السينما في القصير.. قصة أول عربة متنقلة للعروض السينمائية

أسس الإيطاليون “الشركة المصرية لاستخراج وتجارة الفوسفات” عام 1912، وهي شركة مصرية إيطالية في مدينة القصير، ساهم فيها نحو 200 إيطالي واستمرت الشركة في عملها لما يزيد عن النصف قرن، وانتهت بتأميمها من قبل الحكمة المصرية.

الشركة لعبت دورا كبيرا في إعادة النهضة للمدينة، وبوجود الشركة والمناجم وتكوين مجتمع مدني في المدينة، يضم سكن للعمال المصريين واستراحات للزوار وكبارها وعوامل للترفيهية، عاشوا وعملوا مع المصريين والسكان المحليين بشكل وثيق.

السينما الصامتة

مرت السينما العالمية والمصرية إبان هذه الفترة بالعديد من التطورات، وإنشاء دور العرض في محافظات مصر، لكن في مدينة القصير كانت السينما تعرض بشكل مختلف لعمال مناجم الفوسفات وللمهندسين والإداريين الإيطاليين بالشركة، حيث دشن الإيطاليون دار عرض متنقل ميعرض أفلاما صامتة، كما كان فى ذلك الوقت.

يرتحل عمال مناجم “حمضات، والبيضا، والعطشانة، والفرع، والنخيل ويونس و22 عشرين”، يوميًا بعد انتهاء عملهم إلى “الكانتين” مكان مثل الاستراحة يوزع فيه المنتجات الغذائية للعمال لمشاهدة العروض السينمائية كنوع من الترفيه والمتعة.

يقول المؤرخ طه الجوهري ابن مدينة القصير لـ”باب مصر”: اهتم الإيطاليون في مدينة القصير من خلال تواجدهم في شركة الفوسفات بنقل الثقافة السينمائية إلى مدينة القصير، من خلال العروض السينمائية التي كانت تعرض للمهندسين والإداريين وبعدها للعمال عن طريق السينما الصامتة.

ويضيف الجوهري، شهدت هذه الحقبة التاريخية بزوغ نجم السينما الصامتة في العالم وخاصة في أوروبا، حيث تشير المراجع التي تحدثت عن السينما الصامتة، أنه ما بين عامي (1907 -1913)، بدأت صناعة الفيلم في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وعمدت أفلام تلك الفترة إلى تقديم نصوص سردية روائية مُتماسكة من داخلها، وبلغ متوسط الفيلم ألف قدمٍ طولًا، ويستغرق عرضه حوالي خمس عشرة دقيقة، وفي عام 1907، تم إنتاج ما يُقارب 1200 فيلم.

في هذه المرحلة، ضمت مشاهير السينما الصامتة (شارلي شابلن Charles Chaplin، ديفيد جريفيث David Griffith، وغيرهم)، وتكلفَّت أفلام هذه المرحلة أموالاً أكثر، وبدأت مسألة نوعية وجودة الفيلم تثير جدلاً، كما صنعت أنواع مختلفة من الأفلام في هذه المرحلة.

العربة المتنقلة

العربة التي تحمل ماكينة العرض الصامت، تُجر من خلال قاطرة على شريط السكة الحديد الموجود داخل الشركة، والمستخدم في نقل الفوسفات من المناجم إلى داخل الشركة، تعرض كل يوم فيلمًا صامتًا في منجم من المناجم، بينما كانت الشركة تخصص يوما للعرض في مدينة القصير، فكان يتم سحب هذه العربة وإدخالها فيما يعرف بمبني “الكانتين” – أمام نادي الجيمي حاليا -، فيتجمع العاملون والموظفون بالشركة لسماع هذه الأفلام، وأحيانا كانت تعرض الأفلام داخل  مبنى الشركة في أحد المباني المجاور لمبنى “الميس” الآن.

يوضح الجوهري، أن فكرة العربة المتنقلة جاءت بعد افتتاح الملك فواد منجم البيضا الواقع في حبل ضوي، والذي يقع غرب مدينة القصير بحوالي ثلاثين كيلو مترا، وكان يرافقه رئيس الديوان الملكي ورئيس الوزراء عدلي باشا يكن، ووزير المالية مرقص حنا باشا، وكانت يجلس الملك فواد فوق عربة القطار الصغيرة الموجودة على شريط السكة الحديد التي تربط بين الشركة في مدينة القصير والميناء وبين مناجم الفوسفات المتناثرة في سلسلة الجبال المحيطة بالمدينة.

تأميم الشركة

بعد تأميم الشركة في ستينيات القرن الماضي، تحت اسم “شركة البحر الأحمر للتعدين”، ظهرت السينما المتنقلة مرة أخرى وبشكل آخر في مدينة القصير، تحت إشراف وزارة الصحة، كانت تجوب مدينة القصير سيارات حكومية تأتي من القاهرة، وأحيانا من الغردقة، تعرض في شوارع المدينة أفلاما بقصد التوعية والتثقيف الصحي من خلال أفلام قصيرة تحتوي على إرشادات صحية للمواطنين، يعقبها عرض أحد الأفلام الوطنية، والتي تحكي تاريخ الثورة، وكان لها أثرا كبيرا في مواطني القصير، ولها تأثير كبير في رفع الروح والحس الوطني لدي أبناء المدينة، كذلك كان لها أثرا كبيرا في توعية الناس للحفاظ على البيئة والاهتمام بالنواحي الصحية.

اختفاء السينما المتنقلة

اختفت ظاهرة السينما المتنقلة بعد رحيل الزعيم جمال عبدالناصر، وبدأت مرحلة جديدة من خلال دور العرض الثابتة، وكان نادي الموظفين الواقع أمام قسم الشرطة القديم في عرض الأفلام العربية والأجنبية.

يقول حسن عايش، رئيس جمعية حماية التراث بالقصير: حدث اختلاف بين موظفي الشركة آنذاك وبين بعض شباب الموظفين من أبناء المدينة، فقاموا بشراء ماكينة  أفلام جديدة بمساعدة الضابط المسؤول عن قسم الشرطة آنذاك، ووضعوها بمركز شباب مدينة القصير، الذي يطلق عليه الكثيرون “مركز الساحة” وكانت أحد الأماكن التي تعرض فيها الأفلام من خلال السينما الثابتة بالمدينة.

وتابع عايش: بعد ذلك لعبت الجمعيات دورا كبيرا في عملية التثقيف، حيث قامت جمعية الشبان المسلمين وهي أحد أقدم الجمعيات بالمدينة بعرض الكثير من الأفلام داخل إحدى صالات العرض، ثم جمعية النهضة، ثم أعقبها جمعية تنمية المجتمع أو ما يعرف في المدينة باسم الوحدة الصحراوية، وكان سعر التذكرة يتراوح بين 3 و5 قروش للفرد.

ثم انتقلنا بعد ذلك مع ظهور جهاز الفيديو خاصة مع القادمين من الخارج لمرحلة جديدة، وهي عرض الأفلام داخل المقاهي ونادي العجيمي، حيث كان يتم عرض مجموعة من الأفلام العربية والأجنبية.

ويناشد المؤرخ طه الجوهري أجهزة الدولة المصرية، بالحفاظ على ما تبقى من تاريخ مدينة القصير واستغلال مواردها في ترويج للسياحة الداخلية، إذ تتمتع المدينة بالعديد من الأبنية التاريخية العظيمة والأماكن السياحية، التي تعتبر من أهم مصادر الدخل القومي وإعادة ترميم ما تبقي بعد ما تعرض منها للهدم والتخريب.

اقرأ أيضا

ملف| الشاشة الساحرة غائبة فى أقاليم مصر

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى