“العائد من جزيرة الشيطان”.. رواية نادرة لـ”الدشناوي” عن جحيم المستعمرات الفرنسية

“عائد من جزيرة الشيطان” رواية واقعية جرت أحداثها في جزيرة شهيرة تقع بالقرب من المستعمرة الفرنسية غويانا، بحسب مؤلفها علي عبدالحميد الدشناوي، في تصديره للرواية.

الرواية تدور حول محمود على بكر الذي اختطف في أوائل القرن الماضي، ليجد نفسه مسخرًا للعمل في معسكرات السلطة أثناء الحرب العالمية الأولى.

بكر يهرب من قسوة التعذيب والمهانة إلى فلسطين ومنها إلى سوريا، وهناك تحول إلى فدائي ضد الفرنسيين تحت إمرة البطل إبراهيم هنانو،  ويقبض عليه بواسطة القوات الفرنسية ليحاكم بالنفي المؤبد في جزيرة الشيطان.

بعد محاولات شاقة ومرعبة ورحلات خطرة بين غويانا والبرازيل والترينداد والأمازون مبحرًا وسط التماسيح، ينجح في الهرب ويعود إلى وطنه مصر.

أول صفحات الرواية
أول صفحات الرواية

المؤلف هو علي عبد الحميد الدشناوي من مواليد دشنا العزازية عام 1927، عمل بالإذاعة المصرية في فترة الخمسينيات، وكان له برنامج إذاعي بعنوان “جنود الله”.

التحق بالعمل في هيئة الشؤون المعنوية بالجيش المصري في الستينيات، وكان مسؤولا عن التوجيه المعنوي، وفي السبعينيات عمل مستشارا للسلطان قابوس سلطان عمان.

وبحسب روايته فإن بطل القصة هو محمود علي بكر، الذي يسرد حكايته بداية من عام 1917 واستمرت إلى ما بعد 1948.

استطاع الدشناوي أن يحول هذه الحكاية الواقعية إلى عمل أدبي يتميز بالصدق والتشويق معا، وطبعت الرواية لصالح الشؤون المعنوية بالجيش في عام 1971، وهي الطبعة الوحيدة.

علي عبد الحميد الدشناوي- مصدر الصورة كتاب شخصيات عاشت في دشنا
علي عبد الحميد الدشناوي- مصدر الصورة كتاب شخصيات عاشت في دشنا

وقد أهدى الدشناوي نسخة من الرواية لأحد أبناء دشنا اسمه أبوالحجاج تقي أحمد، وكان وقتها مجندا في القوات المسلحة المصرية في سلاح الدفاع الجوي.

ضاحي سعد، ابن شقيق المؤلف، يقول إن عمه لم يكتب سوى تلك الرواية، وأن والده أخبره عن قصة الرواية أكثر من مرة لكنه لم يعثر على أية نسخ منها.

توفى الدشناوي بالقاهرة في الثمانينيات ودفن بدشنا بناء على وصيته، وحضر عزاءه كبار رجال الدولة، كان أبرزهم وزير الثقافة الأسبق محمد عبدالحميد رضوان.

الرواية

تقع الرواية في 164 صفحة موزعة على أحد عشر فصلًا، في أسلوب سرد ممتع.

في أول صفحات الرواية يواجهنا المؤلف أنه لم يزج بخياله الأدبي في أحداث الرواية، بل اكتفى بكتابة ما سرده بطل الرواية دون تعديل في سير الأحداث، ومع أول سطور الرواية كتب الدشناوي” كل ما أتطلبه من قارئي العزيز أن يمسك أنفاسه وهو يجوس بعينيه خلال سطور هذه القصة التي سأسردها.

من ميت سلسيل إلى رمانة

محمود علي بكر ولد عام 1900 بقرية “ميت سلسيل من أعمال المنزلة بمحافظة الدقهلية، وبعد عام من مولده توفى والده، وعبر عن ذلك في الرواية قائلا “مات بعد مولدي بعام واحد، وكان آخر شيء وقعت عليه عيناه في هذه الدنيا الفانية هو أنا”.

يتابع المؤلف على لسان البطل “انتقلت أمي للعيش مع خالي، وفي أحد الأيام بينما كنت العب مع أقراني اختطفت بواسطة بعض الجنود لأجد نفسي أعمل في أحد معسكرات السلطة، التي كانت تعني في ذلك الوقت الإنجليز، الذين كانوا في ذلك الوقت في حرب ضد العثمانيين، و أخذت إلى منطقة تدعى رمانة بالعريش وكانت مهمتي حفر الخنادق”.

يقول بكر “كنا نعمل ليل نهار نأكل السهد ونشرب العرق المتصبب من جباهنا، أما وسائل الترفيه بالجيش الإنجليزي فكانت تلك السياط التي نلهب ظهورنا من حين لآخر”.

أثناء غارة لطائرات تركية، قام أحد المصريين بالتلويح بمنديل أبيض ليعرف الأتراك أننا معهم وأننا مجبرون، وقد لاحظ الضابط الإنجليزي ذلك، فكان جزاؤنا الرمي بالرصاص وكنت على مقربة من الموت.

يتابع: لولا القدر الذي أرسل القائد في الوقت المناسب ليأمر الضابط بالتوقف، وبعدها ألحقت بالعمل في قطاع التموين تحت إمرة الليدي كول، والتي حضرت للتفتيش، ثم أمرت بجلد الجميع قائلة “لقد جلدتكم لأنكم نظرتم إلى وجهي أثناء التفتيش”، تلك الأحداث جعلت البطل يفكر جديا في الهروب خارج مصر.

 إبراهيم هنانو

وفي عام 1918 يهرب بكر إلى اللد في فلسطين ومنها إلى حلب، ليلتحق هناك بالعمل مع المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي تحت قيادة إبراهيم هنانو.

يسرد البطل “وقد كانت فلسطين وسوريا ولبنان في ذلك الوقت بلدًا واحدًا ليس بينها حدود، وفي الإسكندرونة عملت مع أحد المقاولين في السكك الحديدية، ثم تركت العمل ولجأت إلى قرية الحمام، ولظرف ما تركت الحمام إلى حلب الشهباء، وهناك وجدت أمامي المجزرة التي قام بها الإنجليز، منتهزين فرصة الخلاف بشأن تنصيب الملك فيصل ملكا على البلاد.

إبراهيم هنانو- المصدر ويكبيديا
إبراهيم هنانو- المصدر ويكبيديا

تعرف بكر على أحد رجال هنانو، رجل يدعى الحاج محمد ديبو، الذي غير اسمه إلى “محمد أحمد علي”، وأمره بالتقرب من الأسرى المغاربة وإيهامهم أنه من الجزائر لجلب السلاح.

ونجح بكر في مهمته، بعد أن صادق أحد الجزائريين، الذي كان أمينا لمخازن السلاح، لكن أمره انكشف، وطُلب من صديقه أن يهرب قبل القبض عليه، ويعمل مع إبراهيم هنانو جاسوسًا ضد الفرنسيين، لكنه في النهاية يقع في قبضتهم ليحاكم بالنفي المؤبد في جزيرة الشيطان.

من وإلى جزيرة الشيطان

على أطراف قارة أمريكا اللاتينية تقع جزيرة الشيطان، التي تعتبر من أخطر واقسي سجون فرنسا في ذلك الوقت، يروي بكر أن أغلب السجناء كانوا من الجزائر والمغرب وألمانيا، وكانت مهمته في المنفى أن يعمل في صندل الموتى، حيث تلقى جثث الموتى من السجناء في عرض البحر ليلتهمها سمك “الروكا الضخم”.

صمد بكر لأربع سنوات حتى مل وفكر في الانتحار، ثم جاءت أخيرًا فكرة الهرب، التي وضعها سجين ألماني، ليجد بكر نفسه وسط مغامرات عجيبة وأهوال في البحر والبر، وسط غابات الأمازون، مهددا تارة من القبائل المتوحشة وتارة أخرى من تماسيح الأمازون.

خريطة قديمة لمستعمرات غويانا الفرنسية - ويكيبيديا
خريطة قديمة لمستعمرات غويانا الفرنسية – ويكيبيديا

ينجح بكر أخيرًا في الهرب بصحبة زميله المغربي، قبل أن يلقى الأخير حتفه غرقًا في الرمال المتحركة، ويعيش بكر مع الهنود الحمر، يطلب مساعدتهم لدخول البرازيل لكنهم يخونوه، ويعود مرة أخرى إلى جزيرة الشيطان.

يخطط بكر للهرب مرة أخرى، ويستقر في إحدى مستعمرات غويانا الهولندية، ويعمل في الحقول مع الإندونيسيين ويتزوج منهم، ثم يقبض عليه للمرة الثانية ويعود إلى منفاه في جزيرة الشيطان، لكن هذه المرة يزج في حبس إنفرادي في الزنزانة رقم 115 لمدة 5 سنوات.

بعد فترة استطاع بكر أن يقابل قائد المستعمرات الفرنسية بفضل وساطة حماه الإندونيسي، الذي استمع لشكواه ويغير تصنيفه من مجرم معتقل إلى معتقل حر في غويانا الفرنسية.

طريق الحرية

وفي عام 1939 تسوقه الأقدار للعمل كطاه للحاكم الفرنسي يغويانا الفرنسية، وكان ذلك أثناء اندلاع الحرب العالمية الثانية، ثم يطلق سراحه، وكان عليه- بصفته مصريا- أن يختار إحدى الدول التي تستعمرها انجلترا.

يختار بكر السفر إلى الترينداد، وهناك يقابل مجموعة من السوريين، الذين يساعدونه كرامة لنضاله مع هنانو، وهناك يصبح تاجرا كبيرا، ويتزوج من هندية مسلمة وتسير به الحياة هادئة رغم بعض المنغصات جراء ألاعيب اليهود.

العودة إلى الوطن

أخيرا بعد رحلات طويلة، تحمله الباخرة المتجهة من ميناء مرسليا إلى بلاده مصر عام 1948، يروي “وبينما كان هذا الميناء الفرنسي يغيب عن نظري كدت أبصق اشمئزازًا وحقدا، فمن هذا الميناء نفسه قبل 27 عامًا مضت، حشرت في أحد أقفاص سفينة المساجين في طريقي إلى جزيرة الشيطان”.

يتابع: كاد قلبي يقفز من بين ضلوعي فخرًا وطربًا، وأنا أرى المرشد المصري، وقد صعد إلى الباخرة ليقودها داخل الميناء، إذن فهذه هي الإسكندرية عروس البحر الأبيض.

” لم أكد أصل أرض الوطن حتى هويت أقبل ترابها وأمرغ خدي عليها في حنين جارف، حنين الابن البار للأم الحنون، بعد غيبة دامت 31 عاما”.

ويعود البطل مرة أخرى إلى قريته ميت سلسيل، إلى منزل أخته الوحيدة الباقية من عائلته، والتي ما إن رأته وعرفته حتى أطلقت الزغاريد وهي تتعجب قائلة حكمتك يا رب محمود رجع”

النضال مرة أخرى

قرر البطل الذي أدمن النضال أن يتطوع في كتائب “تحرير فلسطين”، ليعمل تحت إمرة البطل الشهيد أحمد عبدالعزيز، الذي عهد له بمهمات خاصة لإجادته اللغات الأجنبية، وينجح محمود بكر في القبض على الخائن “سلامة أبو غليون الفلسطيني”، الذي كان يتجسس لصالح اليهود.

ويختتم البطل قصته قائلا “أقولها كلمة حق أنه لم يمنعنا من دخول القدس الجديدة والنفوذ إلى تل أبيب إلا أشياء، منها الهدنة الخادعة التي فرضت علينا من جانب، واستشهاد قائدنا أحمد عبدالعزيز من جانب آخر، واحتياجنا للذخيرة والسلاح وعدم استجابة القيادات في الجيش حينذاك لمطالبنا، وظهور الخلافات بين الجيوش العربية، كل هذه العوامل جعلتنا نؤمن أن ثمة أشياء كثيرة يجب أن تتغير في قلب الأمة العربية وفي مصر وبالذات لنضمن النصر”.

ثم تختتم الرواية “قد حدث وأشرقت شمس ثورة 23 يوليو 1952، لتبدد الظلمات وتقضي على هذه الأوضاع”.


بجانب النسخة النادرة للراواية التي حصلنا عليها، فقد رجعنا إلى الآتي:

-كتاب شخصيات عاشت في دشنا- المؤلف أنس عبد القادر-الطبعة الأولى-2014 من ص41 حتى ص 46

– ويكبيديا

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى