“العدرا حبايبها كتير”.. الليلة الختامية لـ”عيد العذراء” بـ”درنكة”

 

تصوير: أحمد دريم

“العدرا والدير آخر يوم.. العدرا والدير”.. هكذا تنادي سيارات الأجرة بموقف مدينة أسيوط الركاب القاصدين دير العذراء بقرية درنكة في أسيوط، لحضور الليلة الختامية لموسم العذراء مريم والتي بدأت يوم الأحد 7 أغسطس.

تحية مريم

بوابة حديدية مفتوحة على مصراعيها تقودك إلى الدير بعد حوالي ساعة وربع الساعة، وهناك في حضن جبل درنكة، تقع كنيسة المغارة، والتي تضم محلات لبيع الكتب، يليها بعد 4 سلالم الغرفة التي مكثت فيها السيدة مريم العذراء.

“السلام لك يا مريم”.. تحية تلقي على الغرفة التي بالرغم من إغلاقها تماما، إلا أنه يخرج منها رائحة عطرة، ويشع منها نور أزرق، ذات شباك مصنوع من سياج حديدي يمكنك من النظر بداخلها، ولكنك لا تجد سوى فراغ، يتوسطها قطعة من القماش، لوضع النقود الملقاة من الزائرين.

حب العدرا

يزور الناس المغارة بهدف التبرك منهم من يقرأ بعض الآيات، ومنهم من يدعي، ومنهم من ينظر إليها باكيا نادما وأخر متأملًا راجيا.

يقول خليفة كمال، من محافظة سوهاج، إن العدرا تمثل لهم البركة والخير، ومن خلال زيارتهم يتضرع الجميع ويتقرب إلى الله، كما أن أجواء الليلة الختامية تختلف، خاصة عند رؤية مشهد الحمام الأبيض الطائر فوق الدير.

الدورة

أثناء صعودنا إلى المغارة، كانت جموع الزائرين تنتظر على الجانبين في محاولة من المنظمين إلى توسيع مسافة الوسط بين الجانب الأيمن والأيسر، وعند وصولنا إلى قلب الدير أدركنا السبب في ذلك، إنها الدورة.

“الدورة” طقس من طقوس الاحتفال بالعدرا،  تنظم يوميا في الساعة السادسة إلا أنها تحركت في اليوم الأخير قبل الميعاد بسرعة، نظرا لجموع الزائرين الخفيرة، تتكون الدورة من أكثر من 50 راهبا واقفين في صفوف، يرتدي كل منهم ما يشبه الجلباب الأبيض الناصع فوقه شريط أحمر يتوسطه صليب يحمل كل منهم صورة للسيدة مريم، يتقدم الدورة مربع حديدي بداخله أحد الآباء الكاهنة حاملا في يده صورة كبيرة للسيدة مريم.

تتحرك الدورة من داخل المغارة متجهة إلى أسفل بين تلك الصفوف مرددين كلمات مباركة يرددها معهم الزائرين المصطفين يمينا ويسارًا.

دول أخرى

بعد انتهاء “الدورة” جاء وفودا من دولة أثيوبيا حاملين معهم شوق وحب للدير يظهر في احتفالاتهم التي أرقصت من حولهم فرحا بالأغاني والطبول والتصفيق الحاد منهم.

الملاهي

اشتملت الاحتفالات أيضا هذا العام وجود الملاهي وألعاب الأطفال على يسار الطريق قبل الوصول إلى بوابة الدير، فقد شملت الألعاب ألعاب نارية ومائية، فهنا تجد الملاهي بأشكالها المتنوعة والتي يلتف حولها الأطفال من جميع الأعمار، وهناك تجد “النيشان” والتي خصصت للكبار، وتسابق جمعيهم في إحراز الهدف، وعلى مقربة من كل ذلك تجد من يبتاع المياه للجميع وآخر يقدم طعام بأشكاله المتنوعة.

تقول ياسمين كامل، 18 عامًا، إنها تعتاد هي وأهلها زيارة العدرا في آخر ليلة كل عام، هذا نظرا لتزايد الاحتفال في هذه الليلة، وأيضا وجود أكبر تجمع من الناس يشعرها بالبهجة وكأن يوم العيد، مشيرة إلى أن الاحتفال هذا العام شمل وجود العديد من الملاهي الشيقة والتي سعدت بها هي وأخواتها كثيرًا.

“الدور بجنيه”.. هكذا يحدد أحمد مالك، 20 عامًا، سعر لعبة النيشان، فيقول: أول مرة أشارك باحتفالات العدرا، ولكن جدي كان يشارك كل عام إلى أن توفي فجيت أنا هذا العام، مع عائلته والتي تمتلك أغلب ألعاب الملاهي الموجودة هذا العام في الاحتفالات.

بعد أن نترك الملاهي ونمشي قليلا، نجد تجمعات كبيرة تخرج وتدخل إلى تلك الخيمة الكبيرة، لننظر ونجد سوق العدرا.

السوق

جميع ما تراه في الأسواق العادية تجده تجمع داخل ذلك السوق، والذي ضم بائعي الخضر والفاكهة والتسالي والإكسسوارات الحريمي ومحلات الهدايا التي اتسمت بالطابع الديني القبطي، كاللوح الفنية للسيدة مريم، وكتب للأطفال عن رحلتها المقدسة، إضافة إلى وجود بعض المقاهي.

وسط ذلك كله وجدنا لوحة مكتوب عليها “دق جميع أنواع الصلبان” وأحدهم ينادي قائلا “شالله ياعدرا” لنتعرف هناك على بيتر بشارة، 25 عامًا، دقاق، يوضح أنه يأتي من القاهرة كل عام ليستأجر خيمة يمارس فيها مهنته قائلا “الناس هنا بتيجي بطلباتهم المتنوعة منهم من يطلب بدق صليب وآخر يدق حرف لحبيبته وأخرى تدق حرف لزوجها، وأيضا الشباب منهم من يطلب دق صور الحيوانات والزواحف “العقرب والنسور والثعبان”، مشيرًا إلى أنه رغم أن الموسم هذا العام يختلف قليلا من حيث قلة الوافدين عليه، بسبب ارتفاع الأسعار وأيضا عدم الأمان إلا أن الوضع مستقر غالبا “العدرا حبايبها كتير”.

نترك دق الصلبان لتتسلى قليلا مع مصطفى أحمد، 17 عاما، بائع التسالي والمقبلات، والذي يحرص هو وعائلته مشاركة إخوانهم الأقباط في الاحتفال بموسم العدرا قائلا “منذ 5 سنوات ونحن نشارك في هذه الاحتفالات ونشعر بالسعادة الحقيقة عندما نبيع لزوار العدرا شيء يعتبرهم أحد مظاهر الاحتفال بالموسم”.

الرحلة المقدسة

جاء المسيح إلى مصر وهو طفل صغير مع أمه مريم العذراء والقديس يوسف النجار، إذ تركت العائلة المقدسة فلسطين وطنها واتجهت نحو البلاد المصرية، قاطعه صحراء سيناء حتى وصلت شرقي الدلتا مجتازة بعض بلاد الوجه البحري في القاهرة ومنها إلى صعيد مصر حتى مدينة أسيوط، ثم إلى جبلها الغربي حيث المغارة المعروفة التي حلت بها العائلة المقدسة، وكان ذلك في شهر أغسطس وهو الذي يحل فيه صوم العذراء، ولهذا يقيم الدير احتفالاته الدينية سنويا ابتداء من يوم 7 أغسطس حتى 21 منه كل عام.

مكثت العائلة المقدسة نحو حوالي ستة أشهر وعشرة أيام في المغارة، التي أصبحت فيما بعد هيكلاً لكنيسة السيدة العذراء الأثرية في الجهة الغربية من الدير ومذبح هذه الكنيسة حجر كبير كان يجلس عليه السيد المسيح.

الدير

يقع دير العذراء بالجبل الغربي لمدينة أسيوط وعلى ارتفاع مائة متر من سطح الأرض الزراعية، ويبعد عن المدينة عشر كيلومترات تقطعها السيارة في ربع ساعة.

بالدير مجموعة من الكنائس أقدمها كنيسة المغارة، وطول واجهتها 160 مترا وعمقها 60 مترا وهي منذ نهاية القرن الأول المسيحي، وتعود مغارة الدير إلى حوالي 2500 سنة قبل الميلاد، وبالدير كثير من الأبنية يصل بعضها إلى خمسة أدوار، وبها قاعات كبيرة للخدمات الدينية والاجتماعية والأنشطة الفنية، وحجرات للضيافة والإقامة.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى