الطاهر مكي "عالم الأندلسيات".. أستاذ بدرجة مُحقق تراثي 

“كنا نتجول في قرطبة، ونحن في قنا، وفي عشقنا اعتمدنا على ابن حزم وطوق الحمامة بتحقيق الطاهر مكى”.. هكذا قال الدكتور محمد أبو الفضل بدران، العميد الأسبق لكلية الآداب بجامعنة قنا، وتلميذ الأديب الراحل الطاهر مكي، واصفًا مدى دقة الأخير في كتاباته وإبداعه الأدبي في الترجمة والتأليف، مؤكدًا أنه كان من الأساتذة القلائل، الذي نجحوا تأليفًا وترجمة وتحقيقًا وله عدد من المؤلفات، التي جاءت بأفكار جديدة.
الطاهر مكي، أستاذ الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وأحد رواد الأدب المقارن في مصر والوطن العربي، الذي فارق دنيانا قبل أن يكمل عامه الثالث والتسعين بيومين، ولد في 7 أبريل 1924، بقرية الغريرة، إحدى قرى بلاد المطاعنة بإسنا جنوبي الأقصر، وحفظ القرآن الكريم في كتّاب القرية ثم التحق بالأزهر الشريف، وعمل في بداية حياته صحفيًا في عدد من الصحف والمجلات والدوريات، وهو أكاديمي وباحث في الأندلسيات ومترجم ومحقق وناقد.
“أستاذ الأساتذة” كما يصفه بدران، أثرى المكتبة العربية بالعديد من الدراسات المقارنة، بين الأدب العربي والأدب الأندلسي والأمريكي، حتى صار يلقب بعميد الأدب المقارن، فكان أول من ألف كتاب “الأدب الإسلامي المقارن”، وأول من اهتم بدراسة العصر الجاهلي، فألف كتابه “امرؤ القيس” والذي يعد من أهم الكتب في تاريخ الأدب الجاهلي.
أستاذ الأجيال كما يٌطلق عليه في الوسط العلمي، كان له دورًا هامًا في إنشاء فرع جامعة أسيوط بقنا، والتي كانت نواة لجامعة جنوب الوادي وفروعها بأسوان والأقصر والبحر الأحمر، فكان أول من دعا لإنشاء جامعة جنوب الوادي، التي تحولت الآن إلى أربعة جامعات “الأقصر – أسوان – قنا – البحر الأحمر”.
تلميذ الأديب، يشير إلى أن الجامعة التي نادى مكي بإنشائها، تخرج منها أكثر من نصف مليون طالب وطالبة منهم حوالي 322 ألف طالبة، في وقت لم يكن يستطعن السفر إلى القاهرة وأسيوط؛ لولا وجود الجامعة بقنا، قائلًا “عندما كنا طلابًا فى السبعينيات كتب الطاهر مكي في الصحف والمجلات مطالبًا بإنشاء جامعة في قنا، قابل المسؤولين في حماس، وكان معه الدكتور إسماعيل معتوق رحمه الله، ولم يكن أحد يعتقد في جدوى ما يكتب، لكن تحولت الكليات الثلاث إلى فرع لجامعة أسيوط، ولم تفتر همته بل دافع حتى تحقق له في 1995 إنشاء جامعة جنوب الوادي بقنا”.
راهب العلم والأدب، أو المحقق، أو شيخ العٌزاب، كلها ألقاب اختص بها الأديب المصري الراحل، الذي تعمق في مطالعة الثقافات المختلفة، طوال حياته، والذي قرر ألّا يتزوج بعدما تقدم لخطبة فتاة إسبانية خلال دراسته هناك، فرفض والدها، حتى قرر ألا يتزوجا بحسب قول الراحل في حوار كانت أجرته معه صحيفة الأهرام كما أشار تلميذه.
قال عنه عبد الفتاح جمال، أحد تلاميذه بكلية دار العلوم، ومؤسس صفحة خزانة التراث الدرعمي إن الصفة التي يصح أن يوصف بها الشيخ أنه عاشق، دون تقييدها بمعشوق، فإنه عشق كل ما اتصل به، لا يمكن أن تسميه عاشق دار العلوم، ولا أن تسميه عاشق الأندلس، ولا أن تنسبه في العشق إلى حبيبته، التي زهد في متاع الدنيا بعدما يئس من وصلها.
في منتصف القرن الماضي تطلع ابن الأقصر إلى السفر لإسبانيا، واطلع على الفكر الأوروبي القديم والحديث، والمناهج الغربية، و نهل من الثقافة الجديدة، حتى أصبح من أهم الكُتاب في الأدب الأندلسي، وحصل على دكتوراه الدولة في الأدب والفلسفة بتقدير ممتاز من كلية الآداب، الجامعة المركزية بمدريد – بإسبانيا عام 1961.
تم اختياره ضمن بعثة أساتذة الجامعات لمحاربة تفشي اللغة الفرنسية في المغرب العربي، والتي كٌلفت من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بالسفر إلى الجزائر، حتى نجحوا في أن تكون دراسة اللغة والأدب والشريعة والأدب المقارن باللغة العربية في جامعة الجزائر، وقدّم لهم الأثر العربي في الحضارة الغربية، فـ ترجم ملحمة السيد، كما أشار بدران.
تٌوج مشوار الناقد الأدبي بالعديد من الجوائز، فحصل على جائزة الدولة التقديرية في الأدب عام 1992، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى في ذات العام، كما حصل على جائزة التميز من جامعة القاهرة 2009.
وتدرج في المناصب خلال مشواره الأكاديمي، فعمل مدرسًا، فأستاذًا مساعدًا، فأستاذًا، فرئيسًا لقسم الدراسات الأدبية، فوكيلًا لكلية دار العلوم للدراسات العليا والبحوث حتى عام 1989.
و شغل عدة وظائف في قطاعات التعليم العام والجامعي والدراسات العليا، وقضى عدة سنوات أستاذًا زائرًا بجامعة بوغوتا الكولومبية، تعرف فيها إلى الأدب المكتوب بالإسبانية في أمريكا اللاتينية، كما عمل أستاذًا زائرًا في جامعات تونس ومدريد والمغرب والجزائر والإمارات والأردن.
موسوعة العلم، الطاهر مكي قدم العديد من المؤلفات، أشهرها؛ امرؤ القيس: حياته وشعره 1968، دراسة في مصادر الأدب، بابلو نيرودا شاعر الحب والنضال 1974، القصة القصيرة: دراسة ومختارات 1977، الشعر العربي المعاصر: روائعه ومدخل لقراءته 1986، الأدب الأندلسي من منظور إسباني 1991، الشعر العربي المعاصر: روائعه ومدخل لقراءته 1996، الأدب المقارن: أصوله وتطوره ومناهجه 2002، مقدمة في الأدب الإسلامي المقارن 2002، أصداء عربية وإسلامية في الفكر الأوروبي الوسيط 2005.
وله عدة مؤلفات شهيرة في التحقيق منها: طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي، “الأخلاق والسير في مداواة النفوس” لابن حزم الأندلسي.
وفي الترجمة، كان للناقد الكبير عدة ترجمات عن الإسبانية والفرنسية، منها: ملحمة السيد 1970، الحضارة العربية في إسبانيا ـ ليفي بروفنسال عن الفرنسية.. الشعر الأندلسي في عصر الطوائف (عن الفرنسية)، التربية الإسلامية في الأندلس: أصولها المشرقية وتأثيراتها الغربية ـ خوليان ريبيرا.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى