنكر المسيح، ومريم المجدلية العاهرة التائبة.

مصادر

1ـ سعيد أبو العينين، سفاح صاحبة الجلالة، كتاب أخبار اليوم، عدد سبتمبر 1997، ص6

2ـ نجيب محفوظ، اللص والكلاب، بدون تاريخ، مكتبة مصر، الفجالة، القاهرة الطبعة الثالثة 1964،  89،90. وسوف نشير بعد ذلك إلى رقم الصفحة فقط.

اقرأ أيضا:

خُط الصعيد وخُط الدلتا: اللقب الطقسي والجذور السحرية

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى