حكاوي

السينما والدراما بين نارين: التأميم والعشوائية!

تعتمد فكرة التأميم التي تبنتها الدول الشيوعية وبعض الدول الاشتراكية على امتلاك الدولة لكل وسائل الإنتاج، وتوزيع فرص العمل وعائد وفائض الإنتاج على المواطنين بالعدل، بحيث يعيش الجميع تحت مظلة الدولة ورعايتها ووفقا لقوانينها وقواعدها، ولنظم الحكم هذه مشاكل بالطبع أدت في نهاية المطاف إلى انهيار هذه الدول. أما التأميم الجزئي الذي تبنته بعض الدول الاشتراكية، بل وحتى بعض الدول الرأسمالية، فيهدف التأميم بالأساس إلى تدخل الدولة لمواجهة شراسة الرأسمالية وحماية المواطنين الذين تدهسهم المنافسة، والسعي لضبط الأسعار، أو لإنتاج مضمون متميز لا يهدف إلى الربح بقدر ما يهدف إلى خدمة المواطنين، أو يهدف إلى خدمة مصالح الدولة وخططها الإستراتيجية، وفي مجال الثقافة والفنون يهدف إلى الدعاية لأهداف وسياسات هذه الدولة.

لكن التأميم الجزئي له مشاكل أخرى تتلخص في قيام الدولة بوضع نفسها كمنافس في مواجهة القطاع الخاص، وهو أمر ليس محمود العواقب دائما، فقد يتسبب في إعاقة قوانين السوق التي تخضع للعرض والطلب والمنافسة الحرة، وقد يتسبب التأميم في فرض ضغوط وربما حصار على عمل القطاع الخاص قد يصل في بعض الأحيان إلى الإطاحة به إذا أضر بمصالح القطاع التابع للدولة. ويمكن أن نضيف إلى ذلك عدم خضوع القطاع التابع للدولة للقوانين والقواعد والضرائب التي يخضع لها القطاع الخاص، كما يمكن أن نضيف الإدارة “الشخصية” التي لا تخضع لقوانين الاقتصاد والسوق، ويمكن بالطبع أن يتسلل إليها الفساد وسوء الإدارة.

من هنا يأتي تحويل “الشركة المتحدة للإعلام” إلى شركة مساهمة مطروحة في البورصة تحت هيكل إدارة اقتصادية تطبق قواعد الربح والخسارة، وتخضع لرقابة أجهزة الدولة وأصحاب الأسهم، كخطوة إيجابية على الطريق الصحيح، تحاول أن تتلافى مشاكل الفترة الماضية. هذه المشاكل تتعلق ببعض الملاحظات السابقة، وما يقال أنها أضرت بالقطاع الخاص في مجال الدراما والإعلام.

غرفة صناعة السينما

إشادتنا بالتغييرات الأخيرة لا يعني أن صناعة الإعلام والدراما في مصر بخير، أو أن تدخل الدولة أمر غير مقبول، فالحقيقة أن الفوضى تضرب في أركان الصناعة، ومنطق “اخطف واجري” هو شعار كثير من العاملين فيه، وليس هناك تخطيط من أي نوع بين المنتجين، ولا حتى لدى المنتج الواحد، وتسود “الشللية” والعشوائية وعمليات الاحتيال والخداع، وكثير من المخرجين والمؤلفين والممثلين والفنيين يشكون من نصب المنتجين عليهم، وهناك صراعات غير شريفة تسود سوق التوزيع، ولا يوجد تنسيق فيما يخص التوزيع والعرض في دور العرض أو الفضائيات، وليس هناك كيان يعني بتنظيم هذه الفوضى، وتطوير الصناعة.

تناولت في مقالات قديمة حالة غرفة صناعة السينما، التي كانت تحتضر منذ عدة سنوات، ويبدو أنها ماتت الآن، فلم نسمع اسمها يذكر منذ سنوات، وهي صارت منذ زمن بعيد مطية لبعض كبار الصناعة، الذين يتحكمون في قراراتها.

وغرفة صناعة السينما كيان “ديمقراطي” يتم انتخاب أعضاءها مثل النقابات والجمعيات الأهلية، والديمقراطية في هذه الكيانات، كما يجب أن نقر ونعترف، كانت ولم تزل ممارسة ناقصة، دائما ما تأتي بالأكثر قدرة على كسب الأصوات، بأي وسيلة، وليس الأكفأ أو الأكثر إخلاصا لخدمة النقابة والمهنة.

ولست متفائلا بما أعلنته الشركة المتحدة عن شراكتها مع “نقابة الممثلين”، لأن هذه الشراكة قد تتحول إلى خدمة المرضى عنهم من الممثلين، وليس الأكثر استحقاقا، وسوف تحرم عددا كبيرا من غير أعضاء النقابة، وربما من أعضاء النقابة أيضا، من الحصول على أدوار يستحقونها. وعلى أية حال، حتى لو لم تكن هذه التخوفات صحيحة، فإن فكرة فرض النقابة لأسماء بعينها لمجرد أنهم أعضاء نقابة تتعارض مع ألف باء حرية الإبداع والفن، وكثيرا ما نرى مخرجين يعتمدون على الهواة ويرفضون الممثلين المحترفين، أو نرى مخرجين موهوبين هم أنفسهم ليسوا أعضاء نقابة!

كيان جديد

ولكن إذا لم تكن الدولة، ولا النقابات، فما هي طبيعة الكيان المنظم الذي يمكن أن يصون صناعات السينما والدراما والتليفزيون من الانهيار أمام الظروف الاقتصادية والفنية الصعبة التي تمر بها، ويضمن نموها وتقدمها لمنافسة مثيلاتها في المنطقة العربية والعالم؟!

أعتقد أن طبيعة هذا الكيان تحددها نوعية الوظائف والمهام المطلوبة منه، والتي يمكن أن نلخصها في النقاط التالية:

تحتاج عمليات الإنتاج والعرض إلى وضع خطة عامة لعدد الأفلام والمسلسلات المطلوبة سنويا، بحيث لا تكون أقل أو أكثر من حاجة السوق، فليس معقولا مثلا أن يتم عرض مئة مسلسل في شهر رمضان فقط، بينما لا يزيد عدد المسلسلات باقي العام عن عشرة أعمال!

تحتاج الصناعة إلى دراسة ظاهرة المنصات، وتأثيرها على الفضائيات، والتفكير في حلول، قبل أن تستفحل المشكلة، ويأتي يوم تتحول فيه المنصات إلى مجال العرض الوحيد. ولابد من حل مشكلة الإعلانات، فالحاصل الآن هو أن المعلن يتحكم في الشاشة بغباء، يعني بشكل يضره هو أيضا، لأنه ليس من مصلحته أن ينصرف الناس عن الشاشة التي تعرض إعلانات منتجه، ولذلك لابد من وضع نسبة محددة للإعلانات داخل الدراما، كما يحدث في كل تليفزيونات العالم، ولابد من رفع سعر الإعلانات، وهما قراران لا تستطيع الفضائيات اتخاذهما، لأن هذه الفضائيات ليس لها كبير أو هيئة تحتكم إليها، وكل فضائية مستعدة لتحويل كل بثها إلى إعلانات إذا استطاعت، وعلى استعداد لخفض سعر الثانية إلى قروش لمنافسة الفضائيات الأخرى.

إذا كانت الفضائيات في أزمة فإن صناعة السينما في مصر مهددة بالفناء إذا استمر الوضع على ما هو عليه الآن، ولابد من تكاتف الكيانات الصغيرة معا، وبالمناسبة كلهم كيانات صغيرة جدا، مهما أدعى بعضهم أنه “كبير” و”معلم” السوق، وعقلية الفتوات هذه سوف تقضي عليهم جميعا، إذا لم ينتبهوا لما يحدث.

لذلك أرى أن هذا الكيان المطلوب يجب أن يضم اللاعبين الأساسيين في هذه الصناعات، بجانب مسؤولين في الدولة، والوزارات المعنية: الثقافة والصناعة والمالية والسياحة والشباب والرياضة والتضامن، وأن يكون لممثلي هذه الوزارات دور وقدرة على اتخاذ القرارات وليس مجرد متفرجين، وأن يكون هناك لجنة قانونية وفنية محايدة هدفها الاستماع إلى المناقشات والطلبات وصياغة مشروع متكامل منها.. فإذا تمت الموافقة على هذا المشروع والبدء في تنفيذه، ينحل هذا الكيان ويحل محله كيان آخر هدفه الإشراف على تنفيذ المشروع واستمرارية العمل به.

الشرط الوحيد الذي يجب أن يلتزم به أعضاء الكيان هو ألا يذكر أحدهم كلمات “رقابة” أو “أخلاق” أو “قيم اجتماعية” أو غيرها من الكلمات المماثلة التي تفسد أي مناقشة تتعلق بصناعة الدراما والإعلام.

هذا الشرط وأسبابه هما موضوع المقال القادم.

اقرأ أيضا

حتى لا تتكرر أخطاء القطاع العام: بين “المتحدة” والمؤسسة العامة للسينما

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى