الصول نبيه: أشهر قمشجي في محاكم الصعيد

القمشة نوع من الكرابيج، وفي معجم تيمور الكبير، اَلْقْمِشَة سوطٌ من جلد له يد من خشب، ومنه القمشجي الذي يجري أمام العجلات، لأنه كان قديما يمسك الأقمشة بيده، ثم أبدلوها بعصا طويلة ثم بطل كل ذلك.

القمشجي ويسمى أحيانا (الأمشجي) لقب رسمي يعبر في الأصل عن وظيفة حكومية في مؤسسة المركبات الملكية. حيث كان يخصَّص لكل عربة من العربات عدد من الموظفين، مثل الألاي وهو سائق العربة، وقومندان الألاي، والقمشجي الذي يقوم بتوسيع السكة.

ملابس فخمة

كل وظيفة كان لها زيها الخاص. وكانت ملابس القمشجي فخمة، صديري من الجوخ الأزرق المطرز بالقصب على الصدر، والظهر، وقميص أبيض فضفاض، وفانلة قطن تغطي الذراعين، وسروال أبيض فضفاض له حزام طرابلسي من الحرير الملون، وطربوش مغربي له زر طويل. وهو لا يرتدي حذاء في أوقات العمل الرسمي.

التناقض جوهري في شخصية القمشجي. ملابس فخمة وأقدام حافية، ضعيف جدا ويكرس بمهارة لهيبة وسطوة الأقوياء.

تلاشت وظيفة القمشجي باختفاء العربات التي تجرها الخيول. لكنها ظلت كحالة رمزية تعبر عن بعض الأشخاص. ومنهم رجل الشرطة المكلف بحراسة رجال القضاء وأعضاء النيابة العامة. ومن هؤلاء كان الصول نبيه.

العم

لم يحصل على لقب (العم) من فراغ، لقد كان جديرا به بسبب سنه. كل الذين عاصروه كانوا دائما في بداياتهم. كان جديرا باللقب بسبب طيبته ورقته ونظافة يده، وتعففه، ورفضه المتين لأي سيجارة تمتد إليه من رواد المحكمة. نموذجيا في خفته، ورشاقته، ويقظته، الطائرُ الرقيق يعرف كيف ينقض فجأة بشراسة عجيبة. مميزا بين زملائه الذين يتسمون عادة بالبنية القوية، أو البدانة، وتكتسي أرواحهم بشيء من الغلظة أو البلادة في أداء عملهم بسبب خجلهم من الحركة السريعة في ظل نظرات قبَلية يعرفونها. ممرات المحكمة معتمة ومزدحمة بالمواطنين. ولم يكن ينجح في توسعة الطريق بقدر ما كان ينجح في تكريس الهيبة والمكانة.

خلق الممرات الملكية

أفواه كثيرة تحدثت مع الصول نبيه عن ضرورة التخلي عن حركاته المبالغ فيها. أفواه كثيرة كانت تستغل سقوطه على السلم أحيانا كي تبالغ في تحريضه على نفسه. بعضهم كان يحذره من تأثير (مهرجانه) السلبي على نفوس الشبان الذين التحقوا حديثا بالنيابة. وبعض أعضاء النيابة كانوا يستنكرون مبالغاته، وينبِّهون عليه بالهدوء وعدم إحداث جلبة، كانوا يوبخونه أحيانا. لكن حياته كانت فارغة تماما من كل شيء باستثناء خلق الممرات الملكية وسط الزحام. كان يمضي دائما في رقصته وكأنه آلة، وكأنه المقدر والمكتوب.

ينقسم العمل في المحاكم إلى فرع القضاة، وفرع النيابة، والانتقال بين الفرعين سهل. وقد عمل في الفرعين. وفي محاكم كثيرة، ولكل عمل كانت خصوصيته وحلاوته.

عاش لحظات جميلة، وهو يسبق القضاة إلى قاعة الجنايات. يمتلئ المكان في انتظار الهيئة الموقرة، وينتظرون الصول نبيه وهو يبشر بقدومهم من الباب فرعي الخاص، وهم يرتدون الأوشحة الخاصة بهم، وكأنهم في موكب.

يقرع عم نبيه الباب. صوتُ يده فوق الخشب قوي ورنان، هل يحتفظ في جيبه بحجر صغير، أم يرتدي خاتما فولاذيا. خبطته في اللحم الخشبي تعرفها القاعة جيدا، يخيم الصمت فجأة، وتجاوبها على الدوام صرخة الحاجب: “محكمة”. فيقف جميع الجالسين.

مناخ يشبه يوم القيامة

يتقدم القضاة من أجل حسم القرارات المصيرية، وتشرئب أعناق المذنبين في القفص الحديدي، هذا سوف يذهب إلى المشنقة، وهذا سيذهب إلى غياهب السجن، وهذا سوف يفوز بالبراءة ويخرج إلى جنة الحرية، مناخ يشبه يوم القيامة.

هناك صراع خفي وأسطوري بين خبْطة القمشجي وصيحة الحاجب، يظهر أحيانا في الدعابات وهما يجلسان أمام غرفة المداولة، القمشجي يلعب دور القارعة، والحاجب يلعب دور البوق.

العمل مع القضاة جميل، لكن فرصة الظهور على خشبة المسرح قليلة، قياسا بالعمل في النيابة، حيث يتحرك الأعضاء كثيرا، يخرجون إلى معاينة مواقع الأحداث، أو مناظرة الجثث، أو سؤال المصابين في المستشفيات، وكلما تحركوا كلما دخل القمشجي في رقصته، وشعرَ بكيانه الحقيقي.

خرج عم نبيه من الخدمة منذ فترة طويلة، لكنه مازال بصحة جيدة، يغيب كثيرا ويظهر في مكانه، غريبٌ ولا أحد يعرفه باستثناء بعض الموظفين القدامى.

يظهر أحيانا أمام حجرات وكلاء النيابة، وكلما خرج أحدهم، ومشى في الطرْقة الطويلة، يتمنى القيام، وإطلاق صيحة تفسح الطريق، يهم بالقفز لكنه غريب ولا يستطيع.

اقرأ أيضا:

خصومات الصعيد وفن التحطيب بالبندقية

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى