الصعيدية العجوز: حفيدة الربة الحامية

ترتبط المرأة الصعيدية بملامح أسطورية حادة، لا تجعل منها مجرد أم أو شقيقة أو حبيبة، وغيرها من المظاهر التي تعبر عن الأنوثة، بل تمنحها مساحة من السلطة والسيطرة، ودورا قياديا في أمور الحرب بين الرجال، فيظهرون وكأنهم مجرد أدوات في يدها.

الفنانة ثريا إبراهيم قامت بتجسيد تلك الملامح عندما قامت بدور “الكبيرة” في فيلم “كتكوت”. ولاشك أنها نجحت في تقديم الدور. لكن نجاحها يدين أيضا للشخصية التي داعبت الوجدان، وكشفت الشغف الشعبي العميق بحكاية المرأة القائدة، أو الحامية.

الصعيدية الحامية حالة أسطورية تفتننا، لأنها تداعب الذاكرة الحضارية، وتستدعي بشكل غير مباشر صورة الربة الحامية التي عرفها المصريون منذ عصور ما قبل التاريخ.

الصعيدية الحامية

لقد عرف الصعيد قبل توحيد القطرين ربته الحامية في المعبودة “نخبت” التي رمزوا إليها بأنثى النسر. لكن الأمر لا يتوقف على الصعيد، لأن سكان الدلتا عرفوا ربة شديدة الشراسة هي وادجيت، الربة الحامية لمدينة “ديب”، “دسوق حاليا”، والتي صارت الربة الحامية للوجه البحري كله.

وادجيت هي مرضعة حورس التي تولت حمايته أثناء اختبائه في مستنقعات الدلتا، والتي ويتم تصويرها على هيئة ثعبان ملفوف حول رأس “رع”، أو امرأة برأس ثعبان، أو أفعى برأس امرأة، وغالبا ما تظهر تلك المرأة ـ  راعية الحمل والولادة ـ  في هيئة كوبرا منتصبة الجسم ومنتفخة الأوداج، على وشك الانقضاض والهجوم، وقد تطايرت ألسنة اللهيب من حلقها.

وادجت الكبرى

غالبا ما كانت تمثل نخبت ربة الصعيد بمصاحبة وادجت الكبرى. خاصة فوق التاج الملكي، وقطع الزينة الخاصة بالملوك، وتمنحهما الطقوس دورا  في عملية التأهيل والتكوين الروحاني والاجتماعي لكل ملك جديد. وعملية حصوله على اللقب الثاني (نبتي) في لحظة تتويجه. كما نجدهما بمصاحبة المتوفين فوق القوارب الليلية التي تعبر بهم العالم الآخر.

ملامح الربة الحامية تجد ظهورها الساطع في المرأة الصعيدية. لكنها لا تتوقف عندها. بل نجدها في المرأة المصرية عموما، وهي موجودة بدرجة أكبر في كل بنت (بمائة رجل كما يقولون). وفي كل امرأة تقوم بواجب الدفاع عن أسرتها، وحمايتها، لا مجرد خدمتها.

دور الأم

قد لا نذهب بعيدا إن قلنا أن صورة المرأة (الحامية) في ذلك الوقت أكبر من أي وقت مضى، وذلك في ظل مشاكل أسرية غير مسبوقة، جعلت الأم في أحوال كثيرة جدا تتولى حضانة أولادها بمفردها، مع تدهور الدور التقليدي للعائلة والأخوال، خاصة في المدن.

تجد صورة المرأة الحامية تجسيدها الأفضل في صورة الصعيدية العجوز، بسبب المناخ الأسطوري، الذي يجد غذاءه الوفير، في تأخر الصعيد على مستوى التنمية، وانتشار القبلية، وبعض الظواهر البدائية مثل القتل الثأري.

وإذا كانت صورة “الكبيرة” بملامحها الصخرية تستدعي صورة الربة الحامية، إلا أن صورة “فاطمة تعلبة” بطلة مسلسل الوتد لخيري شلبي، والتي قامت بتجسيد دورها الفنانة هدى سلطان، تستدعي الربة الحامية بشكل أعمق. وقد نجحت (وتد الدلتا)  في مداعبة شغف المصريين بالدور الروحاني والاجتماعي للربة الحامية. وحلمهم في ربط السلطة والسطوة بالرضاعة والحماية وكل مظاهر الأمومة.

 اقرأ أيضا:

خصومات الصعيد وفن التحطيب بالبندقية

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى