أصل و فصل

السينما في نجع حمادي: لا شىء يدوم

المكان: مدينة نجع حمادي بمحافظة قنا، الزمن: أواخر الثلاثينيات، عائلات في كامل أناقتها رغم اختلاف طبقاتهم الاجتماعية، أعيان، وطلاب، يتوجهون لدور العرض السينمائي بالمدينة، مشهد متكرر، ولكنه لا يدوم.  ليست الأماكن فقط من تتغير ملامحها وتطرأ عليها عوامل الزمن، في الغالب يتبعها اختلافات ثقافية وفنية، حيث السينمات التي كانت متناثرة بين وسط المدينة وأطرافها اختفت تدريجيا بفعل الزمن، ودون معرفة الأسباب، هجر البعض، وتهدم بعضها احتلت أماكنها عقارات وأبراج سكنية.

سينما النهر

سينما النهر الملحق بها كازينو النيل بمنطقة الكورنيش بنجع حمادي، التي لم يتبق منها سوى الأخير، استبدلت السينما بعمارة وبرج سكني. يحكي معتز عبدالستار جبريل، أحد أبناء مالك السينما، لـ”باب مصر”، ويقول: السينما كانت على مساحة 1220مترًا، بنيت عام 1967 هي والكازينو، كانت من أوائل المنشآت بالنجع بعد ثورة يوليو 1952، كانتا تحملا رخصة رقم 14 و15.

وتابع جبريل: والدي كان تاجر خردة من سكان نجع حمادي، وجذوره من الشويخات بقنا أيضًا، كان دخله مرتفعا إلى حد ما، و له ثلاثة أصدقاء،

منهم الدكتور السويفي مدير مستشفى نجع حمادي حينها، وجد النجم هادي خشبة لأمه من أسيوط،  شجعه على فكرة إنشاء السينما التي كان يحلم بإقامتها، حتى أن الدكتور السويفي رافقه للحديث مع رئيس مجلس مدينة نجع حمادي وهو مأمور المركز في نفس الوقت حينها، الذي رحب بالفكرة وعرض عليهم تأجير أرض نادر بندري أحد أشهر أغنياء العصر حينها، التي كانت تحت الحراسة وتحت إشراف مجلس المدينة، والتي قمنا بشرائها فيما بعد من الورثة بعد رفع الحراسة.

حلم السينما

“كان نفسي أعمل سينما النهر وكازينو النيل على مساحة شاسعة، لأن أغلب الحاجات يا قهوة يا نصبة شاي”، هكذا كان يردد والدي دائما حتى حقق هذا الحلم.

وروى جبريل، كان الميدان الحالي يسمى ميدان الشهداء يتوسطه نصب تذكاري تم نقله بعد ذلك عند بنك الأهالي أمام محطة السكة الحديد، وبداية مبنى السينما  الباب الأول وهو باب الصالة مقابل فندق النيل والمعرض حاليا، السينما مقسمة لـ3 أجزاء، لوج وعدده 9 في الأعلى، بلكونة تحتوي على مقاعد من 350 إلى 400 مقعد، الصالة 600 إلى 800 مقعد، وبابها منفصل.

اللوج يستوعب عائلة كاملة 6 أو 7 أفراد، للعائلات، البلكون مقاعد ثابتة، وفي غطاء للصالة أحيانا، ويشير إلى أن السينما صيفية، فمواعيد الحفلات تبدأ بها من الساعة ٧ ونصف وهو المعتاد، إنما استثناء بعض الأفلام كنا نضطر إلى تشغيل حفلتين من 5 إلى 7 ونصف، ومن 8 إلى 10مساءًا، وفيما بعد دخلت الأفلام الأجنبي، فأصبحت الحفلة فيلم عربي يليه الأجنبي.

وعن الأفلام والإيرادات ذكر جبريل، أن أفلام نادية الجندي وعادل إمام، كانت استثناء في العرض لإقبال الجمهور عليها كنا نضطر لمد عرض الفيلم أسبوعين و3 أسابيع، نحصل على الأفلام بعد عرضها في أعياد الأضحى ورمضان بأسبوعين فقط، ولا أذكر أن فيلما حقق إيرادات بعد أفلام نادية وإمام سوى “إسماعيلية رايح جاي” لهنيدي الذي كسر الدنيا وقتها وكان سببًا في زيادة سعر التذكرة، وقبله فيلم أبي فوق الشجرة لعبد الحليم حافظ.

ويستطرد: سمعت من والدي حين كنت صغيرا أن سعر أول تذكرة لأول فيلم عرض فى السينما أواخر الستينيات كانت 3 قروش، وكان يبدأ عرض الفيلم في حفلة الإثنين من كل أسبوع وإيجاره لمدة أسبوع، كان والدي يصطحبنا معه في رحلته لاستئجار الأفلام من شركات التوزيع والإنتاج الأشهر واصف فايز وأحمد حسن رمزي والنصر، في الثمانينيات والتسعينيات تتراوح أسعار الأفلام  بين 600 و 1000 باستثناء عادل ونادية 3 آلاف للفيلم الواحد، والأفلام الأجنبية من شركات فوكس لنجوم سلفستر ستالون، فاندام بأسعار ما بين ألف وألفين أحيانا أعلى من فيلم لمحمود عبدالعزيز، حيث موضة كمال الأجسام، والعضلات لدى الشباب.

ويضيف جبريل، السينما كانت متنفس ثقافي وكان لها دور في نشر الثقافة والفنون في فترة الثمانينات العصر الذهبي حتى عام 1995، وكانت تجد دعم من الرئيس السادات كان مشجع لها، وهناك قانون منع هدم السينيمات.

أما عن الجمهور، فكان متنوعا كبار وصغار وأعيان وعائلات ورجال شرطة وطلاب مغتربين من مراكز أبوتشت، ودشنا، وفرشوط، وطلاب الدبلومات، مشيرا إلى أن حلم والده بالسينما لم يكن من أجل الربح المادي فقط، بل رغبة منه فى زيادة الوعي والمستوى الثقافي لمجتمعه، حتى أنه كان يصر على عرض أفلام يعتبرها البعض ذات طبيعة غير جماهيرية، وتصنف بأنها أفلام مهرجانات دولية مثل أفلام داود عبدالسيد… وآخرين.

وفي أواخر التسعينيات بدأت صناعة السينما تضمحل، فالنجم قد لا يقدم فيلما واحدا في العام، وذلك بسبب زيادة الأسعار، وظهور “الدش”، وخفض المستوى المعيشي للطبقة الأكبر في المجتمع، وأصبحنا أخر 4 أعوام نقدم فقط عروض في مواسم الأعياد أو شم النسيم فقط حتى أغلقنا في 1997، واستخرجنا رخصة هدم عام 2003.

سينما الهلال 

يقول إيهاب عبدالستار هاشم، أحد أبناء مالك سينما الهلال، إن سينما الهلال أو السينما القديم كما يسمونها بمنطقة الساحل على بعد أمتار قليلة من سينما النهر، عبارة عن مبنى متهدم مهجور، وهي السينما الأقدم، حيث بنيت عام 1938، مشيدة على مساحة 650 مترا، الجزء المبني منها قديما 60 مترا، كانت ملك للخواجة هنري هنتر، الذي أغلقها لأكثر من 20 عام منذ الستينيات، قبل أن يقوم والدي بشرائها في السبعينيات. والدي‏ كان يعمل مقاول وجددها وأعاد افتتاحها في 1976، لتغلق مرة أخرى بعدها بـ4 أعوام وحتى الآن.

يحكي هاشم أن سعر تذكرة قديما في الأربعينيات والخمسينيات 8 مليم وملبساية تكملة القرش للصالة، 12قرشا للبلكونة، 15قرشا للوج، وكانت السينما تحوي الصالة التي تستوعب  300-400 مقعد، بلكونة 200 مقعد، اللوج 50-60 مقعد، وكانت عائلتي من روادها ومحبيها.

ويضيف أنه أثناء فترة تشغيلها في السبعينيات كانت الأفلام الأشهر بروسلي، ودينالد بنتر، وتم عرض فيلم رحلة السيد المسيح الذي لاقى إقبال غير معتاد حتى أننا كنا نمد عرضه لحفلتين في اليوم عام 1977، فضلا عن أفلام عادل أمام، نبيلة عبيد، نادية الجندي، والأفلام الأجنبية، ومعظم السينمات الصعيد تأثرت في أواخر التسعينيات، فأغلقت سينيمات قنا، فرشوط، الأقصر، أسيوط، سوهاج، وذلك لظهور “الدش” منذ عام 1995 فبدأت ذروة أزمة صناعة السينما، أوائل الثمانينيات تراجع الإقبال على السينما بسبب انتشار الفيديو.

سينما شركة السكر 

شركة سكر نجع حمادي إحدى أقدم المؤسسات بالمدينة تأسست عام 1897، وتقع على بعد 4 كيلو مترات من الضفة الغربية لنهر النيل، و10 كيلو مترات من مدينة الألومنيوم حاليا.

يقول حمادة فتحي، أحد موظفي الشركة بنجع حمادي، إن الإدارة المركزية لشركات السكر، كانت تقيم مدنا سكنية متكاملة في أفرعها في المدن والمحافظات خاصة الصعيد، وكانت ضمن ما تشمله تلك المدن  نادي ترفيهي ووسائل ترفيهية أخرى من أهمها السينما التي تأسست فى توقيت متقارب لتأسيس الشركة نفسها، وكانت تسمى سينما المركز الترفيهي ولا تزال تستخدم حتى الآن في إقامة المؤتمرات أو الاحتفالات بالمناسبات القومية كانتصارات أكتوبر.

ويضيف فتحي، كانت هناك سينما للعاملين وأخرى جديدة تم إنشاؤها عام 1999، وسينما المركز الترفيهي للمستعمرة، كما يطلق عليها للمهندسين والفنيين البلجيك الهولنديين الإنجليز الفرنسيين، كما أنشأت لهم كنيسة خاصة، وتوقفت منذ 25سنة.

ويوضح الدكتور محمود مدني، مدير الآثار الإسلامية والقبطية بنجع حمادي، أن مجتمع شركة السكر مجتمع متمدن ومتحضر بطبعه، مثل الألومنيوم الآن، لأن الشركة كان بها عماله أجنبية من أكتر من 7 دول مختلفة وفق تعداد السكاني لقرية القمانة التابع لها شركة السكر، وكانت الجاليات لها متطلبات روحية وترفيهية، فأقيمت نوادي داخل المستعمرة، ودار عرض سينمائى، وكذلك كنيسة خاصة بطائفتهم، ومدافن بالقرب من المناصرة الملاصقة للشركة.

ويضيف مدني: لم تكن السينما قاصرة على الجاليات الأجنبية، وإنما للمناطق المحيطة. وكانت الجنسيات الأكثر عملا فى المدينة من فرنسا وإيطاليا، ثم بلجيكا واليونان.

اقرأ أيضا

سينمات عروس البحر المتوسط: إسكندرية ليه؟

السينمات في الفيوم.. أطلال وأنقاض وذكريات

فيديو| سينما بورسعيد: وتحولت دور العرض إلى أبراج.. وجراجات

سينمات أسيوط.. التاريخ وحده لا يكفى

ملف| الشاشة الساحرة غائبة فى أقاليم مصر

السينما في القصير.. قصة أول عربة متنقلة للعروض السينمائية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى